fbpx
المجتمععلوم الحياةقضايا

المثلية الجنسية حتمية وراثية في جيناتنا أم انحراف سلوكى؟

حقيقة المثلية الجنسية

ماذا لو أخبرك أحدهم بأنه مثلىّ أو لديه ميول مثليّة؟ سنرى وقتها أحدهم يمتعض وواحد يُكَفّر و آخر يندد ويتنمر، تلك تصيبها حالة من الغثيان وغيرها تدهشها الصدمة وهناك أيضًا من تكون جعبته جاهزة بوصمات الجهل والتخلف والرجعية، وآخر يرفع فورًا رايات الحرية والتحرر ويصيح بكل نداءات الكراهية المجتمعية وهناك من ينصرف تمامًا عن مناقشة مثل تلك الأمور وكأن اللعنة سوف تصيبه؛ فدائمًا ما تثير قضية الجنسية المثلية الكثير من الجدل ليس فقط على مستوى العامة بل في الوسط العلمي أيضًا

بين خرافات يرددها رجل الشارع وأبحاث علمية تُنشر وتلقي قبولاً و أخرى تُدحض نتناول هذا الموضوع.


ماذا تعنى الجنسية المثلية ومتى نقول أن شخصًا ما لديه ميول مثلية؟

قبل أن نتعرف عن ماهية المثلية هناك بعض المفاهيم المغلوطة عند البعض وغير المعروفة عند آخرين؛ فالجنس (Sex)  هو المحدد البيولوجي للفرد وتحدده الأعضاء الجنسية الداخلية والظاهرة، بينما النوع (Gender) هو الهوية التي يرى الشخص نفسه داخلها ويحددها التصور النفسي الذاتي، أمّا التوجه الجنسي (Orientation) فهو الموضوع الخارجي الذى الذي تتوجه له الشهوة والعاطفة الرومانسية، وأخيرًا التعبير النوعي (Expression)  وهو ما يظهر على الفرد من تعبيرات ذكورية أو أنثوية في التعامل أو البنية الجسدية. والجدير بالذكر أنه لا يوجد ارتباط بين أى عامل من هذه العوامل الأربعة مع الآخر، فقد يكون هناك ذكر جنسي بهوية أنثوية (مضطربي الهوية) أو ذكر جنسي بهوية ذكورية لكن تعبير أنثوى في السلوك أو التعامل أو التصرف.

أما عن تعريف الجنسية المثلية؛ فهى نمط ثابت ومستمر من الانجذاب الجنسي أو الرومانسي للأفراد من نفس الجنس، في حالة من السواء النفسي والعقلي.

ربما يتبادر إلى ذهنك الآن سؤال، هل تُعد مشاعر الود الزائدة والتعلق العاطفي بين الأصدقاء من نفس الجنس بمثابة ميول مثلية؟ في الحقيقة هذه ليست ميولًا مثلية، لكنها قد تتطور لتصبح علاقة اعتمادية سامة؛ فتشخيص الجنسية المثلية يشترط عدم تدخل مشاعر الود هذه، أي يجب أن يكون الانجذاب جنسيًا أو رومانسيًا في الأساس، كما يشترط ثبات النمط الحياتي بألا يدخل فيها الانجذابات العابرة أو المؤقتة، كذلك السواء العقلي والنفسي، حيث يُستبعد اضطراب الوسواس القهري،ذلك أن هناك وسواس بالمثلية.

سؤال آخر قد يلح على البعض أيضًا، هل الخيالات الجنسية (المثلية) دليل على وجود ميول مثلية؟ و الإجابة ذكرناها سابقًا، الشرط أن يكون النمط ثابت ومستمر في الانجذاب لنفس الجنس، لكن لا داعي للاسترسال في مثل هذه الأفكار.

 

هل الجنسية المثلية حتمية وراثية؟

دراسات عدة تناولت الجنسية المثلية من أجل الحصول على إجابة شافية لهذا السؤال الكبير، أبحاث في أرقى الدوريات العلمية تؤيد هذه الفكرة وأخرى تدحضها ربما في نفس الدورية؛ ففي عام 1991 أشارت دراسة في مجلة الساينس إلى وجود اختلافات في التركيب التحت مهادي (hypothalamus)  بين المثليين والغيريين وذلك لوجود خلايا عصبية أكبر حجمًا  في الغيرين عنها في المثليين. ولأن تحت المهاد وثيق الصلة بالسلوك الجنسي؛ افترضت الدراسة أن هذه المجموعة العصبية هي التي تحدد الميل الجنسي وبالتالي الميل الجنسي للفرد مُحَدّد بيولوجيا منذ الولادة. لاقت هذه الدراسة انتقادات كثيرة لصغر حجم العينة التي تمت عليها الدراسة، ليس هذا فقط بل أن 19 ذكر ممن أُجريت عليهم الدراسة توفوا بمرض الأيدز و 16 آخرون لم تحدد هويتهم الجنسية وكلهم توفوا أيضًا، بالإضافة إلى 6 إناث واحدة منهم توفت بالإيدز والبقية لأسباب أخرى. افترضت الدراسة أن تغير حجم هذه المجموعة من الخلايا هو المُسبب للتوجه الجنسي بالرغم من إمكانية أن يكون (نتيجة) للممارسة الجنسية المتكررة نظرًا لمرونة المخ. ورغم كل تلك الانتقادات التي أثيرت حول هذه الدراسة إلا أنه رُوج لنتائجها إعلاميًا وغُيّب الجمهور عن كل ما وُجه ضد نتائج البحث.

كرد فعل لصاحب هذه الدراسة على هذه الترويجات المبالغ فيها كان الرد: “من المهم أن أؤكد على ما لم أجده، فأنا لم أثبت أن الجنسية المثلية مُتغير وراثي، ولم أثبت أن المثليين قد ولدوا هكذا، و هذا هو الخطأ الشائع في ترجمة نتائج بحثي.أنا لم أحدد مركزًا في المخ للجنسية المثلية، وحيث أننى درست المخ البالغ، فنحن لا نعرف إن كان هذا التغير موجودًا عند الولادة أم ظهر لاحقًا“. 

دراسات (1,2) أخرى جاءت بنتائج في نفس السياق كأن يكون للوراثة دور أقوى من البيئة، وأخرى زعمت بوجود جين مسؤول عن المثلية (Xq28)  لكن تم ضحدها أيضًا بالأدلة و البراهين والأبحاث؛ ففي عام 2003 مثلاً اكتمل مشروع الجينوم البشري ولم يتم عزل ما يُسمى بجين المثلية، وفي عام 2016 قدمت دراسة أخرى ملخصًا دقيقًا وتفسيرًا معاصرًا لأبحاث متنوعة تناولت موضوع المثلية الجنسية من مناظير مختلفة كالعوامل البيولوجية والاجتماعية والنفسية وتأثيرها على التوجه المثلي و الهوية الجنسية.


أما الدراسة الأحدث والأضخم 

تشير أحدث دراسة والتي تُعد الأضخم من نوعها – تمت على ما يقارب النصف مليون شخص بريطاني وأمريكي- بالاستعانة بالبنك الحيوي البريطاني (UK Biobank) و شركة (23andMe) إلى أنه لا يوجد جين واحد للمثلية يمكن من خلاله التنبؤ بسلوك الشخص المثلي، إنما يوجد 5 متغيرات جينية داخل الحمض النووي للأشخاص ذوي الميول المثلية لا يتعدى تاثيرها 25 %،  لذا حسب هذه الدراسة فإن السلوك الجنسي المثلي يتأثر بعدة عوامل بيولوچية ونفسية واجتماعية وبيئية مختلفة قد تكون العوامل البيولوجية ذات التأثير الأقل عليها.

 

خرافات حول الجنسية المثلية

 

    1. المثلي اختار أن يكون مثليًا بكامل إرادته ويريد أن يكمل حياته كما هو

فبعيدًا عما تُصّدره لنا وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي وحتى بعض الجمعيات التي تنادي بحقوق المثليين في الشرعية والتزاوج وعلى الرغم من انتشار هذا الفكر بيننا، إلا أن هناك الكثيرون ممن يصارعون ضد ميولهم المثلية، يخوضون حربًا شديدة الضراوة بين هذه الميول و بين شعورهم بالخزي والعار وسط زويهم وأقرانهم مما يبطئ تحركهم نحو العلاج. هناك المئات بل الآلاف ممن يملئون عيادات الطب النفسي يتحسسون سبل النجاة من أجل حياة طبيعية من أجل شعور صحيح بهويتهم الجنسية الحقيقية.

   2.  لا علاج للمثلية 

يظن البعض أنه لا علاج للمثلي وكُتب عليه أن يظل على حالته طيلة العمر؛ لكن لعلم النفس رأى آخر.

 

المثلية وعلم النفس

في بدايات القرن الماضي (1905) اعتبر فرويد الجنسية المثلية مرحلة من مراحل التطور الجنسي للإنسان يعبرها البعض إلى الجنسية الغيرية، بينما يتوقف البعض الآخر عندها ويصبحوا مثليين. ووافقه في الرأي يونج وآدلر.

جاء التحليليون بعدها بآراء متباينة حول سبب المثلية؛ فهناك من رفض فكرة فرويد و قالوا إن الجنسية الغيرية طبيعية أما المثلية فهي محاولة للحصول على اللذة الجنسية عندما تكون العلاقة الغيرية الطبيعية صعبة، وهناك أيضًا من رأى أن الجنسية المثلية تنتج من علاقات مرضية داخل الأسرة خلال المرحلة الأوديبية من النمو الجنسي (من أربع إلى خمس سنوات).

في منتصف القرن الماضي (1952) أُدرجت الجنسية المثلية في الدليل التشخيصي  والاحصائي للأمراض النفسية (DSM) تحت فئة اضطرابات الشخصية المضادة للمجتمع، لكن تم تغييرها بعد ذلك عام 1968 إلى فئة الانحرافات الجنسية. هذا إلى أن ظهرت جماعات اللوبي (الضغط) المثلية في أمريكا والتى أدت بدورها إلى رفع الجنسية المثلية من الدليل الإحصائي والتشخيصي عام 1973.

 

هل هناك علاج للمثلية ؟

يرى دكتور شهاب الدين الهوارى (طبيب و معالج نفسي وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي وعضو الجمعية المصرية لطب الجنس و جراحاته) أن الجنسية المثلية هي متلازمة من المشكلات التي تخص البنية النفسية وصورة الذات والإساءات غير المشفية والاحتياجات غير المشبعة، ولذلك توصف عملية استعدال الميل الجنسي بأنها عملية نمو ونضج وليست تعافيًا، وقد تتضمن التعافي إن كان هناك إدمان للعلاقات المثلية متمثلاً في القهر والإلحاح والخروج عن التحكم، وهو نمط ليس بالنادر بين ذوي الميل المثلي. ولعل أهم عوامل النجاح في استعدال الميل الجنسي هو الحفاظ على قدر مقبول من الدافعية، ورؤية العواقب المترتبة على الاستمرار بنفس النمط، والتوقف عن أي نمط حياة أو سلوك مثلي، وتبني هوية جديدة كصورة معبرة عن حقيقته الجنسية. وهناك عدة نماذج علاجية مُتبعة عالميًا لتصحيح الميل المثلي؛ على رأسها نموذج العلاج الإصلاحي لجوزيف نيكولوسي، ونموذج الشفاء العاطفي لريتشارد كوهين، ثم نموذج أخوية مانز، ويحتاج النموذجين الأولين إلى معالج مختص بهذا النوع من العلاجات، أما منهج مانز فيمكن تطبيقه تحت إشراف مرشد أو موجه روحي أو مع زمالة مدمني الجنس المجهولين.


في بيتنا مثلي

لا داعى لمزيد من التنمر و العزل والإقصاء، فكل ما يريده المثلي حسب رؤية دكتور أوسم وصفي (استشاري الطب النفسي واضطرابات الهوية الجنسية) هو الانفتاح والالتحام مع آخرين غيريين (ذوي ميول جنسية طبيعية) يعوضوا هذا المثلي ما افتقده من انفتاح والتحام كان يجب أن يحصل عليه في الماضي. فالقبول والاحترام والاحتواء هو مفتاح العلاج وهو ما يعوضه جنسيته النفسية.

وفى الأخير، نحن نتقبل الشخص لا السلوك؛ فالمثلي غير مسئول بصفة مطلقة عن ميوله الجنسية لكنه مسئول تمامًا عن سلوكه تجاه هذا الميل. وإلى الآن القصة لم تكتمل فالسلوك الجنسي المثلي معقد بما يكفي ويحتاج إلى دراسات أخرى، وبعيدًا عن أي أيدلوجيات فكرية أو انتماءات متحيزة لا يزال فهمنا للسلوك البشرى عمومًا وخاصةً في مثل هذه الحالة أمر في غاية الأهمية يتطلب منّا جميعًا وعى وفهم لحقائق وطبائع الأمور.. 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *