fbpx
أمراضالطب النفسي

لهذه الأسباب لم يأخذ البعض كوفيد-19 على محمل الجد

“يعلم الناس بأنَّ الأوبئة تتناوب في العالم، لكننا نجد صعوبة في تصديق أن مثل تلك المصائب تسقط على رؤوسنا من سماء زرقاء نقية. ويذكر التاريخ الأوبئة كما يذكر الحروب بالضبط.”

“ليس لدي أي فكرة عما ينتظرني، أو ماذا سيحدث عندما ينتهي كل هذا. لكن في الوقت الحالي، أعرف جيدًا أنّ هناك مرضى يحتاجون إلى العلاج.” –  ألبير كامو، رواية الطاعون. 

حدثتنا صفحات التاريخ عن أوبئة كثيرة، بالغة الخطورة، نشرت حالة من الذعر بين الناس. عادةً ما تكون مثل هذه الأمراض المعدية قادمة من الأحياء الدقيقة (الميكروبات)، وهي كائنات لا تُرى بالعين المجردة، كالبكتيريا والفيروسات. 

إن جائحة كورونا التي هددت حياة البشر عام 2020، لم تكن الأولى من نوعها، كما لا يمكننا قول أنها الأخطر، لكن لحسن الحظ، أنها أتت في عصر التكنولوجيا والتقدم الهائل في جميع المجالات على رأسهم المجال الطبي. لقد كان لكل عصر نصيبه من هذه الأمراض. عندما نقارن الخسائر البشرية لجائحة كورونا مع خسائر الإنفلونزا الأسبانية مثلًا، قد نعتقد أنَّ كورونا أقل خطورة، فقد أودت الإنفلونزا الأسبانية 1918 بحياة حوالي 50 مليون شخص حول العالم. 

الإنفلونزا الأسبانية عام 1918.

لقد لعب الحظ دوره في ظل كورونا، نظرًا للتقدم في المجال الطبي وتطوير اللقاحات والأدوية المضادة للبكتيريا والفيروسات – كما ذكرت – فقط تخيل لو أنَّ كورونا أتت في عصر مازال يحبو فيه الطب، لا أعتقد أنَّ حظنا سيكون أفضل من أهل عصر الإنفلونزا الأسبانية أو الطاعون أو الكوليرا أو الجدري وغيرهم.  

هل اعتمد أهل عصر الكورونا على التقدم العلمي؟ أم أنَّ للأمر أبعاد أخرى؟ 

يقول المثل: “الممنوع مرغوب”، إنه ليس مجرد مثلًا شعبيًا، وإنما هو حقيقة نفسية، فالنفس البشرية تميل في أغلب الأحيان لاستكشاف الأمور الممنوعة، فهذه الممنوعات غامضة بالنسبة لها، لذا تسعى النفس الفضولية للبحث في هذا الأمر عن قرب أكثر واختراق الخطوط الحمراء حتى وإن كانت تعلم أنّ تصرفها هذا سيؤذيها. 

هذا ما حدث بالضبط أثناء جائحة كورونا. لم يعبأ الكثير من الناس بالوضع الجديد، ومارسوا حياتهم كما هي، دون اتخاذ التدابير الوقائية. لماذا يا ترى؟ هل لديهم اعتقادًا بأنَّ الوضع ليس خطيرًا؟ أم أنه الخوف من المشورة الطبية؟

أحيانًا يتجنب الإنسان مخاوفه بتجاهله إياها. كما تشير بعض الأبحاث إلى أنَّ فيروس كورونا أو كوفيد – 19 مُخلّق صناعيًا، مما يدعم اعتقاد الناس بنظرية المؤامرة. 

ربما هذا نتيجة الانحياز للتفاؤل 

عندما تسمع عن خطر ما في أي مكانٍ ربما يُصيبُك الذعر، لكن تجد نفسك تلقائيًا تستبعد فكرة أن يصل إليك هذا الخطر من الأساس. إنها طبيعة النفس البشرية يا صديقي، تحاول أن تجد سببًا لتطمئن. هذا يُسمى “الانحياز للتفاؤل”، وهو إتجاه يميل البشر إليه لتقليل المخاطر المُحتملة، خاصةً لدى الشباب والبالغين الأصحاء، أو أنه نوع من تجاهل الخطر.

بالرغم من التحذيرات التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية، والتوعية الصحية التي بثتها القنوات على شاشات التلفاز، لتحذير البشر من الخطر الداهم وتوضيح الصورة الكاملة للخطر المحيط، وأهمية التباعد الاجتماعي واتخاذ الإجراءات الوقائية، إلا أنّ البشر انساقوا وراء التفاؤل واستبعاد الخطر. ما دعم موقفهم هو تصريحات بعض رجال السياسة بأنّ الفيروس مجرد خدعة لخدمة مصالح سياسية. 

هناك من يعتقد أنّ لنظرية المؤامرة دور ما

عندما بدأ الأمر ينعطف نحو ذروة الخطر، وظل العديد من البشر مقتنعين بأنّ الفيروس مجرد خدعة، بدأ رؤساء العالم والشخصيات المؤثرة في تحذير البشر. 

في الولايات المتحدة خاصةً، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن الوباء، وأعطى التوصيات الخاصة بالوقاية، وهنا جاءت فكرة نظرية المؤامرة، فبعد بيان ترامب، انقسم الناس إلى أحزاب، منهم من يثق في مصداقية الرئيس الأمريكي ومنهم حزب آخر وهو الليبراليين الذين يعتقدون أنّ معلومات ترامب مُضللة للناس، ويتظاهرون بأنّ الخطر بعيد ولا يوجد أي داعٍ للقلق، ليثبتوا تضليل الرئيس ولا يتركون له أي فرصة للانتخاب مرةً أخرى. ليس ذلك فقط، بل إنهم ينشرون أخبارًا تفيد بأنّ الوباء ما هو إلا كذبة للتأثير على الاقتصاد من أجل أسبابٍ سياسية. 

لكن ما الذي يجعل الناس يؤمنون بنظرية المؤامرة إلى هذا الحد؟ دعنا نحلل للأمر من منظور نفسي عن طريق شيئين: 

  • الأول: طبيعة النفس البشرية تؤمن بنظرية المؤامرة، مثال؛ يعتقد حوالي 50%من سكان الولايات المتحدة الأمريكية بنظرية واحدة على الأقل من نظريات المؤامرة. 
  • الثانية: هناك أسباب مقنعة تدعم فكرة نظريات المؤامرة، يرجع أصلها إلى عدم الثقة، فعندما لا يثق الأشخاص في المصادر الموثوقة – كمنظمة الصحة العالمية – بسبب انتمائهم السياسي أو المعتقدات الشخصية، عندئذٍ يعرضون أنفسهم للمعلومات المضللة.  

نستطيع القول أنّ مؤيدي نظرية المؤامرة عندما يبحثون عبر الإنترنت أو أي مصدر للمعلومات ويجدون المعلومات الوفيرة، يختارون المعلومات التي يريدون تصديقها وتؤيد فكرتهم فقط. 

إنها الحاجة إلى التفرد 

تشير إحدى نظريات المؤامرة المتعلقة بفيروس كورونا إلى أنّ هناك وباءً يظهر في كل عام تُقام فيه الانتخابات، لكن عند النظر إلى السجلات نجد أنّ هذا التفكير غير دقيق. إذًا، لماذا تحظى نظريات المؤامرة بهذا الصدى؟ إنّ فكرة الحقيقة المخفية وراء الأحداث العالمية تجعل صاحبها يشعر بالتفرد، وأنه يفهم ما لا نفهمه. أجل، نحن بالنسبة إليه نطبق مبدأ “عقلية القطيع” أما هو يتبع فكره الخاص، لذا فهو متميز عنا. لكنه في الحقيقة يميل إلى ما يُطلق عليه علماء النفس “الحاجة إلى التفرد”.  

لذا يجب أن يدرك الناس أنّ نظريات المؤامرة تلك قد تنتج عن التضليل المتعمد بالمعلومات الخاطئة. كل هذا من أجل خدمة غرض سياسي معين. يعتقد البعض بأنّ الغرض من هذا التضليل هو اللعب في وتر حساس وهو نفسية الناس، وجعلهم يفقدون الثقة ليس فقط في السلطات بل في مفاهيم الحقيقة والثقة نفسها. هذا بدوره يخلق جوًا مشحونًا، ويُفقِد الناس مفاهيم شخصية.

من ذلك كله، نستطيع القول أنَّ الأمر قائم بشكلٍ كبير على نظريات المؤامرة، التي يعتقد فيها الكثير من الناس، فهي تغذي حاجة النفسية البشرية من التفرد، كما تدعم الأفكار التي يتبناها البعض، أيضًا لا نستطيع غض الطرف عن الانحياز للتفاؤل، لكن الحقيقة الواقعية تقول أنّ هناك وباء ينتشر في الأطراف، وعلى الجميع الحذر منه حتى ينقضي الأمر بسلام. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *