fbpx

بماذا كان يفكر العراب ؟.. بدايات علم الوراثة

لبساطة تجاربه يشيع البعض أن اكتشافات مندل كانت بمحض الصدفة، لكن التاريخ يكشف لنا الحقيقة..

بذور مندل

تنسب نشأة علم الوراثة الحديث إلى  راهب نمساوي عاش في القرن التاسع عشر، مجريًا تجاربه في باحة الدير على نبات الجلبان العطري (بازلاء الزهور). إنه جريجور مندل، ولبساطة تجاربه التي غيرت مجرى علوم الأحياء ككل، يشيع بين البعض أن اكتشافات مِندل كانت بمحض الصدفة، لكن التاريخ يكشف أن حياة مندل البسيطة حملت مزيجًا من التجارب والعناء والإصرار قبل وصوله إلى مبتغاه.

وُلد غريغور يوهان مِندل في بلدة هينزندورف لأب وأم يعملان في فِلاحة الأرض - الأب أنطوان والأم روزين - كان الوالد من المهتمين بالزراعة في أراض العائلة وكان لمندل شقيقتان وهما: فيرونيكا، وتيريزيا. في طفولته كان بستانيًا كما اهتم بِتربية النحل. درس مندل الفلسفة والفيزياء في المعهد الفلسفي بجامعة اولوموك من عام 1840؛ ولكنه توقف عام 1843 عن الدِراسة لاعتلال صحته. 

عاني مندل كسائر أقرانه من أبناء الفلاحين من دفع تكاليف الدِراسة، لينتهي به الأمر ملتحقًا بدير القديس توماس في النمسا عام 1843، حيث يمكنه التعلم دون عناء دفع التكاليف. ولأن الدير كان أيضاً ملتقًا دينياً وعلمياً، فقد تعرف إلى الكثير من العلماء والمفكرين والأدباء. وفي عام 1851 سافر إلى جامعة فيينا لدراسة العلوم الرياضية وعلم الإحصاء. 

درس مِندل الرياضيات والإحصاء لمدة أربعة عشرة سنة، وفي عام 1868 اُنتخب رئيسًا للدير، لتكون فرصة سامحة لإجراء المزيد من التجارب العلمية في حديقة الدِير.

نثر البذور 

بتلك المعادلة البسيطة المُتواضعة مثل صاحبها تمامًا، كانت البداية الفعلية لعِلم الوراثة؛ لكن الرحلة لم تكن سهلة على الإطلاق، فقد استغرقت حوالي 8 سنوات كاملة من المراقبة الدقيقة للغاية لنبات البازلاء منذ نثر بذوره في الأرض حتى تمام نضج أزهاره وثماره. بلغت تلك التجارب قرابة ألف تجربة وضمت ثلاثين ألف شتلة من شتلات البازلاء. كل هذا العناء، وكل هذا المجهود لم يلق الاهتمام الكافي. 

Credit: Pinterest

منذ 1856 بدأ مندل في تدوين ملاحظاته، وإجراء تحليلاته الرياضية علي الطًرز المظهرية (الشكل الظاهري للنبات) وجدّ أن هناك اختلافات بين الآباء وبين الأجيال المًتعاقبة. لم يتمكن مندل آنذاك من معرفة السبب الحقيقي لهذه الإختلافات؛ لكنه تمكن من حصر تلك الاختلافات ومعرفة نِسبها، وتقديمها بدقة، تلك الدِقة كانت نتيجة المنهجية الصارمة التي استخدمها في تصميم تجاربه الإحصائية .

اعتقد مندل أن الاختلافات تنتج من داخل النبات ذاته، وفي عام  1865 دُعي إلى حفلة عشاء تنظمها جمعية التاريخ الطبيعي المحلية، والتي تضم بعض علماء الرياضيات النمساويين المهتمين بدراسة الطبيعة. ذهب لعرض الملاحظات التي توصل إليها حول سلوك انتقال الصفات في النباتات فقدم الصفات التي توصل إليها ووضح أن تلك الصفات خصوصاً صفات ألوان الأزهار تظهر وتختفي على مر الأجيال المُستنبتة. بتتبع كل واحدة من تلك الخصائص وجد أنها كل مرة تظهر بنسبة محددة لا تتغير، ولا يمكن كسرها إلا في حالات قد تكون نادرة جداً.

ومن أجل توضيح أكثر تقدم مِندل بفرضية مفادها: لو أن هناك نبات يحمل زهرة ذات لون أبيض (نقي)، ونبات آخر يحمل زهرة ذات لون أرجواني (نقي)، وحدث تزاوج بين هذه النباتات ينتج عن هذا التزاوج جيل أول من النباتات جميعها تحمل زهور لونها أرجواني (هجينة) بنسبة 100%  -  وعندما تتزاوج نباتات الجيل الأول ذات الزهور الأرجوانية الهجينة تلك فيما بينها ينتج عن هذا التزاوج جيل يحمل الصفتان معًا بنِسبة (1:3)، أي 3 نباتات ذات أزهار أرجوانية، ونبات واحد ذا زهرة بيضاء.  

تعتبر تلك القواعد التي وضعها الراهب النمساوي كانت الأساس لعِلم جديد وهو (عِلم الوراثة)؛ – في هذا التوقيت كانت هناك معارك طاحنة بين رجالات كليات اللاهوت في لندن وأدنبرة وتشارلز داروين إبان ذلك نشر نظريته (النشوء والارتقاء) عام 1858م كانت فرضية داروين في هذا الوقت تجتاح المسرح العِلمي والأكاديمي في العالم ولم يلتفت أحد لفرضيات مِندل. عانى من الإحباط لأن أحدًا لم يسمع بمقترحاته أرسل عِدة خِطابات لكل المهتمين بدراسة الطبيعة حتى داروين ذاته؛ لكنه لم يتلق أي رد من هؤلاء.

عام الحصاد

بعد وفاة مندل بعدة سنوات، وتحديدَا في عام 1900، أُعيد اكتشاف أعمال مندل من قبل ثلاثة علماءٍ أوروبيين: هوغو دي فريس، وكارل كورينس، وإريك فون تششرماك.

 كان ويليام بيتسون هو أحد أقوى الداعمين لنتائج مندل وصاغ على إثرها مصطلح "علم الوراثة".

عارض العديد من العلماء نموذج الوراثة لأنه يدل على أن الوراثة فيه كانت متقطعةً مقابل التباين المستمر الظاهر للعديد من الصفات؛ ورفض العديد من علماء الأحياء أيضًا النظرية لأنهم لم يكونوا متأكدين من أنها تنطبق على جميع الأنواع. أظهر العمل اللاحق الذي أنجزه علماء الأحياء والإحصاء مثل رونالد فيشر أنه إذا كانت هناك عدة عوامل مندلية متورطة في التعبير عن صفةٍ فردية فإنها يمكن أن تنتج النتائج المتنوعة التي لوحظت، وبالتالي أظهرت أن علم الوراثة المندلية متوافق مع مبدأ الانتقاء الطبيعي

ثم دمج هانت مورغان ومساعداه في وقت لاحق النموذج النظري لمندل مع نظرية الكروموسوم، حيث كان يعتقد أن كروموسومات الخلايا تحتوي على المادة الوراثية الفعلية، وهو الذي خلق ما يعرف الآن بـ "عِلم الوراثة الكلاسيكية" 

ومن ثم أطلق عالم الأحياء ولهلم جوهانسن عام 1905 اسم (الجينات) على العوامل التي اكتشفها ووصفها (مِندل) وقد اشتق تلك الكِلمة من اللفظة اليونانية (Genea)، والتي تعني كلمة (جيل)، وأطلق على العاملين المختلفين اسم allele وتعني تلك الكلمة المناقض أو المضاد،  يشكل الأليلان أو زوج العوامل المختلفة معًا ما يعرف باسم الطراز الجيني  genotype، وهو ما يحدد الأشكال المظهرية الخاصة بالنبات، تلك التي لاحظها مندل في بداية تجاربه وأطلق عليها مصطلح الطراز المظهري phenotype.

 بتلك المحاولات يُعد مِندل هو من وضع حجر الأساس الأول لعِلم الوراثة، وأول من توصل إلى نتائج ذات أهمية في هذا العِلم. والتي مهدت الطريق للعلماء من بعده لاكتشاف آليات انتقال الصفات من الآباء إلي الأبناء. 
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
0
Share