fbpx

اعرف عدوك: لماذا يُعد وضع التسلسل الجيني هو المفتاح لتتبع كوفيد-19

جهود الولايات المتحدة لتحليل جينوم الفيروسات، اتسمت بالبطء في البداية، إلا أنها تزداد تسارعًا الآن.

في العام العادي، يجري فريق المراقبة في مختبر علم الفيروسات الإكلينيكي بجامعة واشنطن حوالي 50 ألف اختبار للتعرف على الفيروسات، لكن منذ أن ظهرت أول حالة كوفيد-19 في مدينة سياتل، حيث يقع المختبر، أجرى الفريق حوالي 2 مليون اختبار. "عدد الاختبارات التي تُجرى في أربعين عامًا، قمنا بها في عامٍ واحد" وفقاً لما يقوله مساعد مدير المختبر، أليكس جرينينجر.

يعد هذا المختبر أيضًا واحدًا من المختبرات العديدة - المنتشرة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء المرافق الحكومية والخاصة والجامعية - والتي تقرأ جينوم الفيروسات في عينات الاختبار الإيجابية لمعرفة ما إذا كانت هناك أية تغييرات مقلقة في تركيب الفيروس.

 صارت أهمية هذا البحث أكثر وضوحًا في ديسمبر 2020، بعد الإبلاغ عن ’المتحور المثير للقلق‘، B.1.1.7 من المملكة المتحدة، والذي يملك طفرات تُمكنه من الانتشار بسهولة وسرعة أكبر من فيروس كورونا الأصلي سارس-كوف-2.

كان ظهور هذا المتحور، إلى جانب المتحورين B.1.351 من جنوب إفريقيا و  P.1 من البرازيل، من بين العوامل التي أدت إلى تجديد التركيز على المراقبة عن طريق وضع التسلسل الجيني- أي فهرسة ترتيب الوحدات الفرعية الكيميائية للمادة الجينية للفيروس.

 تعهدت إدارة بايدن بتخصيص حوالي 200 مليون دولار لتعزيز جهود عمليات وضع التسلسل الجيني، ووافق الكونجرس مؤخرًا على ضخ 1.75 مليار دولار لبرنامج من مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها يتضمن تنفيذ أبحاث التسلسل الجيني.

في الولايات المتحدة، أعاق كل من مقدمي الخدمات الصحية اللامركزية والممولين، والتقدم البطيء في وتيرة عمليات الاختبار، ونقص التمويل، إجراء عمليات وضع التسلسل الجيني. 

الوضع آخذ في التحسن، ويقوم مركز السيطرة على الأمراض وشركاؤه الآن برصد جيد لما تحقق من الهدف الأولي للوكالة، وهو تنفيذ 7,000 تسلسل جيني أسبوعيًا. 

رغم ذلك، لا يزال هذا المعدل أقل بكثير من 5 في المائة من الحالات المستجدة، وهو المعدل الذي يرى بعض الخبراء أنه معيار جيد للمراقبة الجينية.

كيف يساعد وضع التسلسل الجيني في مكافحة كوفيد-19؟

تعد قراءة جينوم سارس-كوف-2 جزءًا أساسيًا من المراقبة (والتي تشمل أيضًا الاختبار وتتبع الحالات وتتبع المخالطين)؛ بمجرد التأكد من الإصابة بفيروس كوفيد -19 عبر عينة جينية إيجابية من أنف أو حلق شخص ما، يأخذ العلماء تلك العينة - نسخة DNA من الجينوم القائم على الحمض النووي الريبي للفيروس - ويقومون بوضع تسلسلها بالكامل.

يقوم العلماء بتقطيع المادة الجينية إلى أجزاء ويستخدمون آلات لقراءة تسلسل الحروف الجينية (القواعد الكيميائية المعروفة بالاختصارات A و C و T و G) التي تحملها تلك القطع، ثم يمكنهم اكتشاف الجينوم الفيروسي بالكامل من تلك القطع الريبية المتداخلة.

يعتمد الغرض من التسلسل -جزئيًا- على تطور تفشي المرض، كما يقول ستيف شافنر، عالم الأحياء المحوسبة بمعهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد. 

يقول شافنر، الذي شارك في تأليف ملخص لتحليل الجينوم أثناء تفشي الفيروس لدورية Annual Review of Virology :"في البداية، عليك أن تعرف ما الذي يصيب الناس بالعدوى". بالنسبة لـ سارس-كوف-2، اُستخدمت التسلسلات التي تم الحصول عليها لأول مرة في الصين حتى يتسنى البدء في تصميم اللقاح سريعًا.

مع انتشار المرض بوتيرة أكبر، استخدم العلماء الاختلافات في التسلسل لبناء نوع من شجرة عائلة الفيروس، لمعرفة كيفية انتقاله من شخص لآخر ومن مكان إلى آخر.  يقول شافنر إن لهذا آثارًا مهمة على تدابير الصحة العامة، فعلى سبيل المثال، إذا كان الفيروس ينتشر محليًا فقط، فإن إغلاق الحدود لن يفيد كثيرًا.

 في حالة إذا كان المرض يميل إلى الانتشار عبر الانتقال من شخص واحد إلى عدد كبير من الأشخاص، كما يفعل كوفيد-19، فيجب أن يركز جهد تتبع المخالطين على العثور على أول شخص انتقل منه لمجموعة من الحالات.

الآن، ومع انتقال الوباء إلى مراحل أخيرة (هذا ما نأمله) وبدء عملية تطوره، ينبغي أن ينصب كل التركيز على هذه المتحورات، بحسب شافنر.

ما الخطأ الذي حدث في الولايات المتحدة؟

مقارنة بأداء الدول الأخرى، كان أداء الولايات المتحدة في مجال التسلسل باهتًا إلى حد ما، ففي حين أنه اعتبارًا من 9 أبريل، قدمت الولايات المتحدة 210 ألف تسلسل لمجموعة عالمية من العينات، فإن هذا يمثل أقل من 7 تسلسلات لكل 1,000 حالة لديها، مقارنة بأكثر من 200 تسلسل لكل 1,000 حالة في أيسلندا وأستراليا ونيوزيلندا والدنمارك. تأتي المملكة المتحدة في المركز الأول بصفتها المساهم الأكبر بمشاركة قدرها 320 ألف تسلسل. 

يقول شافنر: "إن أداء معظم البلدان سيئ.. لقد كان أداؤنا سيئًا كذلك." ويضيف أن الوضع في الولايات المتحدة آخذ في التحسن مع إنتاج عدد ’مناسب‘ من التسلسلات الآن.  

ترى إستر بابادي، مديرة خدمة علم الأحياء الدقيقة الطبي في مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان بنيويورك، إن المعامل الأمريكية لم تستطع التركيز على عمليات التتبع الجيني حتى استطاعت أن تواكب الاحتياج لاختبارات كوفيد-19 الأساسية، والتي كانت عملية بطيئة.

 وتضيف: "بحلول الوقت الذي كانت المملكة المتحدة تقوم فيه بكل هذا الكم من عمليات تتبع التسلسل الجيني، كنا لا نزال نكافح من أجل التشخيص فقط".

لم تُعد الولايات المتحدة نفسها، رغم امتلاكها للعشرات من إدارات الصحة العامة، لجهد كبير ومنسق فيما يخص عمليات وضع التسلسل الجيني. 

تقول شيرلي وول، عالمة الأوبئة الجينية في كلية بلومبيرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز والمؤلفة المشاركة لمراجعة التحليل الجينومي للتفشي الفيروسي، أن الكثير من مختبرات الصحة العامة والجامعات والمختبرات الخاصة بذلت الكثير من الجهد في وضع التسلسل الجيني "وتقوم حاليًا بعمل استثنائي"، غير أن العمل كان لا مركزيًا. 

فبالإضافة إلى عملية وضع التسلسل الجيني، تحتاج المختبرات إلى تنسيق الوصول إلى العينات، وإعداد خطوات إنتاج التقارير والحصول على إذن لنشر نتائجها. تلك البنية التحتية كانت مفقودة. 

لم يقم مركز السيطرة على الأمراض بإعداد خطة تعاون لمراقبة التسلسل حتى مايو من عام 2020.

تأتي بعد ذلك إشكالية من يدفع مقابل وضع التسلسل الجيني، حيث يتم إجراء تسلسل التشخيص أو الفحص من أجل الفرد، ويدفع التأمين الصحي ثمنه، لكن مسألة المراقبة مختلفة بعض الشيء، حيث تتم المراقبة من أجل المجتمع، ومن المفترض أن يتم نزع هوية العينات. 

تعد الخصوصية جزءًا أساسيًا من قانون خصوصية الصحة في البلاد والمعروف باسم قانون HIPAA؛ لذلك إذا وجدت جهود التسلسل التي يبذلها غريننغر أو بابادي أن العينة تحتوي على متحور جديد غريب، فلا ينبغي أن يكونوا قادرين على تتبع هذا الفيروس حتى الوصول إلى بيانات مريض فردي أو إبلاغ ذلك الشخص بما يحمله. 

لا يدفع التأمين الصحي مقابل ذلك، ويجب على الممولين العوام الآخرين مثل مركز السيطرة على الأمراض التدخل.

وبمقارنة الوضع في الولايات المتحدة مع الوضع في المملكة المتحدة، نجد أن دائرة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة شاركت في تدشين اتحاد للتسلسل الجيني بقيمة 20 مليون جنيه إسترليني (حوالي 27 مليون دولار) تم إطلاقه في أبريل 2020، بهدف وضع تسلسل لعشرات الآلاف من جينوم الفيروس؛ حتى وصل العدد المحقق للآن أكثر من 400 ألف تسلسل.

ماذا يحدث عندما تكتشف أجهزة التسلسل متحورًا جديدًا؟

يراكم ​​فيروس سارس-كوف-2 حوالي طفرتين كل شهر وسطيًا، إلا أن بعض الطفرات فقط تكون خطيرة، لكن أيهم؟ أحد المؤشرات هو الانتشار السريع للمتغير؛ مما يشير إلى أنه قد يكون هناك احتمال أكبر لإصابة الناس بالعدوى.

يجب على العلماء بعد ذلك أن يواصلوا الاختبار في المختبر لمعرفة ما إذا كان الفيروس المتحور الجديد قادرًا بشكل فعال على الالتصاق بالخلايا البشرية، على سبيل المثال، أو على تجنب الأجسام المضادة.

مع توافر بيانات لمدة عام الآن من جميع أنحاء العالم، أصبح من السهل التنبؤ بما إذا كانت الطفرة الجديدة تشكل أخبارًا سيئة أم لا، وفق جرينينغر. على سبيل المثال، تحتوي جميع المتغيرات من المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا والبرازيل على تغيير أدي إلي أن البروتين الشوكي الناتئ الخاص بالفيروس يحتوي الآن على الحمض الأميني التيروزين في مكان معين، بدلاً من الحمض الأميني الأصلي أسباراجين. 

هذا التغير الطفيف يجعل الفيروس أكثر قدرة على الارتباط بالبروتين البشري المسمى ACE2 الذي يستخدمه لإصابة خلايا الجسم، ومن المرجح أن يكون أي متحور يحمل نفس التغيير أكثر قابلية للانتقال والقدرة على العدوى - وبالتالي فهو يمثل أخبارًا سيئة.

CREDIT: MAKI NARO

لتسهيل التنبؤ، أخذ الباحثون في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل، الجين الذي يحمل تعليمات ارتباطها ب ACE2، ثم ابتكروا الآلاف من الإصدارات الطافرة. قام الفريق بترميز كل مبادلة حمض أميني ممكنة تقريبًا في جزء البروتين الذي يرتبط بـ ACE2، ثم خلَّق الباحثون بروتين شوكي ناتئ من تلك الجينات، ودرسوا مدى كفاءة ارتباط كل بروتين متحور بـ ACE2.

خلص الفريق إلى أن معظم التغييرات عطلت الارتفاع أو جعلت الربط أضعف، لكن الفريق حدد أيضًا التغييرات التي عززت التفاعل.  يقول جرينينجر: "لقد كانت عوناً كبيراً".

 إذا ظهرت مثل هذه الطفرة في متحور متداول، فقد يشير ذلك إلى أن الفيروس قادر بشكل أفضل على الالتصاق بالخلايا البشرية والدخول إليها، وبالتالي يكون أكثر قدرة على العدوى.

بمجرد اعتبار المتغيرات خطيرة أو مقلقة، هناك المزيد من الخطوات التي يجب اتخاذها. يمكن للمختبرات تطوير اختبارات تشخيصية خاصة بالمتحور، حتى يتمكنوا من التعرف عليه في العينات في غضون ساعات قليلة، دون تسلسل.

تساعد البيانات المحدثة أيضًا صانعي السياسات على اتخاذ قرار بشأن تدابير الصحة العامة، مثل عمليات الإغلاق. 

يمكن لصانعي اللقاحات تعديل تصميماتهم لمحاربة المتغيرات الجديدة بشكل أفضل، كما تفعل شركة ’موديرنا‘ بالفعل مع لقاح قائم على الحمض النووي الريبي يستهدف التحور المثير للقلق في جنوب إفريقيا.

ما هو الوضع في المستقبل؟

تتزايد جهود وضع التسلسل الجيني بالولايات المتحدة، حيث يقوم مركز السيطرة على الأمراض بجمع عينات سارس-كوف-2، من وكالات الصحة العامة منذ نوفمبر، وتعاقدت مع المختبرات التجارية والجامعية لإضافة قدرات لعمليات وضع التسلسل الجيني.

من المتوقع أن يزيد مبلغ الـ 200 مليون دولار القادمة من الحكومة الفيدرالية، والتي تسميها إدارة بايدن ’دفعة أولى‘، ليصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف معدلات التسلسل الحالية.

 (يقدر جرينينغر تكلفة كل تسلسل فيروسي حوالي 100 دولار إلى 200 دولار، بما في ذلك وقت الموظفين المعنيين.) 

ويتضمن قانون خطة الإنقاذ الأمريكية الذي وافق عليه الكونجرس مؤخرًا مبلغ 1.75 مليار دولار إضافية لبرنامج الكشف الجزيئي المتقدم التابع لمركز السيطرة على الأمراض والذي يتضمن وضع التسلسل الجيني، بالإضافة إلى الأموال المرتبطة بالبنية الأساسية.

يقول جرينينغر: "إن مركز السيطرة على الأمراض يتعاقد بكثافة ويدفع مقابل وضع التسلسل الجيني"، ويعتقد أن إجراء تسلسل جيني لنسبة 5 في المائة من الحالات هو: "هدف ممتد وجيد للبناء عليه".

رغم ذلك، يحمل المستقبل تحديات في وضع التسلسل الجيني أيضًا؛ فمع بدء الاختبارات بالمنزل، ومع اعتماد المزيد من الاختبارات على تحليل بروتينات الفيروس بدلاً من مادته الجينية، قد يكون هناك عدد أقل من العينات الجينية المتاحة للمراقبة، وفق ما يشير إليه جرينينغر.

هناك مصدر آخر للتسلسلات التي تخضع للاختبار وهو المياه العادمة، فعلى الرغم من أن هذا لا يوضح ما إذا كان هناك أفراد معينون مصابون بالفيروس أو أحد المتغيرات، إلا أنه يقدم صورة شاملة للعدوى في مستوى المجموعة السكانية. 

يقول شافنر إن مراقبة مياه الصرف الصحي قد تحدد أيضًا ارتفاعًا في الحالات قبل أسبوع من بدء امتلاء المستشفيات بالمرضى.

يرغب جريننجر وشافنر في الاستفادة بشكل أكبر من عمليات وضع التسلسل الجيني. يقول شافنر إنه عندما يتم ربط التسلسلات بسجلات طبية غير محددة، فإنها تقدم المزيد من الأدلة حول كيفية تحديد تلك التسلسلات مسار المرض أو مدى فعالية اللقاحات المختلفة في القضاء على المتحورات المختلفة. 

يريد شافنر أن تكون هذه العملية أكثر روتينية، بحيث يمكن بسهولة دمج البيانات الطبية مع المراقبة دون انتهاك خصوصية المرضى.

يقول جريننجر إن وضع التسلسل الجيني يمكن أن يكون مفيدًا أيضًا من الناحية السريرية لتحديد العلاجات التي يجب أن يحصل عليها الشخص. 

يحدث هذا بالفعل مع حالات العدوى الأخرى؛ على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تحديد تسلسل الفيروس في دم شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية إلى إخبار الأطباء بالعقاقير التي قد تنجح أو تلك التي لن تنجح.

في الواقع، يحلم جريننجر بوضع التسلسل الجيني العالمي لحالات كوفيد-19، سواء لصالح كل مريض أو لصالح للصحة العامة. 

سيتطلب ذلك مزيدًا من الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية، ولكن بمجرد توافرها، يمكن استخدام هذه الموارد لوضع التسلسل الجيني وفهم الفيروسات الأخرى أيضًا، بحسب جريننجر . 

ويضيف جريننجر: "لقد كان هذا العام سيئًا، لكننا حصلنا للتو على الكثير من التطور الذي سينتج عنه".

هذه المقالة جزء من "إعادة الضبط: علم الأزمات والتعافي"، وهي سلسلة مقالات مستمرة تستكشف كيف يتعامل العالم مع جائحة الفيروس التاجي وعواقبه والطريق إلى الأمام. يتم دعم إعادة الضبط بمنحة من مؤسسة Alfred P. Sloan.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
0
Share