المحاصيل المعدلة وراثيا - الاغذية المعدلة وراثيا

الأغذية المعدلة وراثيًا | رفاهية أم ضرورة؟

"نجاح إنتاج سلالة من التفاح الذي لا يتغير لونه إلى البني عند تعرضه للهواء" هذا هو الخبر الذي تصدر عناوين الصحف العالمية وأثار الجدل مرة أخرى بين مؤيدي عمليات التعديل الوراثي للأغذية، وبين معارضيه الذين يجزمون بالتأثيرات السلبية البالغة لتلك التعديلات الوراثية على صحة البشر.فما حقيقة الأغذية المعدلة وراثيًا؟ 

لعل أول ما يطرق ذهنك عند ذكر مصطلح "الأغذية المعدلة وراثيًا" هو أمور مثل: إنتاج محاصيل عملاقة، ثمار خالية من البذور، أو ربما خضار بنكهة فاكهتك المفضلة. لكن هل تمثل الأغذية المعدلة وراثيًا مجرد رفاهية لإنتاج محاصيل ذات جاذبية خاصة كما يظن البعض، أم أن للأمر بعد آخر؟

لماذا نلجأ إلى التعديل الوراثي للأغذية؟ 

مع طول الفترات اللازمة لإنتاج المحاصيل بالطرق التقليدية، ولأن انتخاب وإكثار النباتات ذات الصفات المرغوب فيها أو ما يُعرف بـ (التربية الانتقائية) يحتاج الكثير من الوقت والجهد، مع عدم ضمان استمرارية تلك الصفات في الأجيال التابعة، بدأ التفكير في تسخير الهندسة الوراثية لإنتاج الأغذية المعدلة وراثيًا بهدف تحديد صفات بعينها وتطبيقها مباشرةً عن طريق إضافة الجينات الخاصة بتلك الصفات في الحمض النووي للخلايا النباتية.

لا يقتصر دور الهندسة الوراثية على إنتاج ثمار خالية من البذور أو نباتات أكبر حجمًا فحسب، بل إن التعديل الوراثي يلعب أيضًا دورًا هامًا في التأقلم مع الزيادة العالمية في حاجة العالم للغذاء، وتعزيز الخصائص الوراثية للنباتات، بإضافة الجينات التي تساهم في زيادة الإنتاجية ورفع مقاومة النباتات للآفات الزراعية، وبالتالي خفض نسب المحاصيل المهدورة بسبب الإصابة بتلك الآفات. ضف على ذلك، فإن التعديل الوراثي يسمح للنباتات بالتأقلم، ليس فقط مع الظروف البيئية الحالية مثل الجفاف ونقص مياه الري، بل أيضًا مع التغيرات المناخية المتوقعة في السنين القادمة.

اقرأ أيضاً  كيف يؤثر الصيام على صحة الفم والأسنان؟

زيادة الإنتاجية

تشير الدراسات إلى أن إجمالي تعداد سكان العالم سيتجاوز 9 مليار نسمة بحلول عام 2049، أي أننا بحاجة إلى مضاعفة الإنتاج الغذائي الحالي لتوفير الغذاء اللازم، ما يمثل تحديًا كبيرًا للتأقلم مع تلك الحاجة المتزايدة للغذاء في ظل ضعف الإمكانات والاعتماد الكلي على أساليب الزراعة التقليدية.

هنا يأتي دور الهندسة الوراثية التي تسمح بتعديل التركيب الوراثي للنباتات، ولعل أبرز مثال على ذلك هو التعديل الجيني لنبات (فول الصويا)، حيث نشرت مجلة علم النبات التجريبي (Journal of Experimental Botany) دراسة تستقصي إمكانية تعزيز فول الصويا بالخصائص الوراثية التي تسمح له بالتأقلم مع درجات الحرارة المرتفعة، وارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون المتوقع حدوثه ضمن التغيرات المناخية في العقود القادمة. خلصت هذه الدراسة إلى إمكانية تعزيز النبات بالجينات التي تمكنه من التأقلم مع مثل تلك الظروف القاسية عن طريق تقنيات التعديل الوراثي.

لا يقتصر دور التعديل الوراثي على زيادة إنتاجية المواد الغذائية فحسب، بل إنه يساهم أيضًا في توفير المواد الخام اللازمة للعديد من الصناعات، مثل الأخشاب ذات الجودة العالية. ففي عام 2015، نشرت دورية (نيتشر) دراسة عن إمكانية تعزيز الصفات الوراثية لنبات (الأوكالبتوس) المُستخدم في صناعة الأخشاب. 

كشفت الدراسة أن التعديل الوراثي بإضافة جين معين، أدى إلى إفراز بروتين (Arabidopsis thaliana) الذي ساهم في زيادة إنتاجية الأخشاب لنسبة تتخطى 20% مقارنة بالنبات نفسه قبل التعديل الوراثي، وهو إلى ذلك أسرع عملية نضج النبات وإمكانية حصاده بعد خمس سنين ونصف بدلًا من سبع سنين كما المعتاد.

تعزيز القيمة الغذائية للنباتات

لا تُعنى أساليب التعديل الجيني بزيادة إنتاجية النباتات فحسب، بل إنها تُعنى أيضًا بتعزيز القيمة الغذائية لتلك النباتات. على سبيل المثال، نشرت (المجلة الأمريكية للتغذية السريرية) دراسة لتحديد مدى جودة وتأثير ما يُعرف ب(الأرز الذهبي) على الصحة. 

اقرأ أيضاً  انفوجراف ◄ كيف يؤثر الكذب على أجسادنا؟

يُعد الأرز الذهبي مثالًا واضحًا للسلالات النباتية الناتجة عن طريق الهندسة الوراثية، حيث يُضاف إليه أحد الجينات المعنية بإفراز (البيتا-كاروتين) الذي يمنحه اللون الذهبي المميز، ويعزز قيمته الغذائية، حيث يمثل (البيتا-كاروتين) أحد مصادر فيتامين (أ) في جسم الإنسان.

البكتيريا الملهمة للتعديل الوراثي للأغذية

تعد البكتيريا الأجرعية المعروفة علميا باسم "ِAgrobacterium Tumefaciens"  أحد أنواع البكتيريا الموجودة بالتربة، التي تصيب النباتات ثم تتلاعب بتركيبها الوراثي، ما يدفع الخلايا إلى التكاثر بشكل مبالغ فيه، مكونة كتلة أو ورم يصبح بمثابة منزل لتلك البكتيريا. لا تكتفي البكتيريا بذلك، بل توجه النبات لإفراز بعض أنواع الأحماض الأمينية المعدلة التي تستغلها البكتيريا كمصدر للغذاء. 

تتمكن البكتيريا الأجرعية من التأثير على النباتات عن طريق "نقل الجينات الأفقي" بإضافة الجينات المرغوبة لإحداث تلك التغيرات في الحمض النووي للنبات، بفضل امتلاكها لجزيئات من الحمض النووي الحلقي المعروف باسم "البلازميد"، الذي يحمل الجينات بشكل مستقل عن الكروموسومات الأساسية للبكتيريا، ما يسمح بانتقال الجينات المعنية بإصابة النبات وتكاثر خلاياه، دون الإخلال بالتركيب الوراثي الخاص بالبكتيريا. 

عملية التعديل الوراثي للنباتات

مرحلة تحديد الصفة

بدايةً، يجدر تحديد الصفة المرجو إضافتها إلى النبات، مثل التأقلم مع الجفاف، مقاومة الآفات، أو عدم التأثر بالمبيدات، ثم تبدأ رحلة البحث عن تلك الصفة في أحد الكائنات الحية، سواء نبات آخر أو حيوان أو حتى أحد الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا.

مرحلة النسخ والإدراج

بعد الوصول إلى الجين المسؤول عن الصفة المرجوة، يبدأ عزل ذلك الجين ونسخه، ليُدرج في الحمض النووي لخلايا النبات.

مرحلة الإكثار

يُزرع النبات المعدل وراثيًا بشكل مبدئي في المعمل، للتأكد من اكتساب النبات للصفة المرجوة، ثم تبدأ زراعته في الصوب الزراعية والحقول الصغيرة، وفي الوقت نفسه، تُجرى دراسات اختبار أمان النبات بعد التعديل الوراثي قبل بدء إنتاجه على نطاق أوسع في الحقول الكبرى.

اقرأ أيضاً  حكاية صورة - عفن غيّر عالمنا

هل الأغذية المعدلة وراثيًا آمنة؟

معايير تقييم سلامة الأغذية المعدلة وراثيًا:

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن اختلاف الجينات المنقولة إلى النباتات، واختلاف التقنيات المتبعة في عملية التعديل الوراثي، يجعل من الصعب الحكم على مدى أمان وسلامة الأغذية المعدلة وراثيًا عمومًا، بل إنه يتطلب التقييم المستمر ومراجعة كل منتج لعمليات التعديل الوراثي على حدى، للتأكد من أمانه وسلامته.

كما أوضحت أن الأغذية المعدلة وراثيًا والمتداولة في الأسواق المحلية، خضعت بالفعل لعمليات تقييم صارمة قبل طرحها في الأسواق، وأنها لا تمثل خطرًا على صحة البشر كما يدعي البعض.   

أخيرًا، إن الأغذية المعدلة وراثيًا -بلا شك- تساهم بشكل فعّال في التغلب على العديد من المشكلات التي تواجه العالم، كما تساعدنا على التأقلم، ليس فقط مع ازدياد الحاجة العالمية إلى المواد الغذائية، بل أيضًا على مستوى مواكبة التغيرات المناخية التي تهدد إنتاجية المحاصيل الغذائية. لكن، مع الفوائد العديدة للأغذية المعدلة وراثيًا، إلّا أنه لا يمكن غض الطرف عن ضرورة التزامها بمعايير الأمان التي تضمن الاستفادة القصوى من تلك التقنيات، دون إحداث أي ضرر للمستخدم. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
0
Share