fbpx

"تبريد عالمي" وانقراض ضخم.. ماذا حدث بالمنطقة الأفروعربية قبل 30 مليون سنة؟

أدلة أحفورية جديدة تكشف انقراض 63% من الثدييات بأفريقيا العربية، إثر برودة ضربت العالم قبل حوالي 30 مليون سنة

قبل حوالي 65 مليون سنة ثارت الأرض مفجرةً ما بجوفها من براكين واضعةً النهاية لحياة الديناصورات والزواحف الكبيرة والعديد من الأنواع الأخرى في انقراض جماعي عظيم عُرف بانقراض العصر الطباشيري. لكن مصائب قوم عند قوم فوائد؛ فقد فتح هذا المجال أمام كائنات جديدة بالتطور منبئًا ببدء حقبة جديدة من الحياة على الأرض.. "حقبة الحياة الحديثة" حيث هيمنة الثدييات.

خلالها شهدت الثدييات تنوعًا كبيرًا ونمت في الحجم والكثافة، لتملأ منافذ البيئة بحرًا وأرضًا وجوًا في مناخ دافئ عالي الرطوبة دعم نمو الغابات الكثيفة. إلا أن هذا المناخ ما لبث أن برد تدريجيًا بعد فترة لتتحول معه تلك الغابات لأراضٍ حرجية ومراعٍ مفتوحة وفرت بيئة مناسبة لنمو قطعان ضخمة من حيوانات الرعي، وشيئًا فشيئًا أصبح القطب الشمالي مغطىً بالجليد. 

سرعان ما انقلب الوضع - برودة غيرت وجه الأرض

في منتصف "حقبة الحياة الحديثة" تحديدًا خلال العصر الأوليجوسيني (امتد من 34 - 24 مليون سنة) ضربت العالم برودة شديدة انخفض معها مستوى سطح البحر في الأرض قاطبةً، وتسارع نمو الغطاء الجليدي للقطب الجنوبي.

تمكن العلماء سابقًا من إثبات تزامن تلك الأحداث على نطاق واسع مع التحولات المرصودة في مجتمع الثدييات في كلٍ من أوروبا وآسيا، أما إفريقيا ومنطقة شبه الجزيرة العربية فقد ظل التأثير المُحتمل لتغير المناخ على الثدييات فيها مبهمًا لفترة طويلة. 

كان هناك اعتقاد - لا يستند لأدلة - بأن الثدييات في إفريقيا تمكنت لحد كبير من النجاة بسبب المناخ المعتدل للقارة وقربها من خط الاستواء.

لكن ليس بعد الآن 

ليس بعد أن نجح فريق دولي من العلماء  - بمجموعة من التحليلات والأدلة - في إثبات أن حدث التبريد العالمي أدى لانقراض ضخم في حوالي 63% من الثدييات (منذ قرابة 30 مليون سنة) بالمنطقة العربية من قارة إفريقيا مع فقدان نحو ثلثي الأنواع بهذه المناطق، أي أن إفريقيا قد تأثرت بشدة كما حدث في أوروبا وآسيا. 

"نحن أمام انقراض ضخم كان بمثابة عنق الزجاجة لحياة الثدييات على الأرض، ولم ينجو منه إلا القليل"

هشام سلام، مؤلف مشارك بالدراسة، وأستاذ الحفريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجامعة المنصورة
رسم بياني يوضح التصاعد الكبير لتنوع مجموعات الثدييات في بداية "حقبة الحياة الحديثة" وازدهارها لأقصى درجة، ومن ثم تدهورها حد الوصول لما أطلق عليه الباحثون "عنق الزجاجة" في منتصف حقبة الحياة الحديثة -تحديدًا خلال عصر الأوليجوسين - بسبب انقراض ضخم إثر حدث التبريد العالمي. كما يوضح التنوع الطبوغرافي للأسنان والذي قل هو الآخر تزامنًا مع حدث التبريد.

رحلة تتبع الأنساب.. 20 عامًا من البحث

توصل الباحثون لهذه النتائج بعد تحليل البيانات التشريحية والجينية لمئات الأحافير - لسلالات متنوعة من خمس مجموعات من الثدييات - المُكتشفة بإفريقيا في عصر الأوليجوسين. للتحقيق في نسبها وما إن كانت موجودة أو اختفت في الفترة السابقة والتالية لعصر الأوليجوسين. وعليه بنوا أشجارًا تطورية لمجموعات الثدييات الخمس، والتي مكنتهم من تحديد السلالات الجديدة المتفرعة من الشجرة وتحديد تواريخ الظهور الأول والأخير لكل نوع منها، وكذلك لاحظوا عودة مجموعات الحيوانات للظهور من جديد خلال بضعة ملايين من السنين، بعد أن تطورت في مظهر جديد، ما يشير إلى فترة تعافي بعد الانقراض.

صورة من عينات الحفريات التي شملتها الدراسة
عن سبب اختيار تلك المجموعات الخمس بالتحديد أوضح هشام سلّام: "لقد شملت المجموعات أنواعًا من القوارض والقردة لقدرتها على التكيف ومجابهة مختلف الظروف، كما شملت عينة من آكلات اللحوم الوحيدة التي عاشت حينذاك حرصًا على تمثيل الفرائس والمفترسات بالدراسة. وقد تم اختيار تلك المجموعات الخمس بالتحديد لوفرة عيناتها بهذه المنطقة في عصر الأوليجوسين والفترات السابقة والتالية له ما يجعلها عينات مثالية للدراسة وكذلك من الناحية الإحصائية.

ليس هذا وحسب، فتضاريس الأسنان عند الثدييات كبصمات الأصابع تختلف من نوع لآخر، وباستخدام المقاييس الطبوغرافية للأسنان، لاحظ الباحثون أن تراجع أعداد القوارض الإفريقية العربية وسلالات الرئيسيات كان مرتبطًا بانخفاض كبير في تباين السمات الهيكلية للأسنان، مما يشير إلى خسارة مرتبطة بالتنوع الغذائي. وبتسليط الضوء على حفريات ضروس الحيوانات المتحجرة لتحديد ما أكلته، وجدوا أن الحيوانات التي عادت للظهور فيما بعد كان لها نظام غذائي وسلوكيات مختلفة عن أسلافها التي اختفت مع الانقراض. 

تحليل الضروس المتحجرة للحيوانات لتحديد ما أكلته

الناجي الأخير

هكذا هو الانقراض، يودي بحياة كائنات ويمنح الفرصة لكائنات جديدة أكثر تطورًا وقدرة على التأقلم. 

يشرح هشام سلّام - باحث رئيسي مشارك بالدراسة وأستاذ الحفريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة المنصورة: " نحن أمام انقراض ضخم كان بمثابة عنق الزجاجة لحياة الثدييات على الأرض، ولم ينجو منه إلا القليل. كان منهم القرد المصري." 

تشير هذه الدراسة إلى أن القرد المصري - ولحسن الحظ - كان أحد الناجين الذي تمكن من الصمود أمام ظروف البرودة العالمية آنذاك، والذي ترجح أبحاث سابقة أنه السلف المشترك الذي تطورت منه كلٍ من قردة العالم القديم والقردة العليا. 

وعن أهمية الدراسة وغيرها من الدراسات الجيولوجية، يقول هشام سلام: "نحن نتحدث عن الماضي لنتعلم للحاضر ونتنبأ بالمستقبل، لو أردنا معرفة ما سيحدث بالمستقبل نتيجة تغير المناخ سنحتاج لفترات طويلة من الدراسة حتى نتوصل لنتائج مجدية، في حين لو فتحنا كتاب الجيولوجي سنرى آثار التغيرات المناخية على تنوعها أمام أعيننا وقد تكررت عشرات المرات."

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
11
Share