fbpx
علوم الحياة

فـأر الخلد الخارق؛ فئران لا تشعر بالألم

ربما تساعدنا في تطوير بعض الأدوية لعلاج آلام البشر

رغم صغر حجمه إلا أنه يتمتع بصفات خارقة؛ إنه فأر الخلد (mole rat) نوع من القوارض يستوطن شرق وجنوب إفريقيا يتميز بشكله الاسطواني وقواطع طويلة يستخدمها في الحفر تحت الأرض كما تساعده في الأكل، تتوارى شفاهها خلف تلك القواطع حتى لا تتلوث بالتربة التي تزيحها أثناء حفر الجحور. 

فئران لا تشعر بالألم

في سلسلة من المفاجئات – تكشفها لنا تلك القوارض غريبة الشكل والسلوك منذ أن أتت من قارة آسيا قبل أكثر من أربعين مليون سنة لاستيطان إفريقيا – مرت تلك الفئران بحلقات تطورية متتالية آخرها تلك التي كشفت عنها دراسة بمجلة الساينس، حيث قام الفريق البحثي بعمل تجارب على ثمانية أنواع مختلفة من فئران الخلد (mole rat) والفأر المنزلي ونوع آخر من الفئران. قدم الباحثون ثلاثة مواد حارقة هي: الكابسيسين ( Capsaicin) “ المركب النشط في الفلفل الحار عديم اللون والرائحة وهو الذى يمنح الفلفل الحار طعمه الحارق”، وحمض الهيدروكلوريك المخفف (PH 3.5)، وثالثهما أللايل أيزوثوسيانيت (allyl isothiocyanate) واختصاره ( AITC ) مركب الكبريت العضوي زيت عديم اللون هو المسؤول عن الذوق اللاذع للخردل والفجل والوسابي يشبه في تأثيره الغاز المسيل للدموع. 

كانت النتيجة أن لاحظ العلماء نوع من هذه الفئران – وهو فأر هايفيلد (highveld mole-rat) – لديه مقاومة غير طبيعية لمادة (AITC). لذا، سرعان ما أخذوا تلك الفئران وعرّضهوها لنفس المادة لكن بتركيزات أعلى وجدوا نفس المقاومة ثم عرضوها لـ (AITC) نقية تمامًا لكن شيئًا لم يتغير. “لمزيد من التوضيح: إذا كنت من مرتادي المطبخ الياباني ومن محبي السوشي وتناولت جرعة كبيرة من صوص الوسابي الحار المُقدم معه سوف تشعر وكأن نارًا اشتعلت في رأسك وتدمع عيناك من شدة الألم والإحساس بالحرقة على العكس تمامًا في فئران هايفيلد (highveld mole-rat) التي تتعرض لكميات مركزة جدًا بل ونقية من هذه المادة ولا تشعر بأي ألم على الإطلاق “. هذا الفأر هو النوع الوحيد ضمن إخوانه من الفئران الذي لا يبدي أي إحساس بالألم تجاه هذه المادة. 

فما السبب يا تُرى؟

من هنا وجب على العلماء البحث عن سبب عدم إحساس فار هايفيلد (highveld mole-rat) بالألم؛ لقد وجدوا أن الخلايا العصبية في فئران هايفيلد (highveld mole-rat) مليئة بنوع من القنوات الأيونية (تُسمى NALCN) أكثر بست مرات من أقربائها فئران الخلد الأخرى. هذه القناة هي المسؤولة عن مناعة تلك الجرذان ضد الألم مما يجعل من الصعب إثارة خلاياها العصبية، ولمزيد من التأكيد حقنوا الفئران ببعض الأدوية التي تغلق هذه القناة ثم عرّضوها لمادة AITC، فسرعان ما انزعجت وأظهرت رد فعل واضح لإحساسها بالألم. لكن بعد يوم واحد تقريبًا وبعد أن تلاشى تأثير الدواء عادت الأمور لمجراها الطبيعى ولم تتأثر فئران هايفيلد (highveld mole-rat) بأى ألم.

علاج الألم عند البشر

يؤكد القائمون على الدراسة أن اكتشاف تأثير هذه القنوات الأيونية NALCN يمكنهم في المستقبل من تعديل نشاطها لعلاج الألم لدى البشر. وأرجعوا هذه الصفة التطورية (عدم الإحساس بالألم) إلى قرابة 7 مليون سنة، كما أعزوا وجودها إلى تضافر الظروف البيئية من توافر المواد الحارة في الغذاء المحيط بهم إلى جانب تشاركهم في المعيشة مع بعض أنواع النمل اللاسعة. فلم توجد مرة ذهب العلماء إلى أماكن معيشة هذه الفئران إلا وأصابتهم لسعات النمل. 

فئران لا تظهر عليها علامات الشيخوخة

لم يستمتع فأر الخلد هايفيلد وحده بتلك الصفات الخارقة؛ فأخوه فأر الخلد العاري naked mole-rat يحمل في جعبته أيضًا الكثير من الإعجازات الحيوية، ففي دراسة أخرى تمت على 3000 فأر خلد عاري أثبتت أنه عكس باقي الثدييات لا تظهر عليه علامات الشيخوخة متحديًا قوانين البيولوجيا؛ كما تظل إناثه بكامل خصوبتها حتى في أعمار متقدمة. فإذا كان متوسط عمر الفئران لا يتجاوز أربع سنوات فإن فأر الخلد العاري يستطيع أن يعمر أكثر من ثلاثين سنة “نستطيع القول مجازًا على سبيل المثال، أن إنسان يستطيع أن يعمر 500 سنة وتظل إناثه في كامل أنوثتها وقدرتها الإنجابية” هذا بالإضافة إلى قلة معدلات الموت نسبة للتقدم في العمر ومقاومته للسرطان وقدرته على العيش دون أكسجين لمدة 18 دقيقة.

خلاصة القول

إنه دائمًا ما يبهرنا السياق التطوري بتفسيراته الجينية لبعض الخصائص الإعجازية لكائنات مختلفة والتي بدورها قد تساعدنا يومًا ما في تطبيقات دوائية أو غيرها من أجل حياة أفضل لجنسنا البشرى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *