fbpx
البيئةالمجتمععلوم الحياة

حـوت بركات يسير على خطى حوت المطبخ

حوت بركات؛ أن تحصد ثمار التوعية المجتمعية

يبدو الاسم مألوفًا إلى مسامعنا، فجميعنا يعلم ما هو الـ “حوت” و معظمنا أيضًا مر عليه اسم “بركات”، لكن ما الذي أتى باسم “بركات” إلى جانب الحوت؟ هنالك شيء من الغرابة في الأمر! قبل أن أجيب على ما يدور في أذهانكم من تساؤلات سأسرد عليكم قصة حدثت بالفعل. 


الشيخ فضل وحوت المطبخ

يوجد في مصر بالقرب من محافظة المنيا مكانًا يُسمى “الشيخ فضل” بوادى طَرفة، والذي يُعد مشهورًا بمحاجر الرخام التي تُصدر مصر منها آلاف الأطنان سنويًا للسوق العالمية. في عام 2002 صٌدرت شحنة من هذا الرخام إلى إيطاليا (على اعتبارها السوق الأكبر للرخام المصرى) وأثناء تقطيع الرخام لاستخدامه في المطابخ هناك، لاحظ أحد عمّال الورش أشكالاً غير مألوفة داخل ألواح الرخام تبدو كلوحة فنية جميلة ولكنها غير مألوفة، حينها تواصل مع علماء من جامعة بيزا الإيطالية (University of Pisa). 

تسلمت الجامعة ألواح الرخام التي وجدت بها هذه الأشكال الغريبة وتواصلوا بدورهم مع العالم الأمريكي فيليب جنجريتش Philip Gingerich، على اعتباره أحد أهم العلماء المتخصصين في دراسة الحفريات في العالم، وله دراسات عدة هامة عن الحفريات المصرية وبالأخص حفريات الحيتان. استمر البحث والتعاون بين العلماء لسنوات ونشروا على إثرها ورقة علمية غاية في الأهمية عن حوت ” ذو معيشة برمائية” له صفات مشتركة بين الكائنات التي تعيش على اليابسة والأخرى التي تعيش في البحر، كما أثبت العلماء أن  حاسة الشم لديه كانت موجودة، على خلاف الحيتان الحالية التي فقدت حاسة الشم لديها، أطلق العلماء على هذا الحوت اسم إيجبتوسيتس طَرفة (Aegyptocetus tarfa) أي الحوت المصري فمقطع (Aegypto) يعني مصر ومقطع (cetus) يعني حوت باللاتينية أما (tarfa) فهي على اسم “وادي طَرفة” تكريمًا لاسم الوادي الذي اُستخرجت منه حفريات هذا الحوت العجيب. ذاع صيت الحوت المصري وقتها واشتهر بين الأوساط المختلفة باسم “حوت المطبخ” لأنه كان سيستخدم كرخام في أحد المطابخ الإيطالية.

كواليس داخل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية

يعلم فريق جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بقصة حوت المطبخ فهو في صلب تخصصهم و ذات يوم تدور مناقشة

شروق الأشقر (باحثة بالمركز): هل يمكن أن تتكرر تلك الصدفة و نحصل على حوت مثل حوت المطبخ؟

عبد الله جوهر ( باحث بالمركز): لابد من توعية المجتمع أولاً

دكتور هشام سلّام (مدير المركز): أكاد أجزم أننا سنحصل على ما هو أفضل من حوت المطبخ (وبُكرة أفكركم)..

ينتهى النقاش في هذا الموضوع عند هذا الحد ويواصل الفريق أعماله. بعدها بشهور يذيع “عبد الله جوهر” حلقة عبر صفحته “الحفرجي” يتحدث فيها عن “حوت المطبخ” ليشاهدها “محمد بركات” صاحب إحدى الورش الخاصة بتقطيع الرخام بمنطقة “شق الثعبان” بالقاهرة، ولكم أن تتوقعوا ما يحدث بعد ذلك.. 

حـوت بركات

يستيقظ بركات صباح يوم ليذهب إلى ورشته حيث تستقر قطعة من الرخام على طاولة ورشته. ينظر “بركات” إلى قطعة الرخام ويطلب من العمال بدء التقطيع فيها، تم تقطيع اللوح الأول، ولكن بعد فصل ثاني قطعة يتفاجئ الجميع بمنظر غاية في الروعة؛ يخبر “بركات” العمال أن ما يظهر على الرخام يبدو كرأس سمكة أو حيوان ضخم. استمر “بركات” و عماله في التقطيع مع عيون لامعة مليئة بالدهشة مما يتَكشف لهم من لوحات طبيعية رسمتها الطبيعة بأيديها. 

يفكر “بركات” مليًا فيما يجب فعله نحو تلك اللوحات ويستمر في التفكير إلى أن تذكر حلقة “حوت المطبخ” وقرر حينها في نفسه أنه ليس أقل من صاحب الورشة الإيطالي الذي تبرع بالرخام من ذي قبل للجامعة؛ تواصل بركات مع “جوهر” عبر فيسبوك ليسأله “جوهر” على الفور: هل هذا الرخام من وادي طَرفة؟ فيجيبه “بركات” بنعم ، هنا تهللت أسارير “جوهر” وتحدث كواليس أخرى داخل المركز.

ينتفض جوهر من مقعده وينادي: دكتور شروق شفتي دي؟

تتسع حدقة شروق الأشقر و تقول: إيه ده معقول! متقولش إن ده حوت

جوهر: أيوه حوت ومن وادي طرفة كمان

ينتظر الفريق د. هشام ليخبره فور عودته: دكتور هشام عندنا ليك مفاجأة!

يطلع جوهر مشرفه دكتور هشام على الصور ليقول دكتور هشام بصوت عال: واااو مين بعت دا؟!

يخبره جوهر بالقصة، فيرد دكتور هشام: تواصل مع “بركات” فورًا وقل له “جايين لك بكرة”

ذهب “سلّام” و “جوهر” إلى شق الثعبان في اليوم التالي ليتفاوضوا مع بركات على هذا الكنز، فليس لديهم أدنى فكرة عما يدور في ذهن بركات من نية التبرع بألواح الرخام تلك إلى المركز.

تفاجأ “سلّام” من رفض بركات قبول أي مقابل مادى، حيث أعرب بركات عن قناعته بإهداء هذا الكنز لمن يستحقه ليستفيد العلم والجميع من اكتشافه. ومع إيمان (سلّام) بموقف بركات يعده بأن يطلق على هذا الحوت اسم (حوت بركات) .

أخذ سلّام وجوهر ألواح الرخام وعادا بها إلى جامعة المنصورة تحديدًا إلى مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بكلية العلوم حيث ينتظرهم بعض من أفراد الفريق (سارة صابر – مروة الحارس – هبه حويزى) بحماس شديد لمشاهدة هذا الكشف المذهل. يحمل أعضاء الفريق ألواح الرخام والتي يصل وزنها إلى مئات الأطنان ليصعدوا بها إلى مركزهم البحثيّ لا يهمهم عناء الصعود وثِقل الوزن فشغفهم وحماستهم بالاكتشاف الجديد هي الترياق لأي عناء. بدأ فريق المركز بدراسة حوت بركات على الفور ليتبين لهم مبدئيًا أنه حوت جديد ربما يحدث ثورة في الوسط العلمي، لكن لا تأكيد لهذا الاستنتاج إلا بعد الدراسة التفصيلية والتي يمكن أن تمتد لسنوات.

 

 

 

ثقافة جديده

هل صحيح أن الصدفة تاتي لمن يستحقها؟ ربما، لكن الأكيد أن هذه الواقعة هي نادرًا ما تحدث في تاريخ مصر، ولا شك أن  مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية أحدث ثورة وطفرة في الوسط العلمي والمجتمع المصري؛ فرغم انشغال الفريق بالبحث والنشر في أرقى الدوريات العلمية الدولية، نجده يساهم أيضًا في توعية أفراد المجتمع من غير المختصين بتراث بلدهم الطبيعي في سبق لم يحدث له مثيل.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *