fbpx

اشربوا عصير البنجر

من بين عدد كبير من المكملات الغذائية التي تعد الرياضيين بالفوائد، يكتسب أحد العصائر الطبيعية شعبية مع تزايد الأدلة على فوائده

الكارنيتين، الكروم، الستيرودات البنائية (أحد أنواع المنشطات).. جرب الرياضيون مجموعة واسعة من الوسائل المساعدة في سعيهم لتحقيق أفضلية في الأداء. من بين تلك الوسائل يُعد عصير البنجر - وإن كان غير جذابٍ - آمنًا ومدعومًا بأدلة قوية، لما يحتويه من نترات.

يتم إضافة النترات غير العضوية (NO3-) إلى اللحوم المعالجة والمجففة لإطالة مدة صلاحيتها ومنحها اللون الوردي المميز. كما توجد بشكل طبيعي في السبانخ والجرجير والبنجر. في العقد الماضي، أشارت أدلة جديدة إلى أن النترات الموجودة في هذه الخضروات تعزز الأداء الرياضي وقد تزيد أيضًا من صحة القلب والأوعية الدموية في سن الشيخوخة.

جاء الدليل الأول في عام 2007، عندما أفاد باحثون سويديون أن تناول مكملات نترات الصوديوم لمدة ثلاثة أيام قللت من الطلب على الأكسجين لتسعة من راكبي الدراجات ولاعبي الرياضة الثلاثية أثناء تدريبهم، مقارنةً بعلاج وهمي من ملح الطعام. كما أدت إلى زيادة مستويات النيتريت في الدم (NO2-)، وهو منتج ثانوي للنترات. لفتت تلك الدراسة انتباه عالم فسيولوجيا التمارين الرياضية أندرو جونز من جامعة إكستر في إنجلترا.
 في العادة، تكون الحاجة إلى الأكسجين ثابتة خلال التمارين الرياضية، حسب قوله، لذا فإنه أمر غير معتاد أن يغير تدخل قصير المدى ذلك.

على الرغم من أنه لم يكن من الواضح كيف تقوم النترات بذلك، إلا أن جونز كان يعلم أن الخضروات الورقية والبنجر مصادر غنية بها. لذلك أجرى دراسة، نُشرت في دورية the Journal of Applied Physiology ، حيث تمت تغذية ثماني رجال نشطين في الرياضات الترفيهية بكمية مكافئة من النترات من مصدر غذاء طبيعي: عصير البنجر.

استهلك المتطوعون 500 مل من عصير البنجر أو مشروب الكشمش الأسود - الذي يحتوي على كميات ضئيلة من النترات - يوميًا لمدة ستة أيام. ثم بعد استراحة لمدة 10 أيام، تم تبديل المجموعات واستهلاك المشروب الآخر لمدة ستة أيام إضافية.

بحلول الأيام الثلاثة الأخيرة من الستة أيام، تضاعف تركيز النترات في دم أولئك الذين شربوا عصير البنجر كما انخفض ضغط الدم الانقباضي لديهم بمعدل 6 ملم زئبق. انخفضت تكلفة الأكسجين - كمية الأكسجين المستهلكة - عند ممارسة الرياضة على دراجة ثابتة بنسبة 19 بالمائة. 

يتذكر جونز، الذي شارك في تأليف مراجعة حول النترات الغذائية في دورية Annual Review of Nutrition  لعام 2018: "عندما طلبنا منهم  ممارسة الرياضة حتى الإجهاد، كانوا قادرين على الاستمرار لفترة أطول".منذ ذلك الحين، تزايدت الأبحاث حول عصير البنجر، و مركزات عصير البنجر، والبنجر الكامل وأملاح النترات.

من غذاء إلى وقود

لا تقدم النترات نفسها الكثير للجسم. يجب أولاً تحويلها إلى أكسيد النيتريك، وهو غاز له العديد من الأدوار الفسيولوجية - في تمدد الأوعية الدموية، وتقلص العضلات، ونقل الإشارات العصبية، من بين أمور أخرى. يحصل الناس على أكسيد النيتريك بطريقتين: إما من خلال عمل إنزيم "سينثاز أكسيد النيتريك"، الذي يحفز الحمض الأميني إل-أرجينين لإنتاجه، أو من النترات التي يتم تناولها في الطعام.

في الحالة الثانية، يتم اختزال النترات الغذائية أولاً إلى نتريت بواسطة البكتيريا الموجودة في أفواهنا (يُنصح الرياضيون بتجنب غسول الفم ومعجون الأسنان والمضادات الحيوية قبل هذه الأنواع من الدراسات). بعد ذلك، خلال الساعات العديدة التالية، يتم اختزال بعض النتريت إلى أكسيد النيتريك في القناة الهضمية. يدخل النتريت أيضًا إلى الدم وأنسجة الجسم، حيث يتم اختزاله إنزيميًا إلى أكسيد النيتريك. 

يوضح هذا الرسم البياني كيف يمكن أن تعمل النترات الغذائية (NO3−) على تحسين الأداء الرياضي. على الرغم من أن النترات نفسها ليست نشطة من الناحية الفسيولوجية، إلا أنها تتحول في النهاية إلى أكسيد النيتريك، والذي يمكن أن يحسن وظائف العضلات والقلب والأوعية الدموية من خلال مجموعة متنوعة من التأثيرات على الجسم.

يعلم العلماء أن هذا المسار الثاني يتم تعزيزه في ظل الظروف التي لا يوجد فيها ما يكفي من الأكسجين في العضلات، وعندما يتراكم الحمض - وهو ما يحدث في العضلات الهيكلية عندما تنقبض باستمرار أثناء التمرين. لذلك يفترضون أن هذا المسار مهم بشكل خاص أثناء التمرين كنظام احتياطي لضمان إنتاج ما يكفي من أكسيد النيتريك في العضلات والأنسجة الأخرى.

بمجرد دخوله العضلات الهيكلية، يمكن لأكسيد النيتريك القيام بالعديد من الأشياء. يمكن أن يحسن كفاءة تقلص العضلات وتوليد الطاقة عن طريق الميتوكوندريا. كلا الوظيفتين يمكن أن تساهما في خفض كمية الأكسجين اللازمة لممارسة الرياضة. وكذلك الأمر بالنسبة لخاصية الغاز المتمثلة في تمدد الأوعية الدموية، حيث إنها تزيد من تدفق الدم إلى العضلات.

اجتياز الاختبار

تتزايد الدراسات التي تختبر آثار النترات الغذائية في الرياضات المختلفة. يعتبر عصير البنجر الطريقة المفضلة للتناول، لأنه سائل وقياس مستويات النترات فيه سهل. يقول جونز: "إنه أكثر ملائمة". على سبيل المثال في دراسة نشرت عام 2011 في دورية Medicine & Science in Sports & Exercise، طلب جونز وفريقه من تسعة راكبي دراجات ذكور أن يشربوا 500 مل من عصير جذر البنجر الذي يحتوي على ما يقرب من 400 ملج من النترات، قبل 2.5 ساعة من بدء اختبار تحمل ركوب الدراجات لمسافة 4 أو 16.1 كم. 

وجد الباحثون أن الرجال الذين شربوا عصير البنجر حسنوا من أدائهم بنسبة 2.7 في المائة في اختبار 4 كم و2.8 في المائة في اختبار 16.1 كم، مقارنة بالرجال الذين شربوا عصير البنجر الخالي من النترات.
في دراسة أخرى، نُشرت في عام 2015 في دورية the International Journal of Sport Nutrition and Exercise Metabolism، أعطى باحثون أستراليون خمس إناث محترفات في رياضة التجديف بزوارق الكاياك جرعتين بوزن 70 مل (2.4 أونصة) من عصير البنجر ، كل منها يحتوي على حوالي 300 ملغ من النترات ، قبل ساعتين من اختبار 500 متر من التجديف بالكاياك. مقارنة بالعلاج الوهمي، تحسن أداء المجدفين الذين شربوا عصير البنجر بنسبة 1.7٪.

بعد العديد من هذه التجارب، خاصة مع العدائين وراكبي الدراجات، خلص الباحثون إلى أن مكملات النترات تقلل من الحاجة الثابتة إلى الأكسجين خلال ممارسة الرياضة وتحسن الأداء في رياضات التحمل. ووجد الباحثون أن عصير البنجر يكون أكثر فاعلية عندما يشرب قبل ساعتين إلى ثلاث ساعات من التمرين، وبوجه عام فإن 300 إلى 500 مجم من النترات غير العضوية كافية لتوفير تحسن في الأداء بنسبة 1 إلى 3 في المائة - وهو تحسن بارز بما يكفي لمنح الرياضيين ميزة تنافسية. على الرغم من عدم استخدام الخضروات الصلبة بشكل عام في مثل هذه الدراسات، إلا أنها يمكن أن تكون فعالة أيضًا: يحتوي جذر البنجر والسبانخ على أكثر من 250 مجم من النترات لكل 100 جرام من المستخلص.

يقول أندرو كوجان، عالم فسيولوجيا التمارين في جامعة إنديانا - جامعة بوردو إنديانابوليس:" إن أكثر ما يثير اهتمامي هو حقيقة أن تدخلًا غذائيًا بسيطًا يمكن أن يكون له هذه التأثيرات المهمة". ومن ثم معرفة أن هذا له تأثير مباشر وقابل للقياس على وظيفة عضلاتنا أمر مذهل إلى حد ما."

في حين أن التأثيرات الفورية للنترات على التحمل واضحة، إلا أن الباحثين لا يعرفون حتى الآن ما إذا كان شرب عصير البنجر بانتظام على مدار أيام له تأثيرات أقوى. حتى الآن، الأدلة مختلطة.

يتوق الباحثون أيضًا إلى معرفة ما إذا كان العصير يقدم ميزة في أنواع أخرى من الرياضات "المتفجرة"، حيث الطاقة والقوة عاملان أساسيان. أفاد باحث التغذية الرياضية راؤول دومينجيز من جامعة إيزابيل الأولى في إسبانيا مؤخرًا في دورية Nutrients أن 70 مل من عصير البنجر المركّز حسّن أداء 15 متطوعًا في سباق دراجات مدته 30 ثانية. "على الرغم من أنه لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، "يبدو أنه يمكننا الاستفادة منه بجميع أشكاله"، يقول دومينجيز.

الجانب التجاري للبنجر

على الرغم من أن النكهة لا تناسب ذوق الجميع (يشير كوجان إليها على أنها "الأوساخ الحلوة") ، إلا أن الضجة المرتبطة بعصير البنجر تتنامى مع كل دراسة جديدة، ويمكن للمرء الآن أن يجد الكثير من عصائر البنجر والمركزات وألواح الطاقة، والكبسولات والمساحيق التي تعد أو توحي بتحسين الأداء.

دعم ذلك الحماس لعصير البنجر إقرار اللجنة الأولمبية الدولية العام الماضي بأن عصير البنجر هو غذاء رياضي وأن ثمة أدلة علمية جيدة لدعمه - إلى جانب مساعدات توليد الطاقة الأخرى، أو مكملات تعزيز القدرة على التحمل مثل الكافيين والكرياتين وبيكربونات الصوديوم.   

ولكن نظرًا لأن هذه المنتجات لا تخضع للتنظيم من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، لا يمكن للمستهلكين في كثير من الأحيان معرفة كمية النترات التي تحتويها على وجه اليقين. في العام الماضي، اختبر كوجان وطالب جامعي 24 منتجًا، من المساحيق إلى المركزات والعصير السائب، ووجدوا أن خمسة منها فقط تحتوي على مستويات فعالة من النترات.

تضيف بعض الشركات أملاح النترات النقية إلى المشروبات والمكملات الرياضية، "وهو أمر مخيف بالنسبة لي"، يعلق خبير التغذية الرياضية إدوارد فايس من جامعة سانت لويس في ميسوري الذي ينصح بشدة باستخدام العصير بدلاً من الأملاح. يقول فايس: "هناك الكثير من المواد الكيميائية النباتية التي تمنع تحويل النترات إلى مادة مسرطنة نعرف عنها، تسمى النيتروسامين".

ثمة مجموعة كبيرة ومتنوعة من مكملات البنجر معروضة للبيع اليوم، ويتم تسويقها على أنها معززات للأداء والقلب والأوعية الدموية. مساحيق وكبسولات وعصائر ومركزات - استفادت جميعها من العلم الذي يبحث في النترات وعلاقتها بممارسة الرياضة.

ماهو أكثر من ذلك، كما يقول دومينجيز ، تشير الدراسات إلى أن فوائد النترات الغذائية تكون أكبر عندما يتم تناولها في البنجر والخضروات الأخرى، وليس كأملاح - ويرجع ذلك أساسًا إلى فيتامين ج والبولي فينول الموجود في الخضروات، مما يساعد على اختزال النتريت إلى أكسيد النيتريك في المعدة.

ليس فقط للرياضيين

لقد أحدثت النترات الغذائية أكثر من مجرد إشعال ثورة صغيرة في عالم الرياضة.  يبحث العلماء الآن في تأثيره على مجموعات أخرى. يقول كوجان إنه بعد أن قرأ عن الدراسات المتعلقة بالرياضيين، فكر: "إذا كان هناك أي مجموعة من المرضى يمكنهم أن يحققوا الاستفادة القصوى من تلك الأبحاث المتعلقة بالبنجر، فسيكونون مرضى قصور القلب." 

هل يمكن لعصير البنجر أن يعزز قدرة القلب على توصيل الدم الحامل للأكسجين، ويساعد في الحفاظ على قوة العضلات الهيكلية لدى هؤلاء المرضى؟ في دراسة نشرت عام 2015 في دورية Circulation، أفاد كوجان وزملاؤه أن إعطاء عصير البنجر لتسعة مرضى يعانون من قصور في القلب زاد من مستويات أكسيد النيتريك في أنفاسهم بنسبة تصل إلى 50٪ وقوة عضلات الركبة بنسبة تصل إلى 11٪، حسبما تم قياسه باستخدام مقياس القوة. قد يؤدي هذا الاختلاف إلى تحسين نوعية حياة المرضى من خلال تمكينهم من أداء الأنشطة اليومية مثل النهوض من الكرسي بسهولة أكبر.

يبحث الباحثون الآن في الفوائد العلاجية المحتملة للنترات الغذائية لدى كبار السن، وكذلك لدى مرضى السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم. بالنسبة لـ كوجان، فإن حقيقة أن مكونًا واحدًا من نظام غذائي صحي يمكن أن يكون له مثل هذا التأثير الواضح أمر مذهل. "وهو ما يدفع المرء للتساؤل حول المكونات الأخرى لنظامنا الغذائي التي لها تأثيرات قابلة للقياس، ولم يتم التوصل إليها إلى الآن"، يقول كوجان.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
0
Share