"الغبار الذكي".. شبكة المعلومات الأضخم مستقبلًا

تطور مذهل يطرأ على أجهزة الاستشعار الدقيقة الحجم

تخيل أن تصبح حركتك، وحركة الأشياء الموجودة في محيطك، بل وحتى المناخ الذي تعيش فيه، تحت أعين سحابة من أجهزة الاستشعار، كل منها بحجم ذرة الغبار، لتنقل هذه الذرات البيانات إلى بعضها البعض، وصولًا إلى وحدة مركزية تتلقى حجمًا هائلًا من البيانات المختلفة عنك وعن كل ما يحيط بك.

مفهوم تلك الذرات متناهية الصغر التي يفصل بينها مسافة 100 متر على الأكثر، ويطلق عليها اسم "الغبار الذكي"، ظهر قبل نحو 22 عام، والمخطط أن تحتوي كل ذرة منها على دوائر إلكترونية، وكمبيوتر مصغر، ومستشعرات، مع قابلية للاتصال، كما يوضح مكي حبيب، أستاذ الهندسة الميكانيكية ومدير برنامج الدراسات العليا في الروبوتات والتحكم والنظم الذكية بالجامعة الأمريكية في القاهرة.

وتعتبر شبكات الغبار الذكية أحدث أدوات جمع البيانات، وهي الترجمة العملية لمفهوم إنترنت الأشياء، وصَدَق من أطلق عليها "وقود إنترنت الأشياء".

و"إنترنت الأشياء"، هو شبكة افتراضية تجمع بين مختلف الأشياء المصنفة ضمن الإلكترونيات، البرمجيات، أجهزة الاستشعار، المحركات وتصل بينها عن طريق الإنترنت، الأمر الذي يتيح لهذه الأشياء إمكانية تبادل البيانات فيما بينها.

تطبيق المفهوم

ورغم أن مصطلح "الغبار الذكي" نفسه يبدو غريبًا على الأسماع، إلا أن بعض مراكز الأبحاث في العالم العربي، ومنها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بالسعودية، والجامعة الأمريكية بالقاهرة أنتجا تطبيقات مهمة في إطار هذا المفهوم، ولكن ومثل الفرق البحثية الأخرى في العالم، لم يصلا إلى حجم ذرة الغبار.

ما تحقق حتى الآن، هو الوصول إلى حجم المليمتر الواحد، ولكن العالم في طريقه نحو تحقيق المعنى الحرفي لكمة "الغبار الذكي" بعد التقدم الذي تشهده تطبيقات النانوتكنولوجي.

من بين التطبيقات التي تسعى للوصول إلى حجم ذرة الغبار، ما أنتجه حبيب وفريقه البحثي، "مجموعة من وحدات المراقبة المصغرة التي يمكن تركيبها على روبوتات متنقلة لمراقبة مستويات التلوث بالمصانع، وإرسال البيانات إلى وحدة مركزية، يقول حبيب لمنصة "ساينتفيك عرب": "لا زلنا في مرحلة لم تصل إلى حجم التصغير الذي يعادل ذرة الغبار".

كما أنتج فريق بحثي آخر بالجامعة الأمريكية في القاهرة، تقنية جديدة لمراقبة محطات الطاقة الشمسية وقياس كفاءتها، تستخدم نفس المفهوم، ولكن الحجم لا يزال كبيرًا.

وتمثل هذه التطبيقات نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه تطبيقات "الغبار الذكي"، مع الفارق في أن الذرة الواحدة التي تحتوي على كل النظام لن يزيد حجمها عن حبة رمل، وحسب المستشعر الموجود بها يمكن أن تكون تطبيقاتها متعددة.

يقول حبيب: "تخيل أي شيء في العالم الذي نعيش فيه، سيكون لذرات الغبار الذكي دور في مراقبته، فهو يمكن أن يساعد في قياس أي شيء يمكن قياسه في أي مكان تقريبًا".

على سبيل المثال، يمكن أن تنقل بيانات عن العاصفة إلى محطات الطقس على الأرض، أو تراقب حركة المرور وتحدد أماكن وقوف السيارات المتاحة، أو تستخدم في الغابات والمناطق الأخرى المهددة بمخاطر حريق لاكتشاف الحرائق، أو يتم نثرها على حدود الدولة لكشف المتسللين إلى داخل الدول، أو مراقبة المحاصيل وتحديد احتياجات الري والتسميد ومكافحة الآفات، أو مراقبة المنتجات منذ وجودها في أرفف مرافق التصنيع إلى الصناديق إلى سفن الشحن إلى الشاحنات إلى أرفف محلات البيع بالتجزئة، وصولًا إلى تطبيقاته في مجال الرعاية الصحية، مثل التشخيص بدون جراحة.

تطبيقات الغبار الذكي

تحدي التصغير

والتحدي الكبير مع الغبار الذكي والأجهزة الأخرى الدقيقة والنانوية هو تزويدها بمصادر طاقة عالية الكفاءة وصغيرة الحجم في الوقت ذاته، وهذا هو المكان الذي يمكن أن تلعب فيه البطاريات الدقيقة التي أنتجها باحثو جامعة كيمنتس الألمانية، دورا مهمًا.

اقرأ أيضاً:  طاقتك من نافذتك

تفاصيل هذه البطاريات المستمدة من تطبيقات "الأوريجامي"، نشرت في دراسة خلال شهر يونيو الماضي، حيث تمكن الفريق البحثي من إنتاج بطارية بحجم أقل من حبة الأرز "178 ميكرون"، وبسعة شحن تصل إلى مللي أمبير في الساعة.

و"الأوريجامي"، هو فن ياباني يعتمد على التصغير عبر طي الورق في طبقات، وأوحى هذا الفن إلى العلماء في تخصصات مختلفة ببعض التطبيقات، ومنها التطبيق الذي استخدمه الفريق البحثي الألماني حيث تمكنوا من تجميع طبقات البطارية وطيها في مساحة صغيرة جدًا، دون الإخلال بكفاءة الطاقة بها. 

يعلق حبيب: "لا يزال هذا الحجم رغم صغره أكبر مما هو مطلوب لتشغيل نظام الغبار الذكي، ويمثل هذا تحديًا كبيرا إلى جانب تحدي التكلفة، حيث أن نشر ذرات الغبار على مسافات متقاربة -بين كل ذرة وأخرى مسافة لا تزيد عن 100 متر- يتطلب أن تكون تكلفة الذرة الواحدة قليلة، ويفترض وفق الخبراء الذين وضعوا هذا المفهوم، ألا تزيد تكلفة الذرة الواحدة عن دولار واحد"، وهو ما يسعى المجتمع البحثي للوصول إليه مستقبلًا.

الوجه القبيح

ومع كل تلك المزايا والتطبيقات المتنوعة والتي يمكن معها أن نصف تلك التقنية بأنها "صديقة للبشر"، إلا أن هناك من يتخوف من ممارسات تحولها إلى تكنولوجيا "عدوة للبشر".

يقول مكي: "سنتعامل مع أشياء بحكم ذرة الغبار، وبالتالي يسهل استخدامها في انتهاك خصوصية الآخرين لصعوبة اكتشافها، كما ستكون هناك صعوبة في استردادها إذا لزم الأمر، وهو ما يفرض ضرورة العمل على أن تكون صالحة للعمل لفترات طويلة، وأن تكون تكلفتها بسيطة للغاية".  

وحتى يتم علاج هذه التحديات وخفض التكاليف، ستظل هذه التكنولوجيا بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين، والأمر الذي يدعو للاطمئنان إلى حد ما، هو أن بعض الجهات العلمية والأكاديمية في منطقتنا، مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بالسعودية، ليست ببعيدة عن هذه التقنية، بل إن الأخيرة سعت لعلاج سلبياتها، لاسيما فيما يتعلق بالتكلفة.

وقبل نحو أربع سنوات أعلن الموقع الرسمي للجامعة، عن نجاح فريق بحثي يقوده عاطف شميم، أستاذ مشارك في الهندسة الكهربائية والحاسوبية، في تطوير نظام استشعار فعال ومنخفض التكلفة ومصمم بالطباعة ثلاثية الأبعاد. 

النظام يعتمد على نشر مستشعرات منخفضة التكلفة في المناطق عالية المخاطر، تكون متصلة لاسلكياً ببعضها البعض بعدد قليل من العُقد الثابتة (منصات مركزية)، والتي تعمل على تشغيل الإنذار، ويستطيع هذا النظام الذكي الكشف عن الغازات الضارة والتغيرات الحاصلة في درجة الحرارة والرطوبة، وهي إمكانيات يمكن أن تحدث ثورة في تقنيات المراقبة والرصد البيئي.

ومع كل ما تحقق من تطور في هذا الاتجاه، لا تزال العديد من تطبيقات الغبار الذكي في مرحلة المفهوم، ولكنها قادمة لا محالة، وستكون هي الأساس في المستقبل، ربما القريب.

 يقول برنارد مار، مستشار الأعمال والتكنولوجيا الإستراتيجي للعديد من الحكومات والشركات، في مقال له بموقع مجلة "فوربس": "الغبار الذكي لم يعد مصدرًا للخيال العلمي، فنحن لا نعرف متى سنتقدم إلى نقطة تبني تطبيقاته على نطاق واسع، لكننا نعلم بالتأكيد أنها مسألة متى". 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share