fbpx

أنقذوا الميكروبات!

رأي: تشير بيانات حديثة إلى أن التنوع الميكروبي مهدد، مما يضع الكوكب بأكمله في خطر.

ليس خفيًا على أحد أن الحياة على كوكبنا تمر بكارثة.

استنادًا إلى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فإن أكثر من 3700 نوع حي يعد مهددًا بالانقراض حاليًا، بما يشمل 26% من الثدييات، 36% من أسماك القرش والأسماك الغضروفية، و41% من البرمائيات.

لكن ملصقات حماية الطبيعة التي تعرض دببة الباندا اللطيفة والفيلة الساحرة لا تشمل أنواعًا اخرى لا تقل أهميةً عن غيرها وعلى الأغلب لا تتعرض لخطر أقل عن سواها، تلك هي: الأحياء الدقيقة.

تشمل الأحياء الدقيقة الفيروسات والبكتيريا والفطريات والأوليات التي تبقي كوكبنا حيًا. وبينما نحن أكثر دراية بالأنواع  المسببة للأمراض منها، وخاصةً الأوبئة العالمية، فإن أغلب تلك الكائنات تلعب دورًا أساسيًا في تدوير المغذيات التي تبقي على الغابات والمحيطات والمزارع ومناطق السافانا حية.

إضافة إلى أن تريليونات الكائنات الدقيقة تتخذ من أجساد النباتات والحيوانات (بما فيها الإنسان) موطنًا لها، حيث تسهم في تنظيم نموها و تطورها، وتحميها من الممرضات.

 اختصارًا، نحن لا نستطيع النجاة -ولا يمكن للنباتات أو الحيوانات أيضًا- بدون رفقائنا المجهريين.

إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن العوامل التي تهدد حياة الحيوانات الجذابة من النمور والدببة القطبية والحيتان، تهدد الأحياء الدقيقة أيضًا.

وللأمر خطورة بالغة، إذ أن كل أشكال الحياة تعتمد على الأحياء الدقيقة، فإن كانت هذه الأحياء في خطر؛ ذلك يعني أن كل الكائنات في خطر. علينا فعل ما بوسعنا للحفاظ على ما تبقّى منها ومحاولة استعادة ما فقدناه منها.

على الرغم من كونها مهددة بالخطر، فإن عدد الميكروبات المنتشرة في أصقاع الأرض مذهل، إذ تحتوى المحيطات على عددٍ من الميكروبات يبلغ 100 مليون ضعف عدد النجوم الموجود في الكون بأكمله. يحوي مقدار ملعقة من التربة ميكروباتٍ بعدد سكّان قارة إفريقيا. أجسامنا هي موطن العديد من الميكروبات لدرجة أن عدد الخلايا الميكروبية في أجسادنا يفوق عدد الخلايا البشرية.

لكن العدد  ليس العامل الوحيد الذي يهمنا، إذ أن تنوّع هذه الميكروبات هو أساس صحة الكوكب. ففي كل منظومةٍ بيئية، تعمل مجتمعات متنوعة من المكيروبات سويًا، حيث يقوم كل نوع منها بدور مختلف.

ومعًا، تستقلب هذه الأنواع المغذيات الرئيسية مثل النيتروجين والفوسفور، وتحلل الملوّثات مثل المبيدات الحشرية والتسرّبات النفطية، وتحسّن جودة الماء بتفكيك المركبات العضوية من المخلفات، وتعزز الإنتاجية الزراعية من خلال دعم قدرة النباتات على الحصول على المغذيّات والتحكم بالآفات.

ليس ذلك فحسب، إذ تبقينا هذه الميكروبات بأمان؛ يوجد حوالي 1400 نوع من الأحياء الدقيقة التي قد تكون خطرة على صحتنا إن وجدت طريقها إلى أجسادنا. 

وخط دفاعنا الأول ضد هذه الممرضات هي الميكروبات التي تسكن بشكل طبيعي أحشاءنا وأسطح بشرتنا، حيث تشكل عازلًا ضد الهجمات المعادية.

ولكن للأسف، فإن عدد الميكروبات وتنوّعها ودورها المحوري في الحفاظ على الحياة يقع تحت التهديد حاليًا نتيجة عددٍ من المشاكل التقليدية، مثل سوء استخدام الأراضي الزراعية بشكلٍ ينزع من التربة العناصر المغذية، وضياع مواطنها الطبيعية نتيجة للتمدد الحضري، أو التغيّر المناخي، التلوّث، إزالة الغابات، إضافة إلى الصيد البري والبحري الكثيف. 

وعلى الرغم من صعوبة تقدير الأثر البشري نتيجة معرفتنا الضيقة بالكثير من الميكروبات وصعوبة دراستها ؛ فإنّ عددًا متزايدًا من الأبحاث تشير إلى نتائج متشابهة.

قد أشارت ورقة بحثية عام 2013 إلى أن إزالة غابات الأمازون المطيرة لإتاحة المجال أمام تربية المواشي أدى إلى تقليل التنوّع الميكروبي في التربة. كما كشف تحليل استهدفتيار مائي في ماريلاند عن أن نوع الميكروبات الموجودة فيها يختلف تبعًا للأراضي المتاخمة لهذه التيارات؛ إن كانت زراعية أو حضرية أو غير مستخدمة (غابات). وكما هو متوقّع، فإن دورة الأكسجين في التيارات القريبة من الغابات كانت أفضل من تلك الموجودة في المناطق الحضرية (دورة الأكسجين هي عملية ضرورية للأحياء المائية تلعب فيها البكتيريا دورًا هامًا).

ومن ناحيةٍ أخرى، أشار تحليل في عام 2020 أنّه في ظل معدل الخسارة الحالية للشعاب المرجانية نتيجة النشاطات البشرية، فإن هذه الشعاب تعاني من تناقص بمعدل 28% في محتواها من البكتيريا والميكروبات المماثلة. كما أن التغيّر في درجات الحرارة المرتبط بالتغيّر المناخي يؤثر على  الأحياء الدقيقة في البيئة.

قد علّمتنا الجائحة دروسًا عديدة، أحدها عن قوّة الميكروبات، لكن سياسات الحماية الحالية لا تأخذ الميكروبات بعين الاعتبار. يجب على العاملين في مجال الحفاظ على الطبيعة أن يتعاونوا بشكل أكبر مع علماء الأحياء البيئية ممن يمتلكون الخبرات التقنية لتحديد الدور الذي تؤدّيه هذه الميكروبات في الحفاظ على صحة الأنواع والبيئات المهددة بالخطر.

فعلى سبيل المثال، عادة ما يتمتع طائر الكركي الذي تتم تنشئته من قبل البشر بصحة أقل من أمثاله في (المهددين بالانقراض) في البرية، وبما أن الطيور التي يربّيها البشر تمتلك ميكروبات أمعاء مختلفة عن تلك التي تمتلكها الطيور البرية، فإنها قد تستفيد من عملية زراعة فضلات الطيور البرية في أمعائها، حيث تمتلك الأخيرة  تنوعًا صحيًا من البكتيريا في أحشائها.

ومن خلال العمل المشترك، يمكن لعلماء الحفاظ على الطبيعة والأحياء الدقيقة تصميم سياسات وخطط تخدم حاجات الكائنات الحية كلها، كبيرة كانت أو صغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
0
Share