fbpx

البيئة الصحية كحق من حقوق الإنسان

من شأن اعتراف الأمم المتحدة بذلك أن يعزز الدوافع القانونية للحفاظ على الطبيعة

مع ازدياد تأثير جنسنا البشري على العالم الطبيعي، تزداد أيضًا المعلومات عن مدى اعتمادنا عليه: من الكائنات التي تلقّح المحاصيل ومجموعات الأسماك البرية التي تغذي الملايين، إلى النظم البيئية التي تمتص انبعاثات الكربون وتنقي الهواء والماء.

عززت هذه الروابط الأسباب القانونية حول أهمية البيئة الصحية -أي، النظم البيئية السليمة وجماعات الحيوانات والنباتات، فضلاً عن المناخ المستقر. بالنسبة إلى جون نوكس، الخبير في القانون البيئي الدولي وقانون حقوق الإنسان في جامعة ويك فورست، فإن البيئة الصحية لا تقل أهمية بالنسبة لحياة الإنسان عن أهمية حرية التعبير والصحة والعمل والتعليم والحقوق الأخرى المحددة عمومًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

بين عامي 2012 و2018، عينت الأمم المتحدة نوكس للتحقيق في العلاقة بين حقوق الإنسان والبيئة كخبير مستقل ومقرر خاص. عند اختتام فترة عمله، حث نوكس الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاعتراف رسميًا بالحق في بيئة صحية من خلال معاهدة أو قرار. ومع ذلك، فإن الحق في بيئة صحية لا يزال " حقًا مفقودًا من حقوق الإنسان" على مستوى الأمم المتحدة، كما كتب نوكس في دورية Annual Review of Law and Social Science عام 2020.


تعترف أكثر من 150 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة بالحق في بيئة صحية، إما من خلال الدساتير أو التشريعات العامة أو معاهدات حقوق الإنسان الإقليمية -وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من الإلزام والتأثير. الاعتراف بالحق على مستوى الأمم المتحدة، كما قال نوكس في مقابلة مع مجلة Knowable، يمكن أن يساعد المجتمعات في جميع أنحاء العالم على تقديم حجج قانونية أكثر قوة للحفاظ على الطبيعة.

من أين ظهرت هذه الفكرة القائلة بأن لدينا جميعًا حقًا أساسيًا في بيئة صحية؟

كانت الفكرة موجودة بالفعل منذ فجر الحركة البيئية الحديثة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. منذ ذلك الحين، تبنّت العديد من الدول هذا الحق في دساتيرها. وفي السنوات الخمس والعشرين الماضية، أُصدِرت آلاف القرارات عن المحاكم حول العالم لتفسير الحق الدستوري في بيئة صحية.

كيف نقرر ما يعتبر حقًا من حقوق الإنسان؟ ولماذا يجب تضمين الطبيعة - أو البيئة الصحية؟

كل حق من حقوق الإنسان تود أن تحظى به يعتمد على وجود مكان ما يمكنك العيش فيه. لا يمكنك حقًا التمتع بحياة كريمة وحرية ومساواة دون وجود أدنى حد من المعايير البيئية.

إلى أي مدى انتشر هذا الحق في جميع أنحاء العالم؟

تم الاعتراف بحق الإنسان في بيئة صحية في عدد من المعاهدات الإقليمية لحقوق الإنسان، بما في ذلك في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي الواقع، أقرت غالبية دول العالم في دساتيرها الوطنية الحق في بيئة صحية.

في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى المؤثرة، لم يتم تضمين هذا الحق في الدستور الوطني. ولم تعترف به الأمم المتحدة قط.

ما هو أثر هذا الاعتراف في البلدان التي تعترف بالفعل بهذا الحق؟

كتب ديفيد بويد، الذي أصبح فيما بعد خلفًا لي في الأمم المتحدة، كتابًا بعنوان "ثورة الحقوق البيئية" (The Environmental Rights Revolution)، نظر فيه إلى الانتشار العالمي للحق في بيئة صحية. ووجد أن البلدان التي تبنت هذا الحق تميل إلى الأداء بشكل أفضل عبر مجموعة كاملة من المؤشرات البيئية المختلفة.

على سبيل المثال، في كوستاريكا، تم الاستشهاد بالحق الدستوري في بيئة صحية من قبل الخبراء القانونيين الذين تحدثت معهم على أنه أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل السياسات البيئية للبلاد بالقوة الحالية. بالطبع، هناك دائمًا سؤال حول السببية - ربما تكون البلدان المهتمة بالفعل بحماية البيئة أكثر ميلًا لتبني هذا الحق.

يمنحك منظور حقوق الإنسان أيضًا طريقة لتطبيق مجال قانوني مطور بالفعل دون الحاجة إلى إنشاء كل شيء من البداية، ومسارًا إلى المنتديات التي قد لا تكون مفتوحة لمناقشة القضايا البيئية. كما تستمع المحاكم إلى نقاشات حقوق الإنسان. 

في قرار مثير في ديسمبر 2019، على سبيل المثال، قضت المحكمة العليا الهولندية بأن الحكومة فشلت في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالتغير المناخي بموجب قانون حقوق الإنسان وأمرت بتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسرعة أكبر. أشك في أن هذا كان ممكنًا بدون اعتبار التغير المناخي كقضية من قضايا حقوق الإنسان.

ما الفارق الذي سيحدثه الاعتراف بهذا الحق على مستوى الأمم المتحدة؟

أولاً، ستكون الأمور أبسط بكثير إذا كان بإمكاني القول أنّه "هناك حق إنساني في البيئة الصحية"، بدلاً من الاضطرار إلى مناقشة كيف تعتمد حقوق الإنسان الأخرى على الصحة البيئية. أعتقد أن هذا في الواقع مهم جدًا.

كما قد يوضح ذلك الأساس الذي تستند إليه مؤسسات الأمم المتحدة لدراسة هذا الحق. لدى "مجلس حقوق الإنسان" (Human Rights Council) التابع للأمم المتحدة ما يسمى "المراجعة الدورية الشاملة" (Universal Periodic Review)، والتي من خلالها يراجع سجل حقوق الإنسان في كل دولة. تظهر القضايا البيئية لأنها مرتبطة بحقوق أخرى، ولكن إذا كان لدينا حق الإنسان في بيئة صحية، فستكون عملية المراجعة أكثر منطقية.

أخيرًا، سوف يدفع  الاعتراف الدول التي لم تتبناه بعد إلى قبوله وتنفيذه محليًا. وسيضع مزيدًا من الضغط على الدول التي تبنّته، ولكنها لم تفعل شيئًا لتنفيذه.

من الناحية العملية، ماذا يعني هذا بالنسبة للمجتمعات على الواقع التي تعاني من الظلم البيئي؟

بالطبع، الاعتراف بشيء ما كحق حتى لو تم الاعتراف به بطريقة رسمية في القانون، لا يعني بالضرورة أنه سيتم تنفيذه - فالحق الدستوري للعديد من البلدان في بيئة صحية هو أمر طموح. هناك بالفعل مصالح قوية في مجتمعاتنا تعمل ضد هذا الاعتراف، وهناك رغبة في جميع أنحاء العالم في تحقيق نمو اقتصادي أكبر، مدفوع باستخراج الموارد الطبيعية واستغلالها. غالبًا ما يكون العديد من الأشخاص الأكثر اعتمادًا في معيشتهم على الموارد الطبيعية مثل الغابات أو الأنهار أو السواحل مهمشين بالفعل. وغالبًا ما تتجاوز القوى التي تحاول استغلال هذه الموارد حقوق هذه الفئات المهمشة.

لكن لنفترض أنك ضمن مجتمع يتأثر سلبًا بعملية التنقيب، من الأسهل بكثير تقديم ادعائك إلى المحكمة إذا كان بإمكانك القول إن حقوقك قد تم انتهاكها لأن شخصًا ما يدمر البيئة التي يعتمد عليها مجتمعك، مما إذا كان عليك أن تجادل بشكل غير مباشر بأن حقك في الصحة، على سبيل المثال، يتأثر بالتدمير البيئي.

كما يوفر إطارًا قانونيًا أوضح لهيئات حقوق الإنسان المحلية أو الوطنية أو الإقليمية التي تراجع هذه الأنواع من الدعاوى. إذا لم تكن المحاكم متوافقة بشكل خاص مع مطالبك، فربما ترغب في رفعها بالتوازي مع مؤسسة حقوق إنسان وطنية في بلدك، أو مع محكمة إقليمية لحقوق الإنسان أو هيئة عالمية لحقوق الإنسان. كلما كان الاعتراف أكثر وضوحًا على المستوى الدولي، كان لديك أساس أقوى في مستوى المراجعة هذا.

أود أن أؤكد، مع ذلك، أن العديد من المجتمعات المحلية يمكنها تقديم حجج حقوق الإنسان فيما يتعلق بالفعل بحماية البيئة. على سبيل المثال، ليس هناك شك في أن تلقّي أحد أفراد المجتمع المحلي تهديدات بالقتل أو حتى التعرض للقتل بسبب العمل الذي يقوم به نيابة عن مجتمعهم لحماية البيئة هو أمر ينتهك حقوق الإنسان.

هل هناك أي سبب لعدم الاعتراف بالحق في بيئة صحية كحق من حقوق الإنسان؟

لفترة طويلة، كان علماء البيئة قلقين من أننا نقضي الكثير من الوقت في التفكير في البيئة من حيث فوائدها للبشر، وأن البيئة لها فوائد جوهرية لا ينبغي أن تخضع لمصالح الإنسان. ولكن كلما زاد فهمنا للطرق التي نعتمد بها نحن البشر على بيئة صحية، قلت الفجوة بين النهج الذي يركز على الإنسان والنهج الذي يركز على البيئة لحماية البيئة. لا يمكننا حقًا التمتع ببيئة صحية ما لم تكن البيئة صحية لكل شيء آخر يعيش فيها أيضًا.

الطريقة الثانية التي يمكن من خلالها الاستجابة لهذا الموضوع هي أن تقول: لماذا لا نعطي الطبيعة حقوقها فقط؟ بدأت بعض الدول في القيام بذلك، مثل نيوزيلندا، التي منحت نهر وانجانوي (Whanganui River) الشخصية القانونية قبل بضع سنوات. لم يتم دمج هذا النهج في القانون الدولي أو اعتماده على مستوى الأمم المتحدة حتى الآن.

لم تكن حكومات مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سعيدة بتبني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. على سبيل المثال، الولايات المتحدة ليست طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا تنعكس هذه الحقوق في وثيقة الحقوق الأمريكية. دعنا نقول، الولايات المتحدة كانت غير متحمسة لفكرة أنه يمكن أن يكون لديك حقوق لأشياء مثل الصحة أو الماء أو الطعام.

الصين واليابان من الدول الأخرى التي لم تقبل الحق في بيئة صحية على المستوى الوطني. 

في حين أنه لا يوجد إلا أقلية من البلدان التي لم تعترف بهذا الحق بأي شكل من الأشكال، فإن بعض هذه البلدان قوية جدًا. لذلك من المفهوم أن الاعتراف لم يحدث بعد في الأمم المتحدة.

هل ترى أي إشارات على أن الأمم المتحدة تقترب من الاعتراف بالحق رسميًا؟


هناك قدر كبير من الدعم لذلك في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. لقد اتخذت العديد من الدول مواقف لصالح قرار يدعم الحق في بيئة صحية. علامة أخرى على الدعم المتزايد هي أن العديد من رؤساء وكالات الأمم المتحدة الرئيسية قد أعلنوا مؤخرًا عن تأييدهم لإصدار اعتراف من الأمم المتحدة؛ منهم إنجر أندرسن، رئيسة برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وقد أصدرت مؤخرًا بيانًا لمجلس حقوق الإنسان نيابة عن 15 وكالة، أعربت فيه عن دعمها للحق في بيئة صحية على مستوى الأمم المتحدة.

هذا أمر غير مسبوق، لم يشر قرار مجلس حقوق الإنسان هذا العام إلى الحق في بيئة صحية، لكن المجلس يقترب من القيام بذلك. إذا اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا، فإن الخطوة التالية ستكون أن تعترف الجمعية العامة في الخريف. 

كل ما هو مطلوب لكي تعترف الأمم المتحدة رسميًا بالحق هو تصويت الأغلبية. يمكنني أن أتخيل أنه سيتم اعتماده ربما في أقرب وقت من هذا العام، أو في عام 2022، والذي سيكون الذكرى الخمسين لإعلان ستوكهولم عام 1972، وهو أول وثيقة دولية رئيسية تربط بين حقوق الإنسان وحماية البيئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share