نحو نمط حياة أكثر استدامة

التنبيهات.. قد تمنحك نمط حياة أكثر استدامة

الحياة في مجملها مجموعة من القرارات، ونظامك اليومي جزء منها. بدءًا من قرارك بأن تستيقظ في موعد محدد، ثم اختيارك لوجبة فطورك، ثم اختيارك للوسيلة التي ستذهب بها إلى العمل. هل ستمشي إلى هناك، أم تقود سيارتك، أم تستقل وسائل النقل العام؟ وتستمر حاجتك إلى أخذ وابل من القرارات حتى ينقضي يومك بقرار الخلود إلى النوم. إذًا، هل يمكننا تسخير هذه القرارات اليومية لإنقاذ الكوكب؟ 

في حين قد تبدو القرارات التي نتخذها فردية للغاية وتحت تحكمنا المطلق، إلا أن علم الاقتصاد السلوكي يثبت أن للظروف البيئية والاجتماعية المحيطة دورًا هامًا في دفعنا تجاه بعض هذه القرارات والعزوف عن أخرى.

من هنا ظهر مصطلح التنبيهات (Nudges)، وهي تدخلات بسيطة ومنخفضة التكلفة يمكن أن تغير آلية اتخاذ القرار سواء للأفراد أو المؤسسات، دون ارتباط هذا التغيير بمكافأة أو عقوبة وقتية. ويعتمد استخدام التنبيهات على فهم الدوافع وتحليل الحواجز والعقبات التي تمنع اتخاذ القرار الصحيح.

 شاع هذا المصطلح تحديدًا بعد نشر كتاب "التنبيه: تحسين القرارات حول الصحة والثروة والسعادة" لمؤلفيه "ريتشارد ثالر" و"كاس سنشتاين"، والكتاب معني بكيفية تغيير طريقة تفكيرنا بشأن الاختيار، وتحسين القرارات المتعلقة بالصحة والثروة والسعادة. ويتطرق إلى أمثلة تعليمية مستمدة من الحياة الواقعية، يُظهر فيها مؤلفي الكتاب أنه ما من خيار قط يقدم بطريقة محايدة. لتصبح المسألة متمثلة في السؤال: متى نحتاج إلى تنبيه في الاتجاه الصحيح؟

ولعلك صادفت بالفعل أحد تلك التنبيهات في حياتك اليومية؛ فهي من أنجح طرق التسويق التي تعتمد عليها الشركات. على سبيل المثال، عند طرح عرض جديد في أحد المتاجر، فقد اعتدنا أن نرى سعر المنتج قبل وبعد هذا العرض، ما يجعلنا نرغب بشكل غير إرادي في الاستفادة منه. ولكن لتعزيز رغبة المستهلك في الشراء، فكر المسوقون في استخدام تنبيه آخر عن طريق إضافة جملة بجانب سعر المنتج توحي بندرته، على سبيل المثال "يسمح بحد أقصى 12 علبة لكل شخص".

إذن كيف يمكن تسخير التنبيهات لجعلنا نتخذ قرارات أكثر استدامة؟

بالنظر إلى أن قرارات الأفراد، وتحديدًا المستهلكين لها عواقب، سواء على حياة الفرد بشكل خاص أو سلامة كوكبنا بشكل عام، وإيمانًا بقدرة الشركات على أن تلعب دورًا في توجيه المستهلكين لاتخاذ خيارات بعينها، تتوجه الجهود إلى إعطاء دفعة لهذه الشركات لجعل المستهلك يتخذ قرارات أكثر استدامة.

اقرأ أيضاً:  نحو خرسانة أكثر استدامة

فمن خلال البحث عن طرق لدفع المستهلك نحو الخيارات والسلوكيات المستدامة، يمكن للمؤسسات والشركات اتباع عدة إجراءات منها: تمكين العملاء من تحقيق رغباتهم في الحصول على المنتجات التي يفضلونها دون الإضرار بالبيئة، تعزيز العلامة التجارية للمؤسسة، المساعدة في بناء أسواق مستدامة، وحماية الكوكب من خطر تغيرات المناخ الحادة التي تواجهه.

على سبيل المثال، بدلًا من أن تصنف شركات السياحة الرحلات على أساس السعر ووقت الرحلة فقط، يمكن أن تضيف لذلك التصنيف الانبعاثات الكربونية لكل رحلة، ما يمثل دافعًا للمستهلك لاختيار الرحلة الأقل تأثيرًا على البيئة.

كما يمكن استغلال التنبيهات في تطبيقات توصيل الطعام إلى المنازل والتي لاقت رواجًا كبيرًا بين المستهلكين في السنين الأخيرة. فبدلًا من أن تعرض هذه التطبيقات خيارات الطعام غير الصحية والأطعمة التي لها تأثير جسيم على البيئة في مراحل الإنتاج؛ مثل اللحوم الحمراء كخيار أول، يمكنها تصنيف الطعام بحسب بصمته الكربونية بأن تعرض لك خيارات الطعام الصديقة للبيئة أولًا وترشح لك المطاعم التي تدعم هذه القضية. 

أضف إلى ذلك إمكانية مكافحة مشكلة هدر الطعام من خلال بعض التنبيهات مثل توجيه الأفراد إلى الاشتراك في تجهيز الطعام بدلًا من شرائه جاهزًا، ما يعطي الفرد شعورًا بالمسؤولية تجاه هذا الطعام. 

ومن العوامل التي تساعد في تطبيق التنبيهات بشكل أكثر فعالية، التذكير اليومي بالسلوك المراد تنفيذه باستخدام ملصقات أو تطبيقات خاصة على الهاتف، وربط السلوك الجيد بشيء محبب للفرد أو نتيجة مرغوب فيها، كذلك تقليل إمكانية الوصول إلى السلوك غير المحبب. على سبيل المثال، إذا كنت ترغب في نظام غذائي صحي، احرص على عدم وجود أي من خيارات الطعام غير الصحي في منزلك. أيضًا

إشراك الأقران في السلوك نفسه، فالنفس تميل في أغلب الأوقات إلى تبني السلوك الجماعي المألوف.

وللمزيد حول التنبيهات البسيطة التي يمكن دمجها في حياتنا اليومية لتخطو بنا نحو نمط حياة أكثر استدامة، إليك هذه الحلقة الشيقة من بودكاست مستدام مع ريم المنصوري،  باحثة ما بعد الدكتوراة في كلية العلوم والهندسة، وعضو في مجموعة أبحاث التكنولوجيا والسلوك   i-Solouk في جامعة حمد بن خليفة، وهي أيضًا زميلة زائرة في مجموعة أبحاث علم النفس السيبراني في جامعة بورماث في المملكة المتحدة، في ضيافة فاتن عاشور.
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
كل ما تود معرفته عن حليب الصراصير - ENCOMILK
طالع المزيد

حليب الصراصير ذو الطعم الخطير؛ هل تغزو صراصير المحيط الهادئ الأسواق بحليبها؟

تخيل أن تجلس في أحد المطاعم وعند طلبك لكوب شاي بحليب فإذا بالنادل يسألك بكل تلقائية وبوجه تعلوه…
Total
0
Share