الدراسة والصيام, الصيام والدراسة

الدراسة والصيام | لمذاكرة أكثر إنتاجية في رمضان

تمثل المذاكرة خلال شهر رمضان تحديًا كبيرًا بالنسبة للكثير من الطلبة والدارسين، لتجد أكثرهم يدور في حلقة مفرغة لتحقيق التوازن بين الصيام والدراسة واحتياج الجسم للراحة. وفي حين يجد البعض في الصيام فرصة ذهبية للتحصيل الدراسي بتركيز مع القلة النسبية للمشتتات في الصيام، يجد البعض الآخر صعوبة في تنظيم الوقت والتأقلم مع التغيرات اللازمة للاستفادة القصوى من ساعات الصيام.  

تأثير الصيام على الوظائف الإدراكية وعملية التعلم

يسبب الصيام تحولًا في الموارد التي يستخدمها الجسم -الدماغ بشكل أخص- للطاقة، بحيث ينتقل من استخدام الجلوكوز إلى الكيتونات لإنتاج الطاقة التي تحتاجها الخلايا. تمثل الكيتونات نوعًا من الأحماض التي ينتجها الكبد من الدهون، وتعتمد عليها خلايا الدماغ بشكل أساسي لإنتاج الطاقة مع انخفاض مستوى السكر في الدم خلال ساعات الصيام الطويلة.

في حواره مع مجلة "نيورون"، أشار د. "مارك ماتسون"، عالم الأعصاب الأمريكي، والرئيس السابق لمختبر علم الأعصاب في المعهد الوطني للشيخوخة، إلى أن تقليل السعرات الحرارية يعزز وظائف الخلايا العصبية بالدماغ، عن طريق تعزيز وظيفة الميتوكندريا، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة التي تحتاجها الخلايا لتأدية وظيفتها. 

ثم أن الصيام -بحسب قوله- يعزز ردود الفعل الدفاعية للجسم ضد المنتجات الثانوية التي تنتج عن عملية التمثيل الغذائي الخاصة بالخلايا، التي قد تتسبب في تدمير الخلية، إذا تراكمت بكميات كبيرة.

يشير "ماتسون" أيضًا إلى تعزيز الصيام لعملية الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي طريقة الجسم للتخلص من الخلايا التالفة، واستبدالها بخلايا صحية جديدة. لكن، بالرغْم من الفوائد الصحية المختلفة للصيام وتأثيراته الهائلة على الوظائف الدماغية، إلّا أن الوصول لروتين مناسب للدراسة قد يمثل تحديًا كبيرًا.

الروتين الصارم أم التجديد اليومي لساعات المذاكرة؟

يبحث الكثير من الدارسين عن النظام "الأفضل" للمذاكرة في رمضان، في حين أن الأمر نسبي، حيث يختلف الجدول الزمني الأمثل من شخص لآخر. لكن هناك بعض الفترات اليومية التي يمكن للفرد انتهازها، بحيث يكون في أكثر حالاته نشاطًا، ما يتيح له إنجاز أكبر قدر من المهام اليومية، مثل الساعات ما بعد الفجر إلى الظهيرة، التي يمكن الاستفادة منها قبل الشعور الجوع أو العطش الشديد، فضلًا على الإرهاق. 

اقرأ أيضاً  الإدمان | أنت أقوى من الأوريو

كما يمكن استغلال فترة ما بعد الإفطار بساعة أو ساعتين في إنجاز العديد من المهام التي تحتاج مجهود ذهني، حيث يكون الفرد قد تخلص نسبيًا من تخمة ما بعد تناول وجبة الإفطار، مع إمكانية إمداد الجسم بالطاقة عن طريق المشروبات والعصائر الطبيعية، وتعويض الجسم السوائل التي فقدها الجسم خلال ساعات الصيام.

يحتار الكثيرون بين الالتزام بروتين يومي للمذاكرة وبين تغيير ساعات المذاكرة يوميًا حسب قدرة الفرد على التركيز، وعلى الرغم من صعوبة الأمر في بدايته، إلّا أن إيجاد الساعات المناسبة لكل فرد ثم الالتزام بها في روتين يومي يمثل الحل الأمثل للاستفادة القصوى من ساعات الصيام والابتعاد عن تشتيت الذهن.

نصائح لمذاكرة أكثر إنتاجية في الصيام

نصائح لمذاكرة أكثر إنتاجية في الصيام, الدراسة والصيام

تجنب الأكل في أثناء المذاكرة

على الرغم من الرغبة الشديدة التي تدفع الفرد لتناول الطعام بشراهة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلّا أن الإفراط في تناول الطعام، خاصةً قبل المذاكرة، قد يتسبب في ضعف التركيز، والشعور بالنعاس، ما قد يؤدي إلى تأجيل المذاكرة لحين التعافي من تلك الحالة من التخمة وفقد التركيز، وبذلك تتراكم الدروس، ويختل جدول المذاكرة. 

لا يعني ذلك أن منع تناول الطعام والشراب كليًا في أثناء ساعات المذاكرة ما بعد الإفطار هو الحل، بل إن الاكتفاء بالفواكه والخضراوات والعصائر الطبيعية، يمثل الغذاء الأمثل في تلك الفترة.

الابتعاد عن مصادر التشتيت

بالإضافة إلى مصادر التشتيت التي تعيق تركيز وتشتت انتباه الدارس في الحياة اليومية، مثل الهواتف المحمولة وغيرها من المشتتات، يزخر رمضان بالأعمال الفنية والمسلسلات التي تتسابق في جذب المُشاهد طوال الشهر، بل وتجتمع حول مشاهدتها -في أغلب الأحيان- العائلة بِرُمَّتها، ما يصعب الأمر على الطلبة والدارسين، ويجعلهم يقعون في حيرة بين قضاء وقت ممتع بمشاهدة تلك الأعمال الفنية، خاصةً في التجمعات العائلية، وبين الانسحاب منها بهدف الاستفادة من الوقت في تحصيل العلم والمذاكرة.

اقرأ أيضاً  كشف سر العمى نتيجة الجلوكوما!

في حقيقة الأمر، ليس أي من تلك الخيارات هو الحل الأمثل، بل يكمن السر في القدرة على الموازنة بين الأمرين واختيار الساعات المناسبة لكليهما. يمكن تحقيق ذلك عن طريق تحديد ساعات معينة باليوم لقضاء الوقت مع العائلة في تلك الأجواء الرمضانية. على سبيل المثال، ساعات ما بعد الإفطار مباشرةً، التي يكون فيها الفرد في حالة من التخمة، خاصة بعد تناول وجبة إفطار دسمة، ثم تحديد وقت خاص للدراسة بعد استعادة الدماغ لنشاطه بعد ساعة أو ساعتين من تناول الإفطار. 

اختيار مكان مناسب للمذاكرة

لا يهم ما إذا كنت تفضل المذاكرة في المنزل، أو في إحدى المكتبات، أو حتى في الحدائق العامة، ولكن الأهم هو الحرص على استيفاء ذلك المكان للمعايير المناسبة التي تساعدك على المذاكرة بشكل أفضل. ولعل أبرز المعايير التي تساعد في تحقيق أقصى استفادة من وقت المذاكرة هي:

  • البعد عن المشتتات، وتجنب استخدام الهاتف المحمول في أثناء المذاكرة
  • إضفاء طابع شخصي لمكان المذاكرة، مثل تزيينه بالملصقات التي تحتوي بعض كلمات التحفيز، والصور والمخططات الهامة التي تحتاج إلى تكرار التعرض لها لحفظها بسهولة.
  • الابتعاد عن الأصوات المزعجة.
  • الحفاظ على نظام المكان وتجنب الفوضى التي قد تشتت حواسك.
  • تخصيص هذا المكان للمذاكرة فقط.

ترتيب المهام اليومية دون مبالغة

يقع العديد من الأشخاص في فخ المثالية والبحث عن الكمال عند محاولة وضع خطة زمنية للمذاكرة، خاصةً في رمضان، ما يتركهم بخيبة أمل مع عدم القدرة على الانتظام في تحقيق تلك المهام المبالغ فيها يوميًا.

لذا، فالأفضل عند وضع جدول خاص بالمواد الدراسية، هو تقدير القدرة الفردية للشخص -دون المبالغة أو التقليل- في وضع الأهداف والمهام اليومية، حتى يتسنى للفرد الالتزام بتلك الخطة، وتحقيق الأهداف المرجوة.  

أخذ ما يكفي من الراحة

عندما يأتي ذكر التحصيل الدراسي، تتشكل معه صورة ذهنية مرتبطة بالتفاني في المذاكرة وإهمال النفس وراحتها، في سبيل تذكر أكبر قدر من المعلومات الدراسية في مدة قياسية. في حين تنفي الدراسات العلمية ذلك الاعتقاد، بل تشير إلى أن فترات الراحة التي تتبع تحصيل المعلومات الدراسية، أو تعلم مهارة جديدة، تسمح بحدوث إعادة "افتراضية" لتلك المعلومات أو تلك المهارة في دوائر الذاكرة بالدماغ، ما يعطي الفرصة لتعزيز تذكر تلك المعلومات لفترة أطول فيما بعد.

اقرأ أيضاً  إعادة تدوير قيعان البحار والمحيطات لإنتاج الماس !

هناك مئات الأنظمة التي يمكن للفرد اتباعها لترتيب فترات المذاكرة والراحة، ولعل أشهر تلك الأنظمة هي تقنية "البومودورو" التي طورها الإيطالي "فرانشيسكو سيريليو" في أواخر الثمانينات، وتعتمد على تقسيم الوقت إلى فترات زمنية صغيرة، بحيث يستغرق التحصيل الدراسي أو العمل الذي يتطلب مجهود ذهني حوالي 25 دقيقة، ثم يُتبع باستراحة مدتها 5 دقائق، ثم تُعاد الكرة مرة أخرى حتى الوصول إلى أربع دورات متتالية، بحيث يحتاج الفرد بعدها إلى فترة استراحة أطول قليلًا، تستغرق حوالي 15-20 دقيقة.

الأولوية للأصعب

بالرغم من أن البدء بالمواد أو الدروس الأصعب نسبيًا قد يمثل عبئًا لبعض الأشخاص، حيث يعطيهم تصورًا خاطئًا بأن الأمور تبدو معقدة، إلّا أن البدء بالدروس الأسهل ليس الحل الأمثل مع الصيام. فمع طول ساعات الصيام، وخاصةً مع اقتراب موعد الإفطار، يقل نشاط الفرد وقدرته على التركيز. لذا، فإن إنجاز المهام الأكثر صعوبة في بداية ساعات الصيام يمثل حلًا أفضل، مع ترك المهام السهلة للفترات التي يقل فيها تركيز الفرد على مدار ساعات الصيام.

التقييم اليومي لروتين المذاكرة

باختلاف الأشخاص وطبائعهم، يختلف النمط اليومي المناسب لكل شخص، خاصةً عندما يرتبط الأمر بالتحصيل الدراسي، فلا يوجد روتين يومي مثالي يناسب جميع الأشخاص، بل يعتمد الوصول إلى نمط الحياة المناسب بتجربة كل فرد، وتقييم تلك التجربة بشكل دوري، حتى الوصول إلى النظام الأمثل والأكثر إنتاجية.

أخيرًا، إن تحقيق الموازنة بين المذاكرة والعبادات والحصول على احتياج الجسم من الراحة في رمضان -بالطبع- أمر يحتاج إلى الكثير من المرونة وتنظيم الوقت، ودمج بعض العادات البسيطة في الروتين اليومي للفرد لتحقيق النتائج المرجوّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
0
Share