fbpx
الصحةعلوم الحياة

اللقاحات وصحة بورعي

هل تتذكر؟ في الصف الابتدائي وأنت جالس مع زملائك، لما دخل عليكم أحدهم قائلًا بصوت جهوري: الحقن وصلت!

طفل صومالي أثناء حقنه بلقاح غير نشط من لقاحات شلل الأطفالبالطبع ارتعبت، أعلم ذلك، فأنا لي قصة مع هذا الحقن، أتذكّر أني ظللت أجري في فناء المدرسة حتى تمنّت الممرضة لو أني أصبت بجميع أمراض العالم ورحلت قبل هذا اليوم، ما علاقة الحقن والأمراض؟ تعالى معي لأحكي لك القصة.

بورعي، نعم جاء إلى الدنيا فوجد نفسه بورعي، شخص هادئ وطيّب، عادةً تجده بصحة جيدة، على الأرجح لأنه يملك جهاز مناعي جيد، والمناعة يا صديقي -كما تعلم- هي مقدرة الجسم على التصدّي للأمراض والأوبئة التي يتعرض لها؛ فإذا كنت تملك جهاز مناعة قوي لم تصبك الأمراض إلا قليلًا، والعكس مع الأسف صحيح.

كيف يعمل الجهاز المناعي؟ خطوط دفاع الجسم

لو افترضنا أن هناك عدوى ستصيب بورعي، من الممكن أن تكون هذه العدوى عبارة عن بكتيريا أو فطريات أو حتى الفيروسات بأنواعها الشريرة، وكلها مسببات للأمراض pathogens، أول مرحلة تواجهها هذه العدوى -أيًا ما كانت- هي بشرة بورعي الخشنة، والأغشية المخاطية كالموجودة في أنفك والتي تساهم بشكل أو بآخر بصد هذه العدوى المُسببة للمرض، فإذا استطاعت هذه العدوى النفاذ من البشرة والأغشية؛ تبدأ مرحلتها الثانية داخل جسمه حيث خلايا البلاعم Macrophages، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، والتي من اسمها تشبه (البلّاعات) في الطرق؛ تقوم ببلع وهضم أي جسم غريب يسبب المرض في الجسم كالحطام الخلوي والميكروبات والخلايا السرطانية وغيرها ووالله إن نفعها لعظيم في جسد بورعي صاحبنا!

ولكن عدوى شديدة، لا تستطيع البلاعم هضمها، كذاك الكوفيد-19 الذي اجتاح أجساد الكثيرين وأهلك الأكثر، يصل إلى المرحلة الثالثة حيث الخلايا البيضاء شديدة التخصص والتركيز، ولن أدخلك في تفاصيل عديدة؛ فقد سأدردش معك عن الجزء الذي سيفيدني في معرفة تلك الحقنة اللعينة التي هربت منها في صفي الابتدائي.

هل تتذكر ذاك الصديق الذي كان ذاكرتك؟ نعم كان يذكرك بأسماء من تقابلهم حتى لا يرفع عنك الحرج.. كذلك هناك خلايا في جهاز المناعة! تُسمّي خلايا ذاكرة Memory cells وهي خلايا قادرة على تذكّر مسببات الأمراض (الميكروبات) التي تعرض لها؛ فتجعل خلايا المناعة حين تواجه هذه الميكروبات مرة أخرى على علم كافٍ بمكونات هذا المرض فتستطيع القضاء عليه بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

ماذا لو لم أفلت (أشفى) من الإصابة الأولى؟ “اللقاحات”

ليس من الضروري أن يُصاب الإنسان بالمرض حتى تستطيع خلايا الذاكرة في جهاز مناعته أن تعلم كل شيء عن مسببه (الميكروب) بحيث تستطيع تفادي المرض في المرات المقبلة، إذ يمكن أن تعرّض الجهاز المناعي للمرض عن طريق لقاحات آمنة؛ نستطيع من خلالها أن نقل المعلومات التي يحتاجها الجهاز المناعي بدون أن نصاب بالمرض أصلًأ!

حين كنت في المرحلة الابتدائية؛ وأتى هؤلاء الأطبّاء كي يحقنوني، كانوا يريدون أن يحسّنوا من قدرة جهاز المناعة خاصتي؛ حتى يكون قادرًا من القضاء على أي مرض شائع قد أُصاب به؛ فنجد مثلًا لقاح الحصبة والجدري وغيرهما من اللقاحات التي كنت أهرب منها.

تلقي حديث الولادة -يزن 2.7 جرام- جرعة واحدة من اللقاح، يعادل حقن بالغ -يزن 82 كيلوجرامًا- ثلاثين لقاحًا في يوم واحد.”
دكتور بويد هالي

من الواضح أن الجهاز المناعي لبورعي الصغير أجدع من جهاز مناعتي؛ مع الأسف.

هذه اللقاحات في الحقيقة تختلف باختلاف الميكروب؛ حتى لا تصبح سببًا للمرض بدل أن تكون مضادًا له، وهي على اختلاف أشكالها وأنواعها لها فوائد عظيمة.

تبعًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO): حالت اللقاحات دون وقوع 10 ملايين وفاة على الأقل في الفترة بين عامي 2010 و2015، وأدت إلى حماية ملايين عديدة من البشر من المرض.

فما أنواع اللقاحات؟

  • لقاحات حية مُخففة

وهي تكون عبارة عن مسبب المرض (فيروس أو بكتيريا.. إلخ) لكن في صورة ضعيفة وغير عرضية، وبالتالي يستطيع الجهاز المناعي التعرف عليها واستشعارها وفي نفس الوقت لا يُصاب بها الجسم، وأفضل ما في هذا النوع من اللقاحات أنها يمكنها أن تدوم طوال الحياة، ولكن أسوأ ما في هذا اللقاح هو عدم إمكانية إعطاءه لمن يملكون مناعة ضعيفة مثل العجائز والأطفال وأصحاب بعض الأمراض التي تؤثر على المناعة مثل العلاج الكيميائي على سبيل المثال.

يصنعون بهذا النوع لقاحات لأمراض عديدة مثل: الحصبة، النكاف، والحصبة الألمانية، والجدري، والإنفلونزا، وفيروس الروتا.

  • اللقاحات المُعطّلة غير الحية

في هذه اللقاحات، يتم قتل مسبب المرض (فيروس أو بكتيريا.. إلخ) بطرق معينة توقف تكاثره لكن تبقيه مكتملًا؛ ثم إدخاله للجسم، وعلى الرغم من موت العامل المُسبب للمرض، إلا أن الجهاز المناعي قادر على التعلم منه ومعرفته بشكل جيد، مما يتيح له الفرصة لتخزين ومعرفة كل معلوماته بحيث إذا أُصيب الجسم به وهو حيّ؛ يستطيع مواجهته. أفضل ما في هذا النوع أن ليس فيه أي مخاطرة على من يُحقن به؛ وذلك لأن مسبب المرض مات، وأسوأ ما فيه أن يكون التمثيل لهذا المسبب وهو حي مختلف على ما هو عليه وهو ميت، وبالتالي ربما يخطئ الجهاز المناعي في كشف المرض إذا دخل الجسم.

يُستخدم اللقاح لعلاج: شلل الأطفال IPV، إلتهاب الكبد أ، وداء الكلب.

  • اللقاحات الفرعية/المرافقة 

هذا اللقاح من أفضلهم؛ حيث نسبة تأثيره بشكل سلبي قليلة جدًا، وفيه يتم استخدام بروتينات أو كربوهيدرات الميكروب مسبب المرض (فيروس أو بكتيريا) بعد فصلها عنه؛ بالتالي يتلاشى الجزء المسبب للمرض، مع إمكانية تعلّم الجهاز المناعي لكل شيء يخص المرض من معلومات قد تفيده في المستقبل في مواجهة أخلاءه من نفس النوع أو الفصيل، ولكن أسوأ ما يكون في هذا النوع هو عدم إمكانية فصل الأجزاء التي تشعل فتيل المرض دومًا؛ وهي عملية شاقة جدًا وفي بعض الأحيان مستحيلة.

يُستخدم هذا اللقاح لعلاج عدة أمراض: إلتهاب الكبد ب، الإنفلونزا، ال-HIB، المكورات السحائية، وغيرها الكثير

  • لقاحات سموميّة

في بعض الأحيان لا تموت البكتيريا قبل أن ترسل من ينتقم لها من كيماويات وسموم أو ميكروب لا يشكل ضرر بذاته، إنما سمومه المُفرزة هي ما يؤذينا، والتي استطاع بعض العلماء تعطيلها باستخدام مواد كيميائية كالفورمالين أو الحرارة أو أي وسائل أخرى؛ من ثمّ – مثلما نفعل في اللقاحات المعطّلة – نرسل هذه السموم المُعطلة إلى الجسم بحيث يتعلمها الجهاز المناعي ويكون من السهل القضاء عليها حين إطلاقها في الجسم. 

ومن اللقاحات في أمراض عديدة، ومنها: الكراز والتيتانوس

  • لقاحات الدنا ولقاحات ناقل المؤتلف 

هي لقاحات قائمة على سحب عيّنة بسيطة من الدنا DNA الخاص بمسبب المرض، أو كما يقول دكتور محمد شريف -بروفيسور علم المناعة في جامعة سيناء-: “ناخد قطعة من DNA الميكروب ونضعها في سيارة أو حامل، هذا الحامل يُسمى Vector”.

هذه الحوامل قد تكون خمائر أو فيروسات أو أي خلايا لكائن آخر لها قدرة عالية على التضاعف؛ لتتضاعف معها قطعة DNA الميكروب التي تحملها، ومن ثم يتم فصلها وعرضها على الجهاز المناعي بحيث ينتج المضادات المناسبة للقضاء على المرض سريعًا، أما لقاحات ناقل المؤتلف فتقريبًا تتم نفس العملية بخلاف أننا في هذا اللقاح نستخدم مسبب مخفف وضعيف كما هو الحال في أول لقاح عرضناه بالأعلى.

أعتقد أنك الآن على دراية كبيرة بما يخص ذاك الجهاز الشجاع الذي تحمله في جسدك، بل والأهم أنك تعلم الآن كم كانت مهمة تلك الحقن التي لطالما هربنا منها في الصغر، نتعاهد أن نجعل جهازنا المناعي كالخاص بالأخ بورعي يا صديقي العزيز؟ اتفقنا؟

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد عبيد

طالب حاسبات ومعلومات جامعة قناة السويس، وواحد من أفضل تسع مبسطي علوم في مسابقة FameLab لعام 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *