fbpx
مكملات فيتامين د, عقاقير طبية, مكملات غذائية, حبوب فيتامين د, أدوية فيتامين د, صحة, طب

مكملات فيتامين د: ضرورة طبية أم خرافة لصالح شركات الأدوية؟

جدل مستمر حول مكملات فيتامين د، وإلصاق أي أعراض مرضية بسيطة لنقصانه في الجسم، فهل يستحق هذا الهلع، وهل هو ضروري بالفعل، أم مجرد دعاية لشركات الأدوية؟

لدي شعور عام بالكسل: إنه نقص فيتامين د.
أصاب بالدوار والصداع: إنه نقص فيتامين د.
عظامي تؤلمني بشدة: إنها نقص فيتامين د.
ظهرت بثرة في حاجبي الأيمن: إنه نقص فيتامين د!

فجأة، وبدون سابق إنذار، اندلعت هوجة «Vitamin D- فيتامين د» في كل مكان، في معامل التحاليل وعيادات الأطباء، والمستشفيات، بل وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وبصفة خاصة مجموعات فيسبوك.

فإذا كنت قد سمعت بكم المشكلات الصحية التي يُروج بإستمرار بأنها ناجمة عن نقص فيتامين (د)، مثل أمراض هشاشة العظام والقلب والسرطان، فإن سعيك لاختبار مستويات فيتامين د في جسمك قد يبدو تصرفًا حكيمًا.

وبالبحث والتنقيب حول أصل المسألة، سنجد أنه ليس بالمستغرب أن نصف حماسة دكتور «مايكل هوليك» أخصائي الغدد الصماء بجامعة بوسطن الأمريكية، لفيتامين د بالمتطرفة والمُبالغ فيها جدًا، بعد أن نعرف أنه جنى مليار دولار من مبيعات وفحوصات فيتامين د.

مما جعله يتجرأ ويؤكد أن الأمر يعود إلى عصر الديناصورات، وأن المشكلة الحقيقية والتي أدت لإنقراض الديناصورات في هذا الكوكب قبل 65 مليون عام لم تكن نقصًا في الغذاء، بل ترجع لأن طبيعة العظام الضعيفة لديهم، والتي نتجت لقلة التعرض لضوء الشمس.

فكتب مُتسائلًا: «هل ماتت الديناصورات من الكساح ولين العظام؟» ليقول إنه عندما يركب الدراجة في الهواء الطلق، لا يضع واقي الشمس على أطرافه؛ حتى يحظى بقدر من أشعة الشمس، وبالتالي فيتامين د.

ولقد كتب «د. هوليك » صاحب الـ 72 عام، قصاصات عديدة عن فيتامين د، وحذر في مقالات علمية متعددة حول ما أسماه «vitamin D deficiency pandemic - وباء نقص فيتامين د» الذي قال عنه إنه يفسر وصول معدلات الصحة دون المستوى الأمثل لها في جميع أنحاء العالم.

د. مايكل هوليك/فيتامين د, أدوية, عقاقير طبية, صحة
«د. مايكل هوليك» الرجل الذي يقف وراء جنون فيتامين د؛ ليجني الأموال من وراء ذلك/ michael f. holick/wikimedia commons / CC BY-SA 3.0

التلاعب بالمعايير

لقد ساعد «د. هوليك» بنشره جنون فيتامين د، ومن ثم احتضان رسالته من قبل الأطباء، في دفع مبيعات المكملات الغذائية إلى 936 مليون دولار في عام 2017. وهذا يمثل زيادة بمقدار تسعة أضعاف مقارنة بالعقد السابق.

كما ارتفعت أيضًا نسب الأقبال على إجراء الفحوصات والاختبارات المعملية لنقص فيتامين د، فقد طلب الأطباء إجراء الفحص من أكثر من 10 ملايين مريض خلال عام 2016، بزيادة تقدر بـ 547% منذ عام 2007، وبتكلفة بلغت 365 مليون دولار.

وكشف تحقيق أجرته صحيفة «النيويورك تايمز - The New York Times» الأمريكية أن «د. هوليك» قد استخدم موقعه البارز في المجتمع الطبي لتعزيز الممارسات التي تفيد أكبر الشركات وصانعي الأدوية والمختبرات التجارية في البلاد ماليًا، وبالتالي أرسلت الكثير من المال له ومنحته مئات الآلاف من الدولارات.

في مقابلة أجريت معه، اعترف الدكتور «هوليك» بأنه عمل مستشارًا لشركة Quest Diagnostics، التي تجري فحوصات فيتامين د منذ عام 1979. وقال  إن تمويل الصناعة له لا يؤثر على تصريحاته من حيث الحديث عن الصحة وعلاقتها بفوائد فيتامين د.

ليس هناك شك في أن الفيتامين الذي تفرزه الغدد مهم، وبدون ما يكفي منه، يمكن أن تصبح العظام رقيقة وهشة ومشوهة، مما يسبب حالة تسمى الكُساح عند الأطفال وتلين العظام عند البالغين. ولكن القضية هنا هي مدى صحة فيتامين د، وما المستوى الذي يشكل نقصًا.

لقد لعب  «د. هوليك» دورًا حاسمًا في صياغة هذا النقاش في عام 2011. وفي أواخر العام الماضي، أصدرت الأكاديمية الوطنية للطب (المعروفة آنذاك باسم معهد الطب)، وهي مجموعة من الخبراء العلميين المستقلين، تقريرًا شاملاً يتكون من 1132 صفحة حول نقص فيتامين د.

وخلص التقرير إلى أن الغالبية العظمى من الأمريكيين يحصلون على الكثير من الفيتامين بشكل طبيعي، وينصح الأطباء باختبار المرضى المعرضين لمخاطر عالية من اضطرابات معينة، مثل: هشاشة العظام.

بعد بضعة أشهر، في يونيو/حزيران 2011، أشرف «د. هوليك» على نشر تقرير كان له وجهة نظر مختلفة تمامًا. كانت الورقة البحثية المنشورة في دورية «Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism»، والتي تمت مراجعتها من قبل جمعية الغدد الصماء، وهي الجمعية المهنية الرائدة في هذا الميدان، والتي تُستخدم إرشاداتها ومبادئها التوجيهية على نطاق واسع من قبل المستشفيات والأطباء والمختبرات المعملية التجارية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك  شركة كويست، والذي عمل «د. هوليك» مستشارًا لها.

تبنى المجتمع الطبي موقف «د. هوليك» القاضي بأن نقص فيتامين د شائع جدًا في جميع الفئات العمرية، ودعا إلى ضرورة التوسع الكبير في إجراء فحص فيتامين د، والذي استهدف أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة، بمن فيهم من هم من أصحاب البشرة الداكنة أو ذوي الأصول الأسبانية أو مصابي السمنة، كفئات تميل مستويات فيتامين د إلى الانخفاض بها من غيرها.

تُرجمت تلك التوصيات كمكاسب مالية لصناعة فيتامين د. ويُعتبر اختبار فيتامين د الآن هو الاختبار المعملي الخامس الأكثر شيوعًا الذي يغطيه برنامج الرعاية الطبية. كما أفادت المبادئ التوجيهية صناعة فيتامين د بطريقة أخرى مهمة.

وخلافًا للأكاديمية الوطنية، والتي خلصت إلى أن المرضى الذين لديهم ما يكفي من فيتامين د يجب أن يكون معدلاتهم عند أو فوق 20 نانوجرام في المليلتر في مستويات الدم، بينما قالت جمعية الغدد الصماء إن مستويات فيتامين د يجب أن تكون أعلى من ذلك بكثير، ولا تقل عن 30 نانوجرام في المليلتر.

وقد اعتمد العديد من المختبرات التجارية، بما في ذلك Quest و LabCorp المعدلات الأعلى. ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى أعلى يتمتعون بصحة أفضل من الأشخاص ذوي المستوى الأدنى.

كما يقول الدكتور «كليفورد روزين» وهو عالم بارز في معهد «مين» للبحوث الطبية، ومؤلف مشارك في تقرير الأكاديمية الوطنية:

إن استخدام المقياس الأعلى لجمعية الغدد الصماء، يؤدي إلى ظهور وباء جنون فيتامين د؛ لأنه يصف 80% من الأمريكيين على أنهم يعانون من نقص فيه. إننا نرى الناس يخضعون للاختبار طوال الوقت، ويُعالجون بناء على الكثير من التوصيات التي تقضي بأنه يمكنك أن تأخذ مكملًا غذائيًا لتكون أكثر صحة.

فيما يقول الدكتور «أليكس كريست» نائب رئيس فريق عمل خدمات الوقاية الوقائي بالولايات المتحدة، وهي لجنة خبراء تُصدر المشورة الصحية:

إن المرضى الذين لديهم مستويات منخفضة من فيتامين د غالبًا ما يصف الأطباء لهم محاليل مُعلقة، ويُطلب منهم التحقق مرة أخرى في غضون بضعة أشهر، ويكرر العديد من الأطباء الاختبار مرة في السنة. وبالنسبة للمعامل، فمن مصلحتهم المالية تشخيص المرضى الذين يعانون من انخفاض مستويات فيتامين د.

في كتاب صدر عام 2010 بعنوان «The Vitamin D Solution» حول فيتامين د،  قدم «د. هوليك» نصائح للقراء لتشجيعهم على فحص دمهم. وبالنسبة للقراء الذين يشعرون بالقلق من تكاليف محتملة من جيبهم لاختبارات فيتامين د -والتي تتراوح من 40 إلى 225 دولارًا- فإنه يُدرج ترميز دقيق للسداد، حيث يجب على الأطباء استخدامه عند طلب التغطية التأمينية، والحصول على تعويضات، وفي حال عدم استخدام الترميز - وسوف ينتهي بك الأمر هكذا غالبًا - ستضطر لدفع ثمن الاختبار.

اعترف «د. هوليك» بعلاقته المالية مع شركة كويست وعدد من الشركات الأخرى في بيان الكشف المالي المنشور مع إرشادات جمعية الغدد الصماء.

وفي مقابلة معه، قال إنه عمل مع «كويست» لأربعة عقود، وتدفع حاليًا له 1000 دولار في الشهر، وهذا لم يؤثر على استشارته الطبية، مبررًا ذلك بحجة أنه لا يحصل على أي أموال إضافية سواء قاموا ببيع اختبار واحد أو مليار واحد.

وعن ذلك، قالت «ويندي بوست» المتحدثة باسم شركة كويست:

إننا نسعى للحصول على مشورة عدد كبير من الخبراء الاستشاريين، فنحن نؤمن بأن العمل مع كبار الخبراء في هذا المجال، سواء كان فيما يتعلق بفيتامين د أو أي مستحضرات أخرى، سيترجم إلى جودة أفضل ومعلومات أفضل، سواء بالنسبة للمرضى أو الأطباء.

منذ عام 2011، تم الترويج والدفاع عن أفكار «د. هوليك» من قبل المجتمع الصحي الصناعي.حتى أن موقع «Goop» بات يستشهد بكتاباته، وأخبر موقع الإعلامية أوبرا وينفري القراء أن معرفة مستويات فيتامين د قد تنقذ حياتك.

وقال الدكتور «محمد أوز» لجمهوره عن فيتامين د:

هو الشيء الأول الذي تحتاج منه الكثير. إنه يمكنه أن يساعدك على تجنب أمراض القلب والاكتئاب واكتساب الوزن وفقدان الذاكرة والسرطان.

كما حث كبار الأطباء الأمريكيين على الحصول على المزيد من فيتامين د، بما في ذلك الدكتور « والتر ويليت» وهو أستاذ يحظى باحترام واسع في كلية الطب بجامعة هارفارد.

واليوم، بعد مرور سبع سنوات على النتائج الأكاديمية المليئة بالثغرات، يكافح قادة تقرير الأكاديمية الوطنية كي يُسمع صوتهم فوق الصخب بحثًا عن المزيد من أقراص فيتامين د أو ما قد نطلق عليه أقراص الشمس. قالت «كاترين روس» أستاذة علوم التغذية في جامعة بنسلفانيا، ورئيسة اللجنة التي كتبت التقرير، في مقابلة:

لا يوجد وباء نقص فيتامين د. لا توجد مشكلة واسعة الانتشار.

في كتابه «حل فيتامين د» يصف «د. هوليك» ترقيته لفيتامين د باعتباره حملة صليبية وحيدة، ويدافع عن حملته الترويجية قائلًا:

يمكن لشركات الأدوية أن تبيع الخوف، لكنهم لا يستطيعون بيع أشعة الشمس، لذلك ليس هناك ترويج للفوائد الصحية للشمس.

ومع ذلك، يمتلك «د. هوليك» علاقات وروابط مالية واسعة مع شركات صناعة الأدوية. وقد تلقى ثمنًا للاستشارات وغيرها من الخدمات، وهو ما يقارب 163،000 دولار خلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2017 من شركات الأدوية، وفقًا لقاعدة بيانات Open Payments الخاصة بـ Medicare، والتي تتعقب المدفوعات من الشركات المصنعة للأدوية والأجهزة.

وشملت الشركات التي دفعت له، Sanofi-Aventis، التي تسوّق مكملات vitamin D supplements، والتي تصنع الأدوية للاضطرابات الهرمونية التي تعطى مع فيتامين د؛ Amgen، كعلاج لهشاشة العظام. وشركتي Roche Diagnostics و Quidel Corporation، واللذان يصنعان اختبارات فيتامين د.

كما تتضمن قاعدة البيانات المبالغ المدفوعة له منذ عام 2013، ولكن سجل «د. هوليك» مع العلاقات المالية مع شركات الأدوية بدأ قبل ذلك. ففي كتابه لعام 2010، يصف زيارته لجنوب أفريقيا بإنها كانت لإجراء مُناقشات مع شركة أدوية، والتي كان رئيسها ورئيسها التنفيذي في الجمهور.

والآن، هل مازلت تثق بإن حالة الهلع حول فيتامين د واجبة فعلًا؟ حتى تسمية فيتامين د بالفيتامين ليست دقيقة، إذ أن هناك علماء يقولون إنه علميًا هرمون وليس فيتامين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
24
Share