المناخ الغاضب يهدد بفيضانات جارفة

لا تحتاج أن تكون متابعًا جيدًا للأخبار الدولية لتعلم حجم الفيضانات التي باتت تهدد العالم  فلعلك صادفت بالفعل صور ومقاطع فيديو تضج بالاستغاثات من جراء كوارث الفيضانات التي اجتاحت عشرات البلدان خلال العام الجاري 2022، ما بين أستراليا، الهند، السودان، الإمارات، اليمن، إيران، أمريكا ومؤخرا باكستان.

يشهد العالم وابلًا غير مسبوق من الفيضانات المدمرة التي حصدت حياة المئات، وشردت آلاف الأسر. فهل هي رسالة تحذير من المناخ الغاضب بضرورة التدخل السريع للحد من مشكلة التغير المناخي؟

كيف يحدث الفيضان؟ 

يُعرّف الفيضان بتراكم المياه على الأراضي التي عادةً ما تكون جافة، مسببًا غمرها بالمياه لفترات طويلة قد تصل إلى شهور. وقد يكون ذلك التراكم وليد لعدة أسباب منها، الأحوال الجوية المتطرفة؛ مثل هطول الأمطار الغزيرة بشكل مستمر ولفترة طويلة، أو ذوبان الكتل الجليدية بشكل مفاجئ وسريع، أو بسبب العواصف والأعاصير الشديدة.

وهناك فيضانات تحدث تحت تصرف البشر بشكل مباشر؛ والناتجة عن كيفية إدارة المجاري المائية بالسدود والخزانات. 

أنواع الفيضانات

لماذا نشهد حاليًا الكثير من الفيضانات؟

يظل العامل الأكثر إسهامًا والأكثر تسارعًا في عالمنا هو التغير المناخي، فوفقًا لتقرير نشرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تحت عنوان: "التغيرات في الظواهر المناخية المتطرفة وتأثيراتها على البيئة الفيزيائية الطبيعية"، فإن التغيرات المناخية المتسارعة تؤثر بشكل كبير في العديد من المتغيرات المتعلقة بدورة المياه على كوكبنا، ولكن كيف يحدث ذلك؟

تزداد كمية بخار الماء في الغلاف الجوي بنحو 7% مع كل درجة واحدة مئوية ارتفاع في درجة الحرارة. فمع إطلاق المزيد من غازات الدفيئة حول العالم، مثل غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان، ومع استمرار البشر في حرق الوقود الأحفوري، ترتفع درجة حرارة الهواء فتزاد قدرته على الاحتفاظ بالمياه، لتتكدس في طبقات الجو في صورة بخار ماء، ثم يهطل على شكل أمطار غزيرة. 

كذلك تؤدي التغيرات المناخية غير المسبوقة إلى ارتفاع درجة حرارة المحيطات وذوبان الأنهار الجليدية، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، فمحيطاتنا في الوقت الحالي أعلى بحوالي سبع إلى ثماني بوصات مما كانت عليه في عام 1900. ويؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى اشتداد حدة الفيضانات، خاصةً الساحلية.

ويرجح العلماء أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات يساعد في زيادة وتيرة العواصف والأعاصير وشدتها، فالمياه الأكثر دفئًا توفر المزيد من الطاقة التي تغذي العواصف، والتي من شأنها دفع المياه من المحيطات إلى اليابسة بقوة بالغة مسببة فيضانات مدمرة. ومن المتوقع أن تزداد تلك الوتيرة خلال هذا القرن، وأن نشهد المزيد من الأعاصير من الفئة الرابعة والخامسة؛ الأكثر تدميرًا، خلال السنين القادمة في حالة عدم التدخل بحلول عملية وسريعة للسيطرة على قضية التغير المناخي.

أضف إلى هذا، التغيرات الحضرية التي تسهم في تفاقم مشكلة الفيضانات. على سبيل المثال، بناء الأرصفة والأسطح الأخرى غير المنفذة للماء يغير من أنظمة الصرف الطبيعية، ومع تجاوز قدرة شبكات الصرف المتاحة في التعامل مع كميات المياه المتزايدة تتفاقم المشكلة.كما أن التوسع في إنشاء المدن الحضرية قد يتضمن بناء المزيد من المنازل في السهول الفيضية المعرّضة للفيضانات.

اقرأ أيضاً:  كل ما تود معرفته عن "الصوف الصخري"

إستراتيجيات المواجهة 

في حين قد يكون للفيضانات بعض الفوائد مثل إعادة ملء خزانات المياه الجوفية، وتشكيل السهول الفيضية التي يمكن استخدامها كأراضِ زراعية خصبة، إلّا أن اشتداد حدة الفيضانات مؤخرا، مع ضعف البنية التحتية للعديد من المدن المعرّضة للفيضانات يجعل الأمر كابوسًا بيئيًا. ولعل أبرز العواقب التي تتسبب فيها الفيضانات هي الخسائر البشرية المفجعة والخسائر المادية المتمثلة في تدمير الطرق والمباني والمنشآت الحيوية، ما يتسبب في خسائر اقتصادية بالغة.

كما تجلب الفيضانات في طياتها العديد من الملوثات ومسببات الأمراض، حيث قد تحمل المياه مواد كيميائية متسربة ومياه الصرف الصحي ونفايات المنشآت الغارقة. ولا يقتصر خطر تلك الملوثات على وقت الفيضان فحسب، بل قد تبقى البكتيريا والملوثات التي حملتها مياه الفيضان بعند انحسار المياه أيضًا، ما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض وخاصةً أمراض الجهاز التنفسي.

ومن هذا المنطلق، تتوجه الأنظار إلى ضرورة تبني إستراتيجيات عملية للحد من مخاطر الفيضانات قبل أن يزداد الأمر سوءًا. 

ماذا تفعل في حالة حدةث فيضان؟

إستراتيجيات هيكلية 

تنقسم استراتيجيات مكافحة الفيضانات إلى محورين رئيسيين، إستراتيجيات هيكلية تتضمن دعم المناطق المهددة بالفيضانات ببناء السدود والحواجز التي تعمل على تخفيف حدة الفيضان وخفض قوة اندفاع المياه، وتشييد أحواض وسدود ثانوية ممهدة لاستيعاب كميات المياه الزائدة بجانب الأودية والأراضي المنخفضة نسبيًا، بالإضافة إلى تحويل مجاري الأودية التي تستقبل مياه الفيضانات إلى خارج المناطق السكنية، بهدف تحويل مسار مياه الفيضان إلى مناطق أقل خطرًا، بل والاستفادة منها في توصيل المياه للمناطق الصحراوية وإعادة ملء خزانات المياه الجوفية بها. وكذلك دعم البنية التحتية للمدن بتشييد أنظمة صرف ذات طاقة استيعاب أكبر للحد من كوارث تراكم المياه.

إستراتيجيات غير هيكلية

وتضمن وضع خريطة خاصة بتحديد المناطق المهددة بخطر الفيضانات، وتطوير أنظمة وبرامج إنذار مبكر للسكان المحليين، مع تقديم أماكن آمنة للانتقال لها من أجل الحد من الخسائر البشرية. بالإضافة إلى وضع سياسات صارمة بشأن بناء المنازل في المناطق السهلية المنخفضة والمهددة بالفيضانات. وزراعة الأشجار بالمرتفعات المجاورة للمناطق السكنية، حتى تعمل كمصدات طبيعية للكوارث الطبيعية.

الفيضانات تهدد عالمنا من الشرق إلى الغرب، وتحصد أرواح آلاف البشر حول العالم، وفي حين أن تبني تلك الإستراتيجيات أمر ضروري للغاية لحماية الأرواح، إلا أن استهداف المشكلة الرئيسية، وهي تغير المناخ، يبقى الحل الجذري للحد من الكوارث البيئية، ففاتورة المناخ الغاضب ترتفع يومًا بعد يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
499
Share