fbpx
أمراضالطب النفسيغير مصنف

مزيدًا من الاكتئاب فمزيدًا من السمنة

في أبريل الماضي بألمانيا، اضطرت فتاة تُدعى آنا إلى اللجوء لعملية تحويل مسار المعدة بعد أن وصل وزنها إلى 183 كجم ومؤشر كتلة 63، وهذا مؤشر قوي للسمنة المُفرطة؛ بالفعل نجحت في فقدان بعض الوزن ولكن ليس بالقدر المُتوقع بعد عملية معروفة كتلك!

في واقع الأمر آنا تعاني من اكنئاب شديد ولفترات طويلة، وهو ما يُعتبر من أسباب زيادة وزنها وسوء حالتها الصحية؛ فهي لجأت بالفعل للعلاج النفسي، وتعاطت الكثير من مضادات الاكتئاب، حتى العلاج  بالصدمات الكهربائية كانت قد تعرضت له، لكن كل هذا لم يجدي نفعًا سوى لفترات قصيرة، حتي بعد عملية المعدة لم تتخلص من الاكتئاب.

حُسم الامر من قِبل الأطباء النفسيين بضرورة زراعة جهاز كهربائي صغير بمخها، يُعرف باسم التحفيز العميق للمخ، وهي طريقة بالفعل تُستخدم في التخفيف من الصرع والشلل الرعاش؛ والنتيجة أن هذا لم يخلصها من الاكتئاب فحسب، بل ساعدها أكثر في فقدان وزنها حتى أنها فقدت 50% من وزنها.

يقول الدكتور توماس مونت ـ أخصائي الأعصاب بجامعة لوبيك في ألمانيا- ، والذي عالج آنا، إنه رغمًا من أن الهدف الأساسي  كان علاج الاكتئاب، فإن فقدان الوزن كان “الهدف الثانوي”… في حالتها يبدو أن الاثنين مرتبطان.

تاريخ العلاج بالتحفيز العميق للمخ

قد يخطر لذهنك عزيزي القارئ أن هذه الطريقة العلاجية علاجًا جديدًا، لكن الأمر يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كان جراح الأعصاب ويلدر بنفيلد أول من طور تقنية جديدة لعلاج الصرع بتحفيز أجزاء مختلفة من الدماغ كهربيًا، مع إبقاء المرضى مستيقظين لملاحظة وفهم التأثير. كانت الفكرة مبنية على تحديد وتدمير المنطقة التالفة بالمخ والتي تُسبب المشكلة.

يقول مونت “في الواقع، لقد كانت تلك العملية التي يجريها العلماء أشبه بطهي أجزاء من الدماغ مخلفةً ندبات صغيرة.”

كانت تلك العملية تُستخدم أيضًا في علاج الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في الحركة كالتوتر العضلي، وكانت تلك الفترة _رغم عدم عاطفيتها_ يُطلق عليها فترة التجارب البشرية التي لا مثيل لها.

في الوقت نفسه، كان طبيب أعصاب يُدعى أنطونيو إيجاس مونيز مُكرسا أبحاثه على إزالة أجزاء صغيرة من أدمغة مرضاه في محاولة منه لتخليصهم من الاضطرابات النفسية، بما في ذلك الاكتئاب. حيث أزال أجزاء من الفص الأمامي للمريض – المنطقة الحيوية المسئولة عن الشخصية والتخطيط -، اُعتبر العلاج ناجحًا في العديد من الحالات – مع أخذ الآثار الجانبية وتغييرات الشخصية في الاعتبار-.

من المثير للدهشة أن هذا العمل قد منحه جائزة نوبل عام 1949، واستطاع الأمر خدمة غرضًا مفيدًا للتعمق في دراسة مناطق الدماغ؛ مما ساعد أطباء الأعصاب في معرفة مناطق الدماغ المستفيدة أكثر من التحفيز الكهربي، ومع الانتشار الشائع للأدوية المضادة للاكتئاب وللاضطرابات العصبية، قلَ استخدام هذه التقنيات العنيفة، إلا أنها كانت حجر الأساس للشكل المعروف والمتداول اليوم لعمليات تحفيز الدماغ.

كيف تم عمل هذه التقنية؟

يقوم العلماء بعمل ثقب في جمجمة المريض، ووضع الأقطاب الكهربائية على قشرة المخ نفسها، مع بقاء المريض مستيقظًا، للتمكن من اختبار المنطقة المحددة عند التحفيز.

في حالة آنا، كانت المنطقة المستهدفة للتحفيز تُسمي nucleus accumbens والتي تُعد جزءًا من مركز المكافآت بالمخ؛ أي منطقة هامة في عملية السعادة والاستمتاع. تم ربطها بالاكتئاب نظرًا لما يُبديه مرضى الاكتئاب من قلة اهتمام بالاستمتاع.

العلاقة بين مركز المكافآت الخاص بنا والسمنة

يقول مونت: “إن السمنة لدى بعض الأفراد، يمكن أن تكون بسبب تغيرات في مركز المكافآت بالمخ brain’s reward canter”.

بعض الأشخاص الذين يُعانون السمنة المفرطة عند تعريضهم لصور مختلفة من الأطعمة اللذيذة، يُظهرون أنماطًا واستجابات بالمخ أكثر من الأشخاص الأنحف. يرجع تفسير هذا الأمر إلي النواة المتكئة nucleus accumbens والتي تجذب المدمنين لموضع رغبتهم سواء كان طعامًا أو كحوليات أو مخدرات. غير أنها عادةً ما تبدو عقلانية أكثر منا أمام الطعام، حيث تحد من رغبتنا الجامحة والمتسارعة لتناول المزيد من الطعام، لكن مركز المكافآت يمكنه في بعض الأحيان تجاوز أفكارنا الحكيمة.

في خمسينات القرن الماضي، أُجريت دراسة على مجموعة من فئران التجارب لمعرفة قوة مركز المكآفات بأدمغتنا، عن طريق تحفيز هذه المنطقة. يقول مونت ” إذا كانت منطقة الدماغ مضطربة أو حتى تم إيقافها عن طريق التحفيز الكهربائي، ستفقد الرغبة، ولن تنجذب لما كان يجذبك”.

إن منع جزء من المخ من أداء وظيفته بتحفيز الدماغ لا يزال نظرية، لكن هذه النظرية تُعززها أبحاث العلماء على الحيوانات. على سبيل المثال، أُجريت دراسة على الفئران من خلال تحفيز أدمغتهم، نتج عنها زيادة في المادة الكيميائية المثبطة للدماغ  GABA، والتي يتم إطلاقها عند الاحتياج للسيطرة على بعض الأمور. أظهرت دراسة أخرى أن الأفراد الذين لديهم قدرة أفضل في السيطرة على الأفكار غير المرغوب فيها، لديهم المزيد من هذه المادة الكيميائية.

هل ستكون هذه التقنية هي مستقبل علاج السمنة؟

رغم مدى فاعلية هذه التقنية، إلا أنه ينبغي اعتبارها الملاذ الأخير في العلاج، نظرًا لثمنها المُكلف، بالإضافة لكونها الأنسب فقط لمرضى السمنة المفرطة حد إدمان الطعام. وهذا ما أكدته سونيا يوكوم، عالمة الأعصاب التي تدرس السمنة في معهد أوريغون للأبحاث. حيث أشارت إلى أن الطعام يمكن أن يؤدي إلى عملية شبيهة بالإدمان في الدماغ، والتي تتشابه بشكل واضح مع الأعراض العصبية لاضطرابات الإدمان الأخرى الأكثر شيوعًا، مثل إدمان الكحول والمخدرات.

على سبيل المثال، كشفت يوكوم أن المراهقين الذين لديهم مناطق دماغية أكثر اهتمامًا بالطعام هم الأكثر عرضة لاكتساب وزن غير صحي، وأوضحت أن أحد التفسيرات المحتملة هو أن بعض الأفراد لديهم استجابة مرتفعة لمركز المكافأة (والتي يمكن أن تكون قائمة على أساس بيولوجي)، مما قد يجعلهم أكثر رغبة في تناول الطعام، مما يؤدي إلى زيادة السعرات الحرارية وزيادة الوزن، ويقدم هذا تفسيرًا عن سبب ندرة برامج الحميات الغذائية التقليدية في إحداث تأثيرات دائمة.

نتائج واعدة

حتي الآن تم علاج ثلاثة أشخاص يعانون من السمنة باستخدام تحفيز الدماغ العميق، كقرار أخير عندما لم تُبد أية طرق أخرى فاعليتها مثل آنا حيث تم علاج السمنة كاضطراب قهري. إحدى الحالات تم علاجها من السمنة بسبب ورم دماغي منذ الطفولة أثر على مركز الجوع بالمخ، فكانت أفكار المريضة مُركزة كليًا على الطعام، فلم تكن جراحات السمنة حلًا مناسبًا مع تلك الحالة كما أوضح زيلينكسي، يقول أيضًا أنه بعد نجاح عملية التحفيز الدماغي “إنها الآن تستطيع العيش بشكل مستقل، ويمكنها أن تدرس وتفكر في أي شيء آخر غير الطعام”، كما يقول. “توقفت عن سرقة الطعام من ثلاجة والديها المقفلة”.

وقد امتدت هذه العملية التحفيزية لعلاج مرض الشلل الرعاش (وأثبتت فاعليتها في كثير من المرضى، حيث تم علاج ما يزيد عن40 ألف حالة منذ عام 2002 إلى الآن)، وشملت أيضًا علاج متلازمة Tourette’s واضطراب الوسواس القهري.

مساهمة جديدة لمساعدة مرضى السمنة

كانت آنا هنا تجربة مثالية لتحفيز الدماغ، بسبب اكتئابها وميلها الشبيه بالإدمان نحو الغذاء، إنها تمثل مجموعة فرعية من الأفراد الذين يعانون من السمنة المفرطة والذين يندرجون ضمن فئة اضطراب الإدمان تجاه الطعام. إنهم عادةً ما يجدون صعوبة بالغة في منع أنفسهم من تناول الطعام، بطريقة مماثلة قد يُصعُب على مدمن الكحول السير من أمام حانة دون الذهاب إلى الداخل.

لهذا السبب قامت يوكوم وفريقها بمهام تدريب تهدف إلى مساعدة الأفراد الذين يعانون السمنة المفرطة في إعادة ضبط الطريقة التي تستجيب بها عقولهم للطعام، عن طريق عرض الصور الرقمية للأطعمة على المريض ويُطلب منهم النقر فوق “أعجبني” مع الطعام الصحي، العكس مع الغير صحي.

تقول يوكوم: “نحاول تدريب العقل بهذه الطريقة علي التفرقة بين ما هو صحي وغير صحي”.

ناهيك عن أنه أرخص، فإنه أقل خطرًا، قد تكون مثل هذه التقنيات حيوية في معالجة هذه المشكلة العالمية، مع 650 مليون من البالغين و 340 مليون من الأطفال والمراهقين يعانون من السمنة المفرطة.

ملحوظة: تساهم السمنة في ما يُقدر بنحو 2.8 مليون حالة وفاة سنويًا من جميع أنحاء العالم.

مؤكد أنه لا يوجد منهج واحد يناسب الجميع، فحالة آنا المعقدة تجعلنا نُجزم أنه يوجد أكثر من مشكلة واحدة تسهم في الإفراط في تناول الطعام لدى الأفراد الذين يعانون من السمنة المفرطة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *