حلم البنكرياس الصناعي يقترب

حلم البنكرياس الصناعي يقترب

بعد شهور قليلة من عيد ميلادها الرابع، تم اكتشاف إصابة الطفلة الأمريكية "كيو" بمرض السكري من النوع الأول، ليقلب هذا الحدث اهتمامات الأم "لِيّان كالنتين"، لتصبح صاحبة أشهر مدونة تهتم بمرض السكري عند الأطفال.

كالنتين، وأقرانها من آباء وأمهات المرضى الصغار، بشّرتهم وسائل الإعلام قبل نحو 9 سنوات، بموافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على جهاز (MiniMed 530G)، الذي تم التسويق له، على أنه أول "بنكرياس صناعي"، الأمر الذي تسبب في فرحة عارمة بين مرضى السكري.

غير أن هذه الفرحة لم تلبث أن انطفأت جذوتها بعد أن أدرك هؤلاء المرضى، أن ما تم الترويج له على أنه "بنكرياس صناعي" لا يعدو أن يكون تطويرًا لمنتج مضخة الإنسولين، ويحتاج مرضى السكري من النوع الأول، والبعض من النوع الثاني، حقن الإنسولين، ويستخدم بعضهم مضخات الإنسولين.

مضخة الإنسولين 

عبارة عن جهاز لا يتجاوز حجمه حجم الجوال الصغير، وتتم برمجته ببيانات المريض، ليقوم الجهاز تلقائيًا بضخ كميات محددة من الإنسولين -الموجود في مخزن مخصص- إلى الجسم، وذلك من خلال أنبوب ممتد من الخزان ومنتهي بإبرة بلاستيكية رقيقة تغرس تحت الجلد؛ مما يسمح للجلد بامتصاص الإنسولين بشكل تدريجي.

وكانت كالنتين تعتقد أن ابنتها "كيو" ستتخلص من تلك المضخة بعد الاختراع الجديد، ولكن أصابتها حالة إحباط عبرت عنها في مدونتها الشهيرة "أمهات مرضى السكري"،عندما قالت: "جهاز (MiniMed 530G)، يقوم بشيء واحد لا تفعله المنتجات الأخرى الموجودة في السوق، لكنه منتج لا يغير قواعد اللعبة".

ويعمل الجهاز الذي تم تسويقه على أنه "الجيل الأول للبنكرياس الصناعي"، على عكس الانخفاض الخطير في مستوى الجلوكوز في الدم أو تقليل شدته، عن طريق تعليق توصيل الإنسولين مؤقتًا عندما ينخفض ​​مستوى الجلوكوز إلى عتبة الجلوكوز المنخفض أو يقترب منها، أي أنه يعمل كنسخة احتياطية محتملة عندما يكون المريض غير قادر على الاستجابة لحدث انخفاض نسبة السكر في الدم.

مضخة الإنسولين

وفي حين أن هذا التطور يمكن وصفة بأنه خطوة على الطريق نحو البنكرياس الصناعي "المثالي"، إلا أنه "لا يستحق إقامة حفلة"، كما أكدت كالنتين في مدونتها، حيث سيظل المرضى الذين يستخدمونه بحاجة إلى أن يكونوا شركاء فاعلين في إدارة مستويات السكر في الدم عن طريق الفحص الدوري لمستويات الجلوكوز في الدم وإعطاء أنفسهم الإنسولين أو تناول الطعام، كما أنه لن يغنيهم عن وخز الإبر.

ما كانت تتوقعه كالنتين، هو أن يكون هناك جهاز يزرع داخل الجسم ليقوم بمهام البنكرياس، دون أي تدخل من المريض، فيما يشبه جهاز تنظيم ضربات القلب الذي يستخدمه المرضى الذين يعانون من خلل في كهرباء القلب، ولسنوات عديدة، عمل العلماء على هذه الأجهزة التي يمكن زرعها تحت الجلد، ولكن الكبسولات الليفية التي تتشكل حول هذه الأجهزة تؤدي إلى فشلها في غضون أسابيع أو شهور.

عقبة النسيج الندبي

يثير زرع الأجهزة الغريبة في الجسم استجابة حيوية من الجهاز المناعي، ما يحفز الخلايا المنتجة لألياف الكولاجين لتشكيل نسيج ندبي حول الجهاز المزروع، من أجل عزله عن الأنسجة المحيطة به، مما يعيق إفراز الإنسولين أو الأدوية الأخرى. 

وبدأت محاولات حل هذه المشكلة في عام 2019، عندما وصف فريق من الباحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأمريكا وجامعة أيرلندا الوطنية في دراسة، آلية لاستخدام أجهزة لينة تعمل ميكانيكيًا على تعديل استجابة الجسم للأجهزة الطبية المزروعة. 

اقرأ أيضاً:  ميتا تشين | مؤسس باي بال يعتقد أن البيتكوين قد تصل إلى ٤ مليون دولار

وخلال دراسة نشرت في أغسطس الماضي، اتخذ الفريق البحثي خطوة إلى الأمام بإظهار أن نفس النهج يمكن أن يحسن توصيل الأدوية لمرضى السكري وغيرهم، وهو ما قادهم إلى إنتاج جهاز يمكن أن يغير قواعد اللعبة.

خطوة على الطريق لتذليل العقبة

الجهاز الجديد مكون من غرفتين تم تصنيعهما باستخدام "البولي يوريثان"، وهو بلاستيك يستخدم بشكل شائع في الأجهزة الطبية وله مرونة مماثلة للمصفوفة خارج الخلية التي تحيط بالأنسجة (شبكة معقدة من البروتينات تربط الخلايا والأنسجة معًا). 

إحدى تلك الغرف تعمل كمخزن للأدوية، وتعمل الأخرى كمشغل لين قابل للنفخ، وباستخدام وحدة تحكم خارجية، يمكن تحفيز المشغل على النفخ والتفريغ وفقا لجدول زمني محدد، وعمد الباحثون في الدراسة إلى النفخ والتفريغ بشكل متكرر لمدة خمس دقائق، كل 12 ساعة.

وعندما زرع الباحثون هذه الأجهزة في فئران التجارب، وجدوا أن التشغيل الميكانيكي يُبعد الخلايا المناعية التي تسمى "العدلات"، وهي الخلايا التي تبدأ العملية التي تؤدي إلى تكوين النسيج الندبي.

ولكن هذا لم يمنع في النهاية من تكون هذا النسيج، ولكن مع فروق جوهرية قياسًا بالمحاولات السابقة، ففضلًا عن أن النسيج الندبي استغرق وقتًا أطول بكثير حتى يتكون حول هذه الأجهزة، وجد الباحثون أن  النسيج الندبي الذي تشكل في النهاية، كان هيكله غير عادي، فبدلًا من ألياف الكولاجين المتشابكة التي تتشكل حول الأجهزة الثابتة، كانت مع الجهاز الجديد أكثر توافقا، بما ساعد جزيئات الدواء على المرور عبر الأنسجة، وفق اعتقاد الباحثين.

وإضافة إلى التأكد من علاج مشكلة تكون النسيج الندبي، أثبت الفريق البحثي الفائدة المحتملة لهذا الجهاز، حيث أظهروا أن تصميمه يسمح بتسرب الإنسولين ببطء عبر المسام الموجودة في مخزن الدواء، أو أن إطلاقه يتم في دفعة كبير يتحكم فيها المشغل.

وقيّم الباحثون فعالية إفراز الإنسولين عن طريق قياس التغيرات اللاحقة في مستويات الجلوكوز في الدم لدى الفئران، حيث حافظت الفئران المزودة بالجهاز على توصيل الإنسولين الفعال طوال الأسابيع الثمانية من الدراسة، بينما الفئران التي استخدم معها الشكل التقليدي من أجهزة التوصيل، بدأت كفاءة توصيل الإنسولين تقل ​​بعد أسبوعين فقط وبعد ثمانية أسابيع، لم يتمكن أي إنسولين تقريبًا من المرور بسبب النسيج الندبي.

ابتكر الباحثون أيضا نسخة من الجهاز، بحجم (120 X 80 ملليمتر)، وأظهروا أنه يمكن زرعها بنجاح في بطن الإنسان.

ويشير تقرير نشره الموقع الرسمي لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الفريق البحثي يخطط حاليا لتكييف الجهاز للتعامل مع خلايا البنكرياس المشتقة من الخلايا الجذعية والتي من شأنها أن تستشعر مستويات الجلوكوز، وتفرز الإنسولين عندما يكون الجلوكوز مرتفعًا جدًا. 

ويوضح الباحثون أن مثل هذا الجهاز القابل للزرع يمكن أن يلغي حاجة المرضى إلى حقن الإنسولين أو قياس مستويات الجلوكوز لديهم باستمرار.

الفكرة هي أن الخلايا ستكون موجودة في المخزن، وستعمل كمصنع للإنسولين، حيث ستكتشف مستويات الجلوكوز في الدم وبناءً عليه تطلق الإنسولين وفقًا لحاجة الجسم إليه.

وإلى أن يأخذ مثل هذا التوجه خطوات أكثر تقدمًا، مع إجراء التجارب السريرية في مرحلة لاحقة على البشر، إيذانًا بالإعلان عن أول بنكرياس صناعي حقيقي، تظل مضخات الإنسولين بأشكالها المختلفة هي الخيار المتاح أمام الطفلة "كيو" وغيرها من مرضى السكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share