هرم ماسلو

أن تصل لقمة هرم ماسلو

"ليس هناك حدود للسعي البشري، فنحن جميعًا مختلفون، ومهما بدت الحياة سيئة، هناك دائمًا ما يمكنك فعله والنجاح فيه، حيثما توجد حياة، يوجد الأمل" إنها إحدى أشهر مقولات الفيزيائي العظيم "سيتفين هوكينج"، الذي كان ولا يزال رمزًا للمقاومة وحب الحياة والسعي البشري الحثيث لبلوغ القمة، ولذلك تُعد الكثير من مقولات هوكينج تجسيدًا واضحًا لنظريات التحفيز البشري، وربما تُعد قصة صعوده نموذجًا لتحقيق هرم ماسلو.

هرم ماسلو والاحتياجات البشرية

في عام 1943، قدم "إبراهام ماسلو" تصوره عن التسلسل الهرمي للاحتياجات البشرية في ورقة بحثية بعنوان "نظرية التحفيز البشري"، حيث يعد هرم "ماسلو" نظرية تحفيزية في علم النفس، تضم نموذجًا من خمس مستويات للاحتياجات البشرية، بحيث تأتي في شكل هرمي، يتطلب تلبية الاحتياجات الأدنى في قاعدة الهرم، قبل أن يتمكن الأفراد من تلبية الاحتياجات الأعلى والوصول لقمة الهرم. 

هرم ماسلو

تنقسم المستويات الخمس الرئيسية لهرم ماسلو إلى ثلاثة أقسام، قاعدة تتكون من الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة، وفي الوسط تأتي الاحتياجات نفسية التي ينتج عن عدم تحقيقها أغلب المشكلات النفسية، وعلى القمة يأتي الاحتياج إلى تحقيق الذات والإشباع. 

  1. الاحتياجات الفسيولوجية

تمثل أهم الاحتياجات التي لا يستطيع المرء العيش بدونها، فهي ليست مجرد احتياجات ولكنها الضمانة الأساسية للبقاء على قيد الحياة، فتشمل الحاجة إلى الماء والطعام والمأوى والدفء والراحة وغيرها، وعادةً ما يكون الدافع وراء هذا المستوى من الاحتياجات مرتبطًا بصورة مباشرة بغريزة البقاء لدى البشر. 

  1. الاحتياج للأمان

أما عن المستوى الثاني من هرم ماسلو، فيمثل الاحتياج للشعور بالأمان بكل صوره على اختلافها، متمثلًا في الأمان المادي والأمان النفسي والأمان الشخصي على النفس والمقربين والممتلكات، وغالبًا ما يكون الدافع وراء تحقيق هذا المستوى هو الحاجة إلى قانون ونظام حماية ينظم العلاقات بين البشر ويؤمنهم في حالات الخطر ويحميهم مما لا يمكن التنبؤ به. 

يحتاج الإنسان للشعور بالأمان والاستقرار بشكل واضح، فيسعى بكل الطرق للحفاظ على سلامته الجسدية، فيخشى المرض والتهديدات الصحية ويحاول تجنبها قدر الإمكان، كذلك يحتاج الأشخاص للأمان المادي لتوفير الاحتياجات اللازمة وتهيئة الظروف للعيش بكرامة والتمتع ببعض الرفاهيات إن أمكن، ما يجعل الأمان الوظيفي والسعي إلى الإدخار جزءًا مهمًا من احتياجات الأمان لدى الكثيرين. 

بتحقيق هذا المستوى، يصل المرء إلى تحقيق الاحتياجات الأساسية، فيسعى إلى المستويات الأعلى، التي تمثل الاحتياجات النفسية.

  1. الاحتياجات العاطفية

تمثل الاحتياجات العاطفية جزءًا مهمًا من هرم ماسلو، فالاحتياج للحب والصداقة والانتماء لأفكار وجماعات بعينها يساهم في رفع درجة الوعي النفسي، وإشباع الحاجة إلى مشاعر الحب والحميمية والألفة، التي يمكنها حماية الإنسان من الكثير من الأمراض والاضطرابات النفسية، حيث إن الحرمان من هذه الاحتياجات يخلف الكثير من المشاعر السلبية المرتبطة بالوحدة وعدم تقدير الذات أو الشعور بالاكتئاب. 

  1. الاحتياج للتقدير

أما عن المستوى الرابع فهو الاحتياج إلى التقدير، فبمجرد أن يحقق الشخص احتياجاته من الحب والانتماء، يسعى مباشرةً إلى تحقيق الشعور بالتقدير، وعادةً ما يتمثل الاحتياج للتقدير في السعي لاكتساب المكانة وما يصاحبها من الاعتراف بقيمة الشخص وإظهار الاحترام له. 

تنقسم احتياجات التقدير إلى فئتين: 

  • الحاجة لاحترام الآخرين: ويتمثل في الرغبة في كسب احترام وثقة الآخرين، بتحقيق الشهرة والهيبة والمكانة الاجتماعية والحصول على التقدير المعنوي والمادي المناسب لمهاراتك وقدراتك.
  • الحاجة لاحترام النفس: ويتمثل في اتساق الشخص مع نفسه وتقديره لمحاولاته وقدراته المختلفة، والاعتزاز بكرامته وثقته بنفسه وتقديره لكفاءته، بالإضافة للسعي إلى الحرية والاستقلال. 
  1. الاحتياج لتحقيق الذات

يأتي الاحتياج للتحقق على رأس هرم ماسلو للاحتياجات، فيمثل مجموعة من الاحتياجات الأعلى والأكثر رقيًا، التي لا يمكن تحقيقها، إلا بتحقيق المستويات التي تسبقها، فنظريًا لا يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة تحقيق الذات دون أن يلبي احتياجاته الأساسية أو دون الشعور بالحب أو بتقدير الذات، لذلك ترى نظرية "ماسلو" أن الوصول إلى هذه المرحلة هو بلوغ ذروة الاحتياجات البشرية. 

يمكن أن تظهر الحاجة إلى تحقيق الذات بطرق مختلفة منها: 

  • اكتساب المهارات: مثل المهارات الحياتية أو المهنية التي تمكن الإنسان من الارتقاء بمستواه الشخصي والنفسي
  • التعلم المستمر: مثل الوصول إلى مراحل دراسية متقدمة، أو البحث عن دورات تدريبية أو تعليمية عبر الإنترنت، أو تطوير مهارات مهنية بعينها بالتعلم المستمر عنها)
  • تحقيق الاستفادة من المهارات والمواهب: عند الوصول لهذه المرحلة، يسعى الشخص للاستفادة من قدراته ومعرفته بالأمور المختلفة، وتوظيفها على الوجه المناسب، الذي يساعده في تحقيق ذاته.
  • السعي وراء تحقيق الأحلام: في هذه المرحلة، يبدأ الشخص في السعي لتحقيق الأحلام الكبرى والتطلع إلى المزيد من التميز، على سبيل المثال قد يسعى البعض إلى ميدالية أوليمية للمرة الأولى لبلدهم، وقد يسعى البعض الآخر إلى أن يصبح من أغنياء العالم، وقد تكتفي إحداهن بالحصول على لقب الأم المثالية، وكل هذا بهدف الوصول إلى حالة من الإشباع والسعادة بالإنجاز الشخصي.  
اقرأ أيضاً:  هل لأفلام الرعب دورًا في مواجهة فيروس كورونا؟

أنواع مختلفة من الاحتياجات

يمكن تقسيم تسلسل هرم ماسلو للاحتياجات البشرية إلى نوعين من الاحتياجات: 

  • احتياجات النقص

تمثل الاحتياجات الفسيولوجية والأمنية والعاطفية والحاجة للتقدير هي احتياجات نقص، نابعة من الأساس بسبب الحرمان، لذلك يُعد تلبية هذه الاحتياجات أمر مهم للغاية لتجنب المشاعر السلبية أو العواقب الوخيمة لنقصها. 

  • احتياجات النمو

 وصف "ماسلو" أعلى مستوى من الهرم باحتياجات النمو، فالاحتياج لتحقيق الذات لا ينبع من نقص في شيء ما، بل الرغبة في النمو على المستوى الشخصي والنفسي. 

خصائص الأشخاص المتحققين ذاتيًا

هرم ماسلو

على الرغم من أننا جميعًا قادرون من الناحية النظرية على تحقيق الذات، فإن معظمنا لن يفعل ذلك، أو سيفعلونه بدرجة محدودة، حيث قدّر "ماسلو" نسبة الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى حالة تحقيق الذات بنحو 2% فقط من الناس. 

أجرى "إبراهام ماسلو" عام 1970 دراسة على 18 شخص متحققين ذاتيًا -من وجهة نظره- وفيهم "إبراهام لينكولن" و"ألبرت آينشتاين"، ليخلص إلى 15 صفة يتمتع بها المتحققون ذاتيًا. 

هل يجب أن تتحقق هذه الاحتياجات بنفس الترتيب؟ 

على الرغم من الاعتقاد الشائع بأن الاستجابة لهذه الاحتياجات يجب أن يتحقق بنفس الترتيب، إلا أن "إبراهام ماسلو" أشار في إحدى تعديلاته للنظرية إلى أن الاحتياجات البشرية لا تتبع في الأغلب هذا التسلسل الهرمي الصارم، ولا يجب أن ينتهي المرء من تحقيق مجموعة من الاحتياجات قبل الانتقال للمجموعة التالية. 

أشار "ماسلو" إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن الحاجة إلى احترام الذات أكثر اهمية من الاحتياج للحب، وبالنسبة للبعض الآخر، قد يكون الاحتياج إلى الإنجاز الإبداعي أقوى وأهم من بعض الاحتياجات الأساسية. 

نقد نظرية هرم ماسلو 

تُعد نظرية ماسلو واحدة من نظريات علم النفس الشائعة، التي لم تقتصر تأثيراتها على مجال علم النفس فقط، ولكن امتدت لتشمل مجالات التعليم وإدارة الأعمال التي تأثرت بالنظرية بصورة كبيرة، وعلى الرغم من شيوع النظرية وامتدادها على مدار أكثر من نصف قرن، إلا أن هذا لم يجعلها تخلو من النقد. 

تواجه النظرية نقدًا على عدة أصعدة، أهمها: 

  • لا تتبع الاحتياجات تسلسل هرمي: على الرغم من دعم بعض الأبحاث لنظرية ماسلو، فإن معظم الأبحاث لم تكن قادرة على إثبات فكرة التسلسل الهرمي للاحتياجات، فلا تتوافر الكثير من الأدلة على تصنيف ماسلو لهذه الاحتياجات، وأدلة أقل على أن هذه الاحتياجات تأتي في ترتيب هرمي. 
  • صعوبة اختبار النظرية: أحد أشهر الانتقادات التي توجه لنظرية ماسلو هي أن تعريفه لتحقيق الذات يصعب اختباره علميًا، حيث استند "ماسلو" في بحثه إلى عينة محدودة جدًا من الأفراد، بما في ذلك أشخاص تعرف إليهم "ماسلو" عن طريق سيرهم الذاتية فقط، لاعتقاده بأنهم متحققون ذاتيًا. 

في النهاية، وبغض النظر عن الانتقادات الموجهة لنظرية هرم ماسلو، فإن هذه النظرية تمثل تحولًا مهمًا في نظريات علم النفس، فبدلًا من التركيز على السلوك غير الطبيعي للبشر، ركز علم النفس الإنساني لماسلو على تنمية الأفراد الأصحاء، ومحاولة ربط الاحتياجات البشرية بالبحث عن السعادة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share