fbpx
العلوم
أخر الأخبار

جدل في المجتمع العلمي بعد ولادة أول طفل «معدل جينيًا»

قبل عدة أيام، أعلن إختصاصي علم الوراثة الصيني «هي جيان كوي» عن نجاح ولادة أول طفل بشري معدل جينيًا بواسطة أداة التعديل الجيني الدقيقة «كريسبر – Crisper – Case9».

تصدر اسم التوأمين المعروفين باسم «لولو» و«نانا» صفحات الأخبار سريعًا، فهما أول طفلتان تولدان بعد أن تم تعديل حمضهما النووي لتكونا محصنتان ضد الإصابة بمرض الإيدز الذي يعاني منه والدهما، طبقُا لتصريحات «هي»، والتي شغلت وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية.

ولا تعد تلك هي أولى تجارب العلماء الصينين في تعديل الأجنة البشرية، ففي عام 2015، ولأول مرة، قام فريق من الباحثين الصينيين بتعديل الجينات المسئولة عن مرض دموي خطير في جنين «غير حي». وفي عام 2016، قام فريق صيني آخر بتجربة مشابهة تم فيها تعديل الجينات المسئولة عن الإصابة بمرض الإيدز، إلا أن كلا التجربتين لم تمكلا طريقهما لإتمام عملية حمل أو ولادة.

أما في حالة «هي»، فهذه المرة الأولى التي يتم فيها زراعة أجنة حية معدلة جينيًا بداخل رحم الأم، ومن ثم يكتمل الحمل إلى ولادة حقيقية لتوأمين «يتمتعان بصحة جيدة في حضن والديهما بالمنزل» على حد قوله.

باستخدام الحقن المجهري، تم إخصاب البويضة بعد جمع عينات الحيوانات المنوية والبويضات من الأبوين، ثم إبطال جين «CCR5» داخل البويضة المخصبة باستخدام أداة كريسبر، وهو الجين المسئول عن تصنيع البروتين الذي يسمح لفيروس الإيدز بالدخول إلى الخلية. بعد ذلك، تم نقل الجنين إلى الأم ليحدث الحمل.

وفي الواقع، فإن «هي» لم يعمل فقط مع والدي «نانا» و«لولو»، على حد قوله، بل مع ثمانية من الأزواج الذين وقعوا طواعية للاشتراك في الدراسة، انسحب بعضهم بعد فترة من الوقت.

وبقدر كافي من الجنون، أفصح «كوي» عن وجود حمل منتظر لا يزال في بدايته مع جنين آخر معدل جينًا، حتى بعد الضجة والانتقادات اللاذعة التي لاحقته خلال الأيام الماضية.

سابقة علمية أم تصرف غير مسؤول؟

تعديل جينات الأجنة لا يعني فقط قدرتنا على تفادي انتقال الأمراض الوراثية الخطيرة -مثل أنيميا البحر المتوسط والتليف الكيسي- من الآباء إلى الأبناء، بل أيضًا احتمالية القضاء على هذا النوع من الأمراض، فبينما تنتقل هذه الجينات المعدلة جيلًا بعد جيل، يسير تطور السلالة البشرية ببطء، نحو مسار يخلو تقريبًا من مثل هذه العلل.

لكن في الواقع، إن هذا التأثير العميق الواسع بعينه هو أكثر ما نهابه من تطبيق هذه التقنية؛ ألا وهو حدوث تغير دائم في جينات الجنس البشري لا رجعة فيه، فعلى الرغم من دقة كريسبر، إلا أن حدوث طفرات غير مقصودة هو احتمال وارد.

وبجانب تلك المخاوف التقنية، فإن الآثار الاجتماعية لتلك التغيرات الدائمة في الجينوم البشري، ستكون ذات طابع جذري، بحيث ستحدث تغيرات دائمة في مجتمعاتنا أيضًا.

على سبيل المثال، فلا ضمانة أن يتم توزيع تلك المناعة الدائمة للمرض بشكل عادل سواءً جغرافيًا أو على مستوى طبقات المجتمع المختلفة، ناهيك عن إمكانية استخدامها بغرض إضافة «تتحسينات وراثية» بدون هدف طبي بالأساس، فما الذي قد يكون أكثر إغواءً من فرصة منح طفلك جسد مثالي أو ذكاء فائق. أو على مستوى دولة ما، ما الذي قد يكون أكثر أهمية من تدجين جيل معدل من الجنود الأكثر صلابة؟

في الوقت الحالي، فإن موقف معظم العلماء من تعديل الخط الجنسي الوراثي البشري هو موقف سلبي. وإجراء مثل هذه التجارب يعد محظورًا وغير قانوني في أكثر من 40 دولة، من بينهم الصين.

وعليه، أصدرت جمعية علم الوراثة في الصين، والجمعية الصينية لبحوث الخلايا الجذعية بيانًا مشتركًا في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني، استجابة للدراسة، قائلين:

إننا ندينه بشدة بسبب اللامسئولية الشديدة، من الناحية العلمية والأخلاقية.

مبررات غير كافية

في القمة الدولية الثانية حول تعديل الجينوم البشري، التى عقدت منذ يوم 27 وحتي 29 من الشهر الماضي في هونغ كونغ، تم استدعاء «هي» للإفصاح عن تفاصيل دراسته، والتي يحومها الكثير من الشك والجدل.

أوضح «هي» أن تأثير التلاعب بجين CCR5 قد تم اختباره في الفئران، لقياس مدى تأثيره في أجيال متعددة، حيث تشير النتائج إلى أن الجيل الثالث من الفئران ولد سليمًا دون عيوب. كذلك أجريت التجارب على القردة باعتبارها الفصيلة الأقرب إلى البشر، وتم قياس مؤشرات الحالة الصحية، سواء كانت جسدية أو عصبية أو على مستوى السلوك، وهو ما يدعي «هي» بأن جميعها كانت طبيعية.

ولضمان سلامة التقنية في الأجنة البشرية، تم إجراء تشخيص وراثي صارم للأجنة قبل زرعها بالرحم للتأكد من أن التعديل الجيني قد تم بنجاح في الجين المقصود دون أي تغيرات غير مرغوبة في الحمض النووي.

إلى جانب أنه خلال فترة الحمل، تم إجراء فحص جسدي واسع النطاق وتحديد التسلسل الكامل للحمض النووي بالسائل الأمنيوسي-سائل يحيط بالجنين في الرحم-، في بداية ومنتصف فترة الحمل، للتأكد من أن الجنين طبيعي حتى الولادة.

ومع هذا، فمن الصعب تقدير أو على الأقل تقبل ما قام به «هي» من قبل المجتمع العلمي أو حتى من العامة، فالكثير من الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي ينعتونه بـ«الشرير».

حيث أن دراسته الأخيرة لم يتم نشرها في أي دورية علمية خاضعة لاستعراض النظراء قبل أن تتسرب النتائج، وهو ما اعتذر عنه «هي» في المؤتمر، وأضاف أنه تم تقديمها للمراجعة في صحيفة علمية مجهولة الهوية.

ولعل واحدة من أهم الانتقادات الموجهة لـ «هي» هو اختياره لتحصين الأجنة من مرض الإيدز، والذي على الرغم من خطورته، يوجد بالفعل عدة طرق عالية الكفاءة، وأكثر أمانًا لتجنب انتقاله من الآباء للأجنة، وهو ما يجعل حجة «هي» بأهمية بحثه في إنقاذ الأرواح وإسعاد العائلات، حجة غير منطقية.

من ناحيتها، عبرت جينيفر دودنا، رائدة في تقنية تعديل الجين بواسطة تقنية «كريسبر – كاس9»، من جامعة كاليفورنيا، لصحيفة بلومبيرج عن رأيها تجاه تجرية «هي» قائلة:

أنا أشعر بخيبة الأمل والاشمئزاز من الطريقة التي استخدمت بها التقنية، وكونه قد تجاهل المبادئ التوجيهية العالمية التى عمل الكثير بجد لوضعها، بهدف تحقيق غرض لا يمثل ضرورة طبية.

انحراف خاطئ على الطريق السليم

لم تكن كل الأراء بحدة انتقاد «دودنا» على كل حال، ففي نفس القمة التي وضح فيه «هي» تفاصيل تجربته، وصف «جيمس دالي» عميد كلية الطب بجامعة هارفرد التجربة الأخيرة، بأنها «انحراف خاطئ على الطريق السليم»، مشددًا على أنه «حتى لو جاءت الخطوة الأولى لتعديل الخط الجنسي الوراثي البشري بطريقة غير منضبطة، فذلك لا يعني أننا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال، بل هو تنبيه أنه حان الوقت، لنحدد المسار الذي يجب أن يتبعه هذا التحول الطبي».

يمكنك مشاهدة كلمة «جيمس دالي» كاملة من هنا.

في إطار آخر، ومن جامعة هارفرد أيضًا، يشير «فيرنر نوهاسر» الذي يعمل حاليًا ضمن مشروع بحثي يهدف إلى تعديل جينوم (حيوانات منوية) باستخدام تقنية كريسبر، بهدف تحديد إمكانية إنتاج «أطفال أنابيب» أقل عرضة للإصابة بمرض الزهايمر في المستقبل، إلى أن أغلب الأطباء والمرضى يوافقون على ضرورة استخدام تلك التقنية مستقبلًا، لمنع حدوث الأمراض بدلًا من علاجها، على حد تصريحاته لموقع «technologyreview».

موضحًا كذلك:

أن تقنية مشابهة قد تكون بمثابة وسيلة إنقاذ لنوعنا، وعلينا جميعًا أن نتمتع بالمرونة الكافية لنتمكن من مواجهة أخطار المستقبل، إن أزمة تجربة «هي» تكمن في غياب الشفافية، وهو ما قد يصعب الأمر أمام الباحثين الذي يتبعون القواعد المنظمة في أبحاثهم.

يواجه «هي» وفريقه الآن، العديد من المساؤلات القانونية، فقد قامت وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية، بتعليق نشاط الأشخاص المشاركين في مشروعه، ووصف نائب الوزير تصرفات الفريق بأنها غير قانونية وغير مقبولة، وقال أنه أمر بالشروع في التحقيق لمعاقبة الباحثين، ولكنه لم يشر إلى إجراءات محددة تم اتخاذها.

حتى الآن، لا نعلم إن كانت التجربة الأخيرة، هي الخطوة المطلوبة للخوض في أبحاث عالم تعديل جينات الأجنة البشرية، أم ستكون بمثابة وصمة سيئة في تاريخ هذا العلم، وعقبة في مسار تطوره.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *