fbpx
البيئةالعلوم

البكتيريا والبرق ودماء الآلهة: عن علم «رائحة المطر»

للروائح عامة قدرة خاصة على اجترار الذكريات،  إلا أن رائحة المطر –التي يسميها البعض «رائحة السعادة»- تتمتع بعدة صفات مميزة، حيث يمكن للبشر من مختلف الثقافات والأصول العرقية والجغرافية تمييزها، حتى في تركيزات قليلة للغاية، ويصفها أغلبهم بإنها منعشة، كما تتشارك عدة ظواهر طبيعية في تشكيلها، ويعتقد بعض العلماء أنها قد تكون محفورة في جيناتنا. لن نطيل عليكم الحديث، إليكم القصة المختصرة حول علم «رائحة المطر».

دماء الآلهة

قد لا ندرك متى بدأ اهتمامنا المتزايد برائحة المطر، إلا أن أولى الدراسات العلمية التي بدأت بتفسير سر تكون الرائحة المميزة، قد نشرت في «دورية نيتشر» عام 1964، والتي أوضح خلالها عالمي معادن إستراليين هما «إيزابيل بير» و«ريتشارد توماس»، أن إفرازات دهنية للنباتات تتراكم في التربة وبين فجوات الصخور في الفترات الجافة، ومع هطول المطر فإن قطرات الماء تخلط هذه الإفرازات بشكلٍ جيد، ومن ثم تحملها إلينا.

وضّح الباحثون كذلك في نفس الدراسة، وفي دراسة أخرى نشرت في نفس الدورية لاحقًا، أن تلك الإفرازات النباتية تثبط نمو البذور، وهي بذلك تقلل التنافس على مصادر المياه القليلة في فترات الجفاف، وعليه فإن المناطق الأكثر جفافًا، والتي ترطبها الأمطار الموسمية في فصول محددة، قد تتمتع بالرائحة الأزكى!

لم يكن ذاك التفسير المثير للاهتمام آخر ما قدمه العالمين، فقد منحوا «رائحة المطر» أيضًا، اسمًا علميًا مميزًا، وهو «البيتريكور – petrichor»، حيث أن «الصخرة» هو ترجمة القسم الأول من الاسم، بينما تصف كلمة «إكور-Ichor»، دماء الآلهة والخالدين في الأساطير الأغريقية.

على كلٍ، فإنهما لم يكونا أول من قام بعزل رائحة المطر على الأغلب، توضح الصحافية البيئية «سينيثيا برنيت» في كتابها المنشور عام 2015  بعنوان «المطر: تاريخ طبيعي وثقافي»:

لقد نبه الباحثون في دراستهم أنهم لم يكونوا أول من تعرف على رائحة العواصف تلك، ولا أول من قام باستخلاصها من الأساس، في الواقع ما اسموه «بيتريكور»، كان بالفعل رائحة متداولة في مدينة قنوج، حيث يتم استخلاصها بوسائل تقطير قديمة من الطين، ويطلق عليها المحليون اسم «mitti attar»، أو رائحة الأرض.

وقنوج هي مدينة صغيرة في شمال الهند، يشتهر أهلها بصناعة العطور من المصادر الطبيعية، زارتها برنيت لتتبع صناعة «عطر الأرض» من رائحة المطر، لتسجل الآلية التقليدية لاستخلاصه من طين الأرض، في مدينة العطور الهندية.

في نفس عام نشر الكتاب، تمكن باحثون من «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا – MIT» باستخدام تقنيات حديثة عالية الدقة، من تتبع الآلية التي تحمل بها قطرات المطر تلك المواد الدهنية ذات الرائحة الزكية من الأرض إلى مستقبلات الشمّ لدينا.

أوضحت الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر كومينيكشنز – Nature Communications» عام 2015، أن قطرات المطر تحتبس فقاعات هوائية صغيرة، والتي سريعًا ما تنطلق إلى الهواء  على شكل رذاذ دقيق مُحمّلة بجزيئات الرائحة، وتختلف كمية الرذاذ حسب طبيعة مسامية السطح، وسرعة قطرات المطر.

إضافات البرق والبكتيريا

لا تُخلط كل مكونات «رائحة المطر» في طين الأرض على كل حال، حيث تعمل صواعق البرق المرافقة للغيوم المحملة بالأمطار، على تحفيز تفاعل كيميائي يؤدي في النهاية إلى تكوين جزيء «الأوزون»، ذلك الغاز الذي يحمينا من الأشعة البنفسجية الضارة في طبقات الغلاف الجوي العليا، وله رائحة نفاذة قد تشمها حتى قبل سقوط المطر.

وكالعادة، تشارك البكتيريا في إضافة لمسة مميزة للرائحة، حيث تتنج بعض أنواع البكتيريا ما يعرف بمركب «الجيوسمن – Geosmin» الذي يدخل في مكونات رائحة المطر، كما  أن هذا المركب هو الذي يمنح نبات «البنجر» مذاقه المعروف، ولسبب ما يمكننا تمييز رائحته عند تركيزات قليلة للغاية.

ذلك السبب وفقًا لبعض العلماء، قد يختبئ في تاريخ أسلافنا القديم، حيث أن بعض القبائل الحالية التي تستوطن صحاري أستراليا الغربية تربط بين رائحة المطر واللون الأخضر، فربما قدمت تلك الرائحة لأسلافنا دليلُا على موسم توافر موارد الغذاء والماء.

وفي حين أنك لا تحتاج إلى التماس رائحة المطر لتنجو في بيئة قليلة الموارد، وعلى الأغلب لن تحظ بزجاجة من خلاصة رائحة المطر أو «عطر الأرض» عن قريب، إلا أنه يمكنك عند اشتمامها في المرة القادمة أن تتذكر أننا جميعًا باختلاف أشكالنا تجمعنا سمات أساسية، ومهما ابتعدنا في مدننا المتحضرة، تبقى الطبيعة متجذرة في حواسنا.

الوسوم
اظهر المزيد

معتصم البارودي

كاتب متخصص في الشؤون العلمية ومدير تحرير موقع ساينتيفيك عرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *