جائزة نوبل, ما هي جائزة نوبل, قيمة جائزة نوبل

هل يجب إيقاف كل جوائز نوبل لمدة سنة؟

تمنح جوائز نوبل في العلوم والاقتصاد والسلام، فهل هناك أي تحيّزات، وهل يجب إعادة النظر ومراجعة الآلية التي تنتهجها، وما الذي سينتج عن ذلك؟

مقال مترجم

جوائز نوبل

المصدر: The Conversation

الكاتب: عالم فيزياء الفضاء «بريان كيتينج - Brian Keating»، وهو أستاذ الفيزياء بجامعة كاليفورنيا سان دييجو، أصدر كتابًا بعنوان «خسارة جائزة نوبل - Losing the Nobel Prize».


إن حدث والتقيت من يدعي أنه حصل على جائزة نوبل في «الرياضيات»، ابتعد عنه فورًا، لأنه بالتأكيد شخص واهم تمامًا، لم يكن هناك قط جائزة نوبل في علوم الرياضيات، رغم ذلك فإن السعي الحثيث للحصول على الجائزة يظل مسيطرًا، ولسبب غير مفهوم، تظل جائزة نوبل الوسام الأهم على مستوى العالم في مجال العلوم.

يعد حفل توزيع «جوائز نوبل» أحد أهمّ وأقدس المناسبات التي تقام سنويًّا في السويد، بحضور شخصيات هامة في مجال العلوم والفنون، وجمهور يقدر بالملايين على مستوى العالم، واحتفالات بهية أشبه بمراسم تنصيب «بابا» جديد.

فلا شك أن «نوبل» هو جزء مهم من الهوية الوطنيّة لدولة السويد، رغم ذلك قام ملك السويد مؤخّرًا باتخاذ إجراء غير مسبوق، حيث عبر عن قلقه إزاء الفضائح المحيطة بجائزة نوبل للأدب، ولَم تمض إلا أسابيع قليلة حتى تم إلغاء توزيع جائزة نوبل للأدب لعام 2018، ما الذي دفع بالملك «جوستاف» لاتخاذ هذا الإجراء الاسثنائي؟

الإجابة قد تكون ببساطة، أنه نفس السبب الذي دفع «آلفريد نوبل» بتأسيس الجائزة من الأساس، ألا وهو: العلاقات العامّة.

فالمخترع والكيميائيّ «آلفريد نوبل»، كان يلقب بـ«تاجر الموت»، بسبب اختراعه للمتفجرات التي ساهمت في إهدار أرواح المزيد من البشر بشكل أسرع من ذي قبل، ولترميم سمعته ، قام بابتكار الجوائز الآنفة الذكر بهدف «المنفعة العامة لسائر البشرية».

بالعودة إلى قرار الملك جوستاف، فإن إلغاء جائزة نوبل للآداب جاء بهدف التحقيق في الاتهامات بالاعتداءات الجنسية التي لحقت بزوج إحدى الأعضاء الرئيسين في اللجنة المانحة للجائزة، على كل حال ربما تمنحنا تلك الفترة المستقطعة، الفرصة لإعادة النظر في الآلية التي يتمّ بموجبها منح الجوائز.

رغم أن كلا الجائزتين العلميتين في الفيزياء والكيمياء، لم تلحق بهما فضائح كبرى كغيرهما، إلا أنهما على كل حال لم يكونا بعيدين عن الجدل- جائزة نوبل في الكيمياء عام  1918 على سبيل المثال، منحت لـ «فريتز هابر» عن دوره في تخليق الأمونيا، وذلك بعد تأييده لاستخدام الأسلحة الكيميائية عام 1915- ، لذا مازلت أعتقد أن الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ككل، تحتاج إلى عام مستقطع.

فمن موقعي كفيزيائي ومرشح سابق لنيل الجائزة في السنوات الماضية، تسنت لي فرصة دراسة الجائزة ومانحيها عن قرب، لتظهر تحقيقاتي مجموعة من التحيزات الواضحة فيما يخص جائزة نوبل للفيزياء -مجال تخصصي-، والتي أخشى إن استمرت قد تضر بقيمة الجائزة، بل بنظرة العامة للعلوم ككل.

عين على الجائزة

ليُمنح أحدهم أرقى الجوائز في العلوم، عليه أن يستوفي 3 شروط رئيسة وفقًا لوصايا «نوبل»، الأول هو أن يحقق الاكتشاف الأهم في مجال الفيزياء أو الكيمياء، ثانيًا أن يكون ذلك الاكتشاف معدًا خلال السنة التي تسبق الجائزة، وأخيرًا أن يحقق به المنعفة العامة لكل البشرية.

ذاك المعيار الأخير هو الأكثر غموضًا والأقل موضوعية، وهو كذلك الأكثر قابلية للانتهاك، فكيف قد يتنسى لنا قياس «درجة المنفعة العامة لكل البشر» من اكتشاف علمي معين؟

على سبيل التوضيح، مع توافر ترسانة هائلة من الأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم اليوم، هل استوفى «الانشطار النووي» شرط «المنفعة العامة»، لينال مكتشفه «أوتو هان» دون شريكته «ليز مايتنر»، جائزة نوبل في الكيمياء عام 1944؟

وماذا عن جراحة الفصوص المخيّة «Lobotomy»؟ هذا الاكتشاف الذي حاز على نوبل للطب سنة 1949، تسبب بنتائج كارثيّة واسعة الانتشار، حتى حُظرت ممارسته بعد عقدٍ من الزمان. أو منظم الضوء للمنارات البحرية، الذي قاد «جوستاف دالين» لنوبل في الفيزياء عام 1912، إلا أن استخدامه لم يستمر إلا عقودًا قليلة، حيث ساد الضوء الكهربائي*.

حتى في زماننا الحالي، طالت بعض جوائز نوبل بعض الاتهامات المقلقة، ففي عام 2008 انتشرت أخبار عن رشاوي وفساد، هددت بتلطيخ سمعة لجنة نوبل للطب، بعد أن زعمت جهات إعلامية أن شركة الأدوية «AstraZeneca» قامت بالتأثير على اختيار الفائز في تلك السنة لتحقيق مكاسبها الخاصة.

إضافةً إلى ما سبق، فإنّ جائزة نوبل قد تسيء تمثيل العلم، لأنّ العلم هو أشبه بفريق رياضيّ، إذ لا أحد يصل لستوكهولم ليستلم جائزته لعمل قام به منفردًا.

وهكذا فإن تحديد جائزة نوبل لثلاث رابحين على الأكثر يِشوّه ماهيّة العلم، من خلال تعزيز انطباع الأشخاص العاديين بأن العلم يُصنع من قبل عباقرة يعملون بشكل منفرد، -الذين هم بشكل نموذجي «ذكور أميركيون ذوي بشرة بيضاء»-، دون شبكة واسعة من الباحثين حولهم.

حسنًا، ماذا لو -بعيدًا عن الإنجازات العلمية- كانت فكرة جائزة نوبل نفسها تلحق الضرر بالبشرية بدلًا من مساعدتها، أوعلى الأقل، بالفئة المكرسة للعلم منها ؟

قيمة نوبل

رغم  أنّ حيازة لقب نوبل قد يتيح للعلماء أو النشطاء أوالأطباء أو الكتّاب، فرصة جمع ثروة ضخمة، إلا أن القليل من العلماء في العادة يسعون للحصول على الجائزة بهدف قيمتها المادية.

ففي الواقع، توجد جوائز علميّة أخرى مثل «تيمبلتون – Templeton»  و«بريك ثرو - Breakthrough»، والتي تقدّم جوائز مالية ضخمة، تتعدّى 9 مليون كرونة – قيمة جائزة نوبل المالية - بكثير، إلا أن أي فائز بإحدى تلك الجوائز السخية، سيوافق على التخلي عن عوائدها المادية الكبيرة مقابل الحصول على «نوبل»، على حد تعبير عالم الفيزياء «لورانس كراوس».

لم تكن نيّة «آلفريد نوبل» من الأساس، هي ملء جيوب العلماء لقاء اختراعاتهم، بل أراد لفت الانتباه إلى عملهم المفيد وتحفيز اختراعات جديدة، ومن هذا المنظور، فإن جائزة نوبل قد تخطّت بكثير توقعات «آلفريد» المتواضعة.

اقرأ أيضاً:  هل أُُجبر ذكور النحل على العيش في كوكب زٌمردة؟

إلا أن الجائزة لم تحظ على الدوام، بهذا الرونق والصيت الباهر، لم يرفل لـ «وليلهم روتنجن» جفن، بل إنه لم يذهب لإلقاء محاضرة عن اكتشافه كالمعتاد، بعد إبلاغه بفوزه بجائزة نوبل الأولى في الفيزياء عام 1901، عن اكتشافه لـ «الأشعة السينية»، التي بالتأكيد حسنت من حياة مليارات البشر حول العالم.

تغير الحال في منتصف القرن العشرين، «بعد أن أصبح العلم غير مفهومًا بشكل كبير بين العامة من الناس، وأصبح للآلة الإعلامية بتوسعاتها القدرة على إحداث تأثيراتها»، على حد تعبير «بورتون فيلدمان - Burton Feldman»، -المؤرخ الأمريكي وصاحب كتاب «جائزة نوبل: تاريخ من العبقرية، الجدل والكبرياء»-، فهذه العوامل مجتمعة ساهمت في رفع مكانة جوائز نوبل قدُماً، مع رابحيها.

بشكل عامّ، يعتقد أغلب زملائي أن الحائزين على نوبل في مجالي الفيزياء والكيمياء قد نالوا الجائزة عن جدارة، إلا أن السؤال يبقى: أي فئة هي الأكثر استفادة من الجائزة، العلماء أم البشرية ككل، أم هي «الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم» نفسها؟

رؤية نبيلة

شهدت جوائز نوبل العديد من التقلبات الجذرية خلال قرابة 120 عامًا على إنشائها، وعلى الرغم من  مكانتها الرفيعة، إلا أن تحقيقاتي حول تاريخ هذه الجوائز، تُظهر أنّها لم ترتقِ دائماً إلى معيار نوبل المعني بـ«إفادة البشرية».

فقد ندد المحامي «بيتر نوبل» ابن حفيد شقيق آلفريد نوبل، في تغيير اسم الجائزة التي كانت تُعرف ب«جائزة نوبل في الاقتصاد» -وهي جائزة لم يوص بها آلفريد نوبل- إلى الاسم الفاتن الجديد «جائزة سفيرجيس ريكسبانك للعلوم الاقتصادية في ذكرى الفريد نوبل»، بعد اتهامه للجنة المسؤولة، باستخدام اسم جده ضمن الجائزة التي تعرف باسمها الشائع جائزة نوبل في علوم الاقتصاد -وهي جائزة لم يوص بها الفريد نوبل- بهدف خدمة أجندة سياسية معينة.

كما احتج آخرون من الحائزين على جائزة  «نوبل للسلام»، على تاريخ الجائزة، التي منحت من قبل لقادة دول، يعدهم البعض إرهابيين مثل «ياسرعرفات»، أو دعاة حرب مثل «هينري كيسينجر».

في حين لم يشهد فرعا العلوم الفيزيائية أي اتهامات مروّعة كتلك التي شهدتها جائزة الآداب، إلا أنها بعيدة على أن تكون معقلًا للمساواة بين الجنسين: إذ أن أقلّ من 1% من جوائز العلوم كانت من نصيب النساء.

لذا أعتقد أنه حان الوقت، أن تأخد كلّ جوائز نوبل -بما فيها جوائز العلوم- سنة مستقطعة، تخضع فيها لإعادة تقييم ، في محاولة للوصول إلى رؤية «نوبل» النبيلة.

إعادة إحياء نوبل

كيف يمكن لعام مستقطع أن يعيد جوايز نوبل إلى بريق الماضي؟

بادئ ذي بدء علينا إعادة تقييم الهدف المرجو من هذه الجوائز، خصوصاُ البند المتعلق بأن تعود بالمنفعة والخير على البشرية، هذا يجب أن يكون أولويّة.

وأعتقد أنه علينا مراجعة القوانين التي تم تعديلها عام 1974، والتي لا تسمح بمنح الجائزة لأي شخص متوفي، على الرغم من ذلك، تم منح الجائزة مرتين لأشخاص بعد موتهم، حيث منحت جائزة نوبل للأدب لعام  1931 للشاعر «إيرك أكسل كارفيلدت» وجائزة نوبل للسلام عام 1961 للدبلوماسي «داج هامرسكاجولد».

سأكون مخطئا إن لم أنوه على أن هؤلاء -رغم استحقاقهم للجائزة- كانا سويديين، حتى أن «كارفيلدت» كان السكرتير الدائم للاكاديمية السويدية، المؤسسة المسئولة عن منح جوائز نوبل للأدب ، توفيت روزاليند فرانكلين عام 1958 ، وقد كان من الممكن تكريمها على إسهاماتها.

يجب علينا إعادة القوانين، لنسمح بإضافة جوائز جديدة، ومراجعة أخطاء الماضي. يمكن تحقيق ذلك بأن نجيز الفوز بجائزة نوبل، حتى بعد الوفاة، ومنح جوائز لمكتشفين ومخترعين لم يظهروا للعلن، من الذين ساهموا من قبل بتحقيق اكتشاف حصل على نوبل.

إن لم نفعل ذلك، ستسيء جوائز نوبل تمثيل التاريخ الحقيقي للعلم، والأمثلة على إغفالات كهذه في تاريخ الجائزة وافرة بكثرة.

فقد توفّي «رون دريفر» قبل شهور فحسب من إعلان جائزة نوبل 2017، وقتها  كان هو مرجّحاً بقوّة للفوز بنوبل للفيزياء، تكرر الأمر مع روزاليند فرانكلين، التي لم تحصل على حقها في جائزة نوبل  في الطب عام 1962.

أٌنكِر مجهود «ليز ميتنر» في اكتشافها للانشطار النووي، ومنحت نوبل في الكيمياء عام 1944 لشريكها «أوتوهان» وحده.

كما خسرت «جوسلين بيل»، مكتشفة النجوم النابضة، جائزة نوبل لصالح مشرف رسالتها للدكتوراه، وغير هذه الأمثلة يوجد الكثير، وأكثرهنّ من النساء، اللواتي تمّ إغفالهن وتجاهل عملهنّ.

في سبيل الدفع بعملية إعادة هيكلة الجائزة، قمت أنا بمعاونة زملائي بإطلاق مبادرة مفتوحة على الإنترنت، بهدف تشجيع الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم على تدراك أخطاء الماضي، ومنع تلك الأخطاء من التسبب بمزيد من الضرر، وفوق كل ذلك السعي لتقديم صورة مناسبة لطبيعة العلوم في عصرنا الحديث.

كما أن منتدى «Losing the Nobel Prize»، هو مساحة مفتوحة للعلماء وغير العلماء على حد سواء، لإرسال مقترحاتهم من أجل إعادة هيكلة، وتحسين جوائز نوبل.

إن اتخاذ إجراء مناسب في وقتنا الحالي، سيكون له أثره القوي، الذي لن يقتصر على الأوساط الأكاديمية.

من خلال إعادة النظر ومراجعة الآلية التي تنتهجها جوائز نوبل، مع تعديل أخطاء الماضي، وجعل تلك الآلية أكثر شفافية في المستقبل، ستحل «المنفعة لكل البشرية»، ويعاد نوبل إلى مكانته الأسطورية الراسخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share