fbpx
العلومالفيزياء والرياضيات

عندما يصل العلم إلى حد معين، تعلم كيفية طرح أسئلة مختلفة

مقال مترجم

المصدر: aeon.co

مقال بعنوان: عندما يصل العلم إلى حد معين، تعلم كيفية طرح أسئلة مختلفة

الكتّاب:
كريس كيمبس: أستاذ في معهد سانتا في، يعمل في تداخل علم الفيزياء والأحياء وعلوم الأرض.

فان سافاج: أستاذ في علم البيئة وعلم الأحياء التطوري والرياضة البيولوجية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.


جرب التحدث مع طلاب في المرحلة الثانوية يستعدون لاختبارات العلوم، ومن المحتمل أنك ستسمع شيئين: أنهم خائفون من الفيزياء، ومطمئنون نسبياً للأحياء. الغريب، هو أن ذلك مخالف لرأي معظم الباحثين. فروح العلم تقر بأن الفيزياء سهلة. وبساطتها تأتي من القدرة على خلق نظريات متبلورة تنبؤية بدرجة عالية، لكل شيء من وجود جسيمات دون ذرية إلى كيفية انحناء الضوء حول النجوم. علم الأحياء، على العكس، يصعب كثيرًا أن تستخلص منه النظريات الأنيقة والمعادلات الرياضية. لهذا السبب، جادل بعض المفكرين البارزين بأن فهم الخلايا والغابات أصعب من فهم الثقوب السوداء البعيدة التي يصعب ملاحظتها.

لكن ربما لا يوجد مجال سهل أو صعب. ربما يوجد فقط أسئلة سهلة وأخرى صعبة. علم الأحياء فقط يبدو صعباً جداً لأنه تم تعريفه بواسطة مجموعة من الأسئلة شديدة الصعوبة. وعلم الفيزياء فقط يبدو سهلاً لأن قروناً من الجهود المبذولة بواسطة مفكرين متعمقين قد أنتجت مجموعة من الأسئلة القابلة للإجابة.

كمفارقة، ما يجعل البيولوجيا في غاية الصعوبة هو قربنا منها. اسأل نفسك: من هو «الأسهل» في فهمه – حبيب خيالي أم زميل في العمل؟ لقد قادتنا العلاقة الوثيقة بعلم الأحياء – وكذلك علم النفس والعلوم الاجتماعية – إلى استجواب هذه الظواهر في حين توجد معرفة عميقة بالفعل في متناول اليد. نحن نطرح أسئلة مفصلة للغاية ، ثم نشعر بالدهشة من الإجابات التي تبدو غامضة أو متناقضة.

في نزهة عبر الغابة، قد نلاحظ الأشكال غير الاعتيادية لأوراق النبات على شجرة القيقب. قد يقودنا هذا إلى التساؤل عن سبب وجود فصوص للأوراق، لماذا تتحول إلى اللون الأحمر في الخريف، وما هي الحشرات التي تعيش في الأوراق المتساقطة، وكيف تتحلل وتغذي التربة. هذه الأسئلة معقدة بشكل خادع، على الرغم من البديهية التي نسأل بها. على النقيض، فإن الفراغ الشاسع البارد للفضاء، والصغر المتناهي للكواركات هما غريبان جدًا بالنسبة إلينا لدرجة أننا نفخر – على الأقل في البداية – بأن نعرف أبسط الأشياء عن هذه الكيانات، حتى لو فقط إثبات وجودها.

لقد أدت العلاقة الوثيقة أحيانًا إلى تباطؤ فهمنا في الفيزياء أيضًا. فمسألة الكيفية التي تتحرك بها الكواكب هي واحدة من أقدم الهواجس الإنسانية، ويجري ذكرها في العديد من الأساطير المختلفة. ومع ذلك، فبفضل انشغال نوعنا بأنفسنا، فإن النظرية القديمة لأطياف الفضاء أخطأت عندما وضعت الأرض في مركز الكون – وهو خطأ استمر لمدة 2000 عام. عندما تم تجريد السؤال إلى مسائل القوة والكتلة والجاذبية في الفيزياء النيوتونية، أصبحت حركة الكواكب أسهل بكثير في التنبؤ بها وفهمها.

لا يزال هناك الكثير من الأسئلة الصعبة لعلماء الفيزياء كي يحتاروا بشأنها. إذا علقت الفيزياء سمعتها على التنبؤ بالشعلة الشمسية القادمة التي يمكن أن تتداخل مع الاتصالات على الأرض، فسيتم النظر إليها على أنها مادة أكثر تعقيدًا وصعوبة. لماذا؟ لأن صنع نماذج للآليات المتعددة التي تنتج ديناميكيات سطح الشمس – جميع عمليات الجاذبية والكهرومغناطيسية والحرارية والنووية – هو أمر صعب للغاية.

أما بالنسبة لحركة الكواكب، فيمكننا الحصول على صورة جيدة بشكل كاف لمسار كوكب ما من خلال إدراك أن ضخامة شمسنا تسمح لنا بتجاهل تأثير الأجسام السماوية الأخرى. ولكن إذا أردنا حقًا أن نلتزم بهذه التفاصيل، فسنجد قريبًا أننا لا يمكننا التنبؤ بدقة بحركة ثلاث أجسام متساوية في الكتلة. وبالمثل، في حالة نظرية الفوضى، تعلمنا أنه لا يمكننا سوى إجراء تخمينات تقريبية حول الموقع المحدد لبندولين تقترن حركتهما معاً. ومع ذلك، لا يمكننا القول بكل تأكيد أين سيكون أياً من البندولين.

ربما تكون الأسئلة التي طلبناها من البيولوجيا صعبة للغاية. كيف ننقذ حياة إنسان؟ لماذا لون طير القيق الأزرق هذا أغمق قليلاً من الآخر؟ ولكن مجرد مطالبتنا بالمزيد من علم الأحياء لا يعني أنه لا يمكننا طرح أسئلة أسهل قليلاً. في الواقع، يمكن أن يساعدنا ما نستخلصه من الفيزياء «السهلة» في معرفة كيفية العثور على تلك الأسئلة. إن الفيزيائيين جيدون بشكل خاص في البحث عن ظواهر واسعة الانتشار، واسعة النطاق تنطبق على أنظمة متعددة، والتي من المحتمل أن تكون نتيجة آليات بسيطة مشتركة.

خذ فكرة التحجيم البيولوجي على سبيل المثال. ينبع هذا المفهوم من الملاحظات المبكرة بأن معدل الأيض في الثدييات يعتمد بشكل متوقع وغير خطي على حجم الجسم من خلال قانون أسي. القانون الأسي هو عبارة عن علاقة رياضية تخبرنا عن مدى تغير إحدى الصفات مع زيادة حجم النظام حسب القيم الأسية (أي بمضاعفات عدد معين، عادة 10). لذا عندما تزداد كتلة جسم كائن حي بمقدار 1000 مرة، تتنبأ مبادئ القياس البيولوجي بدقة بأن معدل الأيض الخاص به سيزداد بمقدار 100 مرة.

ولكن كيف يمكن للرياضيات نفسها أن تطبق على شيء بسيط مثل قوة الجذب بين جسمين والعملية الفوضوية لنشأة الأنواع عبر بيئات متنوعة؟

في الفيزياء، تشير  قوانين الطاقة إلى آليات وتناظرات مشتركة تعمل عبر جميع المقاييس. في علم الأحياء، تُظهر أبحاثنا – بالإضافة إلى أبحاث جيفري بي ويست وجيمس براون، وبريان جي إنكويست – أن الآلية الأساسية في العمل هي بنية وتدفق الشبكات الوعائية. يتضح أن الأوعية الدموية تميل إلى إمداد الجسم بشكل فعال وتوصيل الموارد إلى جميع خلايا الكائن الحي في حيت تقلل الضغط على القلب. أعطت هذه الرؤية البسيطة مجموعة متزايدة من النظريات الناجحة التي تستخدم فكرة التركيب البيولوجي الأمثل للتنبؤ بظواهر مثل توزع الأشجار في الغابة، كم من الوقت نحتاج إلى النوم، معدل نمو الأورام، أكبر وأصغر حجم من البكتيريا، وأطول ارتفاع يمكن أن تصل له شجرة في أي بيئة.

ومع ذلك، يمكن للبيولوجيا أيضا أن يكون لها أسئلتها الفريدة. فكما أظهرت زميلاتنا جيسيكا فلاك وديفيد كركاور في معهد سانتا في، على سبيل المثال، فإن قدرات معالجة المعلومات وصنع القرار الخاصة بكيانات (مثل الرئيسيات، الأعصاب والعفن) تؤدي إلى أنواع فريدة من ردود الأفعال، التكيف والعلاقة السببية والتي تختلف عن النظم الفيزيائية البحتة. يبقى أن نرى ما إن كان من الممكن تفسير التعقيدات الإضافية للأنظمة البيولوجية من خلال التوسع في وجهات النظر المستوحاة من الفيزياء مثل نظرية المعلومات. قد يصبح الأمر أن دراسة علم الأحياء والنظم المعقدة بشكل عام، سوف تتقدم في يوم من الأيام إلى أسئلة صعبة بشكل لا يمكن التغاضي عنه – أو ربما فإن إعادة صياغة الأسئلة بطريقة ذكية سيؤدي إلى القضاء على التحديات الحالية. قد يظهر هذا الطريق إجابات أسهل، كما فعل تشارلز داروين عندما أعاد صياغة الأسئلة حول أصل وتنوع الحياة في مفاهيم الانتقاء الطبيعي والتباين.

تعقيد النظم مُقاس على محورين: 1) التفاصيل والدقة المطلوبة للتوصيف العلمي. 2) عدد الآليات التي يتم دمجها في ظاهرة معينة. تطرح أصعب العلوم أسئلة مفصلة حول الأنظمة التي تتكون من العديد من الآليات.

في مقالته «More Is Different» عام 1972، سلط الفيزيائي «فيليب أندرسون» الضوء على أخطار محاولة تصغير كل شيء إلى المستوى المجهري. وركز بدلا من ذلك على الفروقات في التعقد بين مختلف مستويات الظواهر الطبيعية – مثل الانتقال من ميكانيكا الكم إلى الكيمياء. ومع ذلك، غالبًا ما يتغاضى القراء عن حجته القائلة بأن النظريات الفعالة يجب أن تستند على وحدات البناء التي تشرح الآليات الأساسية لنظام ما – حتى لو كانت وحدات البناء هذه عبارة عن كيانات كبيرة الحجم أو متوسطة الحجم نسبياً.

وبناءً على هذا المنظور الأخير، فإن جدالنا هو أننا لا نعرف ما إذا كانت الثقوب السوداء أبسط من الغابات. ولا يمكننا أن نعرف، إلا عندما يكون لدينا نظرية عامة فعالة تشرح وجود الغابات أو عندما نتمكن من ملاحظة أكثر حركيات انهيار وتبخر الثقب الأسود تفصيلاً. لا يمكن التصريح بالتعقد النسبي دون تحديد دقيق لنوع الأسئلة التي نسألها لكل نظام. من المحتمل أن تكون هناك أنواع معينة من التساؤلات حيث تصبح معرفتنا بالأمور صعبة، ولكن في أغلب الأحيان يرتكز الأمر على الأسئلة التي نطرحها أكثر من الأنظمة نفسها.

لذلك يمكن للفيزياء أن تكون صعبة، ويمكن للبيولوجيا أن تكون سهلة. درجة الصعوبة تعتمد على الأسئلة التي يتم طرحها أكثر من المجال. في علم النظم المعقدة، غالبا ما يتم إحراز تقدم كبير على الحدود بين هذين المنظورين. أحد مسارات النجاح هو حل الأسئلة السهلة أولاً، ثم استخدام إجاباتنا لمحاولة العثور على مبادئ مفيدة عندما يتعلق الأمر بأسئلة ونظريات أكثر تفصيلاً. من الممكن أنه من خلال البدء في طرح الأسئلة السهلة، أن نتمكن ببطء من «بناء» طريقنا للأشياء الصعبة. أو في الاتجاه المعاكس، فإن رصد التشابه الغريب بين الظواهر عبر التخصصات قد يحثنا على البحث عن آليات ومبادئ جديدة تمامًا. سيتطلب هذا في بعض الأحيان منظورًا أقل تفصيلاً وأكثر تجريدًا – وهو ما يناقشه زميلنا «جون ميلر» في كتابه «نظرة أولية على الكل» (2016)، نقلاً عن عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل «موراي جيل-مان». هذه النظرات الأولية – التي يدفعها بُعد الفيزياء، وتحجبها الألفة مع البيولوجيا- يجب أن تعطي الكثير من الأفكار العميقة والتبسيطات للعلوم في السنوات القادمة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *