أسرار ولاء المشجعين لفرقهم في المكسب والخسارة

الانتماء غير المشروط | لماذا نشجع الفريق نفسه في المكسب والخسارة؟

بعد موسم طويل من الهزائم لفريقك، بدأ الموسم الجديد من الدوري وأنت تتطلع لتعويض الهزيمة، تنتظر المباراة الأولى على أحر من الجمر، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويُهزم فريقك من جديد، فتجد نفسك مدافعًا عن الفريق، مواجهًا لكن من يسخر من فريقك، بل وربما تخرج في اليوم التالي مرتديًا شعار النادي أو قميصه. 

إنها قصة الملايين من مشجعي الرياضة حول العالم، قصة الانتماء غير المشروط لفريق بعينه، بعيدًا عن حسابات المكسب والخسارة والألقاب والكؤوس، قصة حب المشجع لفريقه، التي نستعرض أسبابها في هذا المقال. 

لماذا تستمتع وتغمرك الإثارة عند تشجيع فريقك المفضل؟

تتحكم الهرمونات في الكثير من انفعالاتنا، كما تحفز أفعالنا إفراز هرمونات بعينها في المواقف المختلفة، فمثلًا عندما تشعر بالتوتر، يرتفع مستوى هرمون الكورتيزول في الدم ليساعدك على مواجهة الموقف، وعندما تشعر بالحب فإن هرمون الدوبامين يشعرك بالسعادة والحميمية، كذلك الحال عندما تشاهد مباراة لكرة القدم مثلًا. 

لماذا نشجع فريقنا المفضل في كل الأحوال؟ 

قد يرى البعض أن مشجعي الفرق الفائزة هم فقط من يستمتعون بمشاهدة المباريات، ولكن يمتد أثر التشجيع لما هو أبعد من مجرد الاستمتاع، فالانتماء لفريق بعينه يعزز من احترام الذات ويجعل المرء أكثر سعادة، بغض النظر عن الفوز أو الهزيمة. 

قبل كل مباراة، تتساوى احتمالات الفوز بالهزيمة، وندرك تمامًا أن نسبة الخسارة لا تقل عن 50%، ومع ذلك نستمر في المتابعة بنفس الشغف والرغبة في الفوز، بل ولا نرى أحيانًا سوى هذه الرغبة المدفوعة بالانتماء لفريقنا المفضل. 

يرتبط المشجعون عادةً بفريقهم برابطة نفسية قوية، فيشعرون وكأنه جزء لا يتجزأ من شخصيتهم، ولذلك لا يهتم المشجع الحقيقي بحسابات الفوز والخسارة، فالأمر أكبر من خسارة مباراة أو ضياع كأس، فنجد الكثير من الأندية الجماهيرية التي لم تفز ببطولة واحدة لعشر سنوات أو أكثر، ومع ذلك تمتد شعبيتها ولا يتوقف مشجعوها عن مساندة الفريق في كل الأوقات. 

اقرأ أيضاً  المباني الخضراء| مستقبل أفضل لمباني صحية صديقة للبيئة

لماذا قد نشجع فريقًا دائم الخسارة؟

قد لا يعبر مصطلح الانتماء غير المشروط عن فئة معينة بقدر مشجعي الفرق الخاسرة، ومع ذلك يرى البعض أن الانتماء وحده غير كافٍ لتجاوز مشاعر الخسارة والاستمرار في دعم الفريق تحت كل الظروف، ما دفع المتخصصون للبحث عن أسباب أخرى تجعلنا نشجع الخاسر حتى لو امتد الأمر لسنوات. 

في دراسة أجريت عام 2019، كشفت أن مشاهدة مباريات كرة القدم مع مشجعين آخرين لنفس الفريق تساعد في تخفيف الآثار النفسية السلبية للخسارة، وأضاف الباحثون أن مشاركة الألم في هذه اللحظات يحمي المشجعون من فقدان الثقة بأنفسهم وفريقهم، وبذلك نرتبط اجتماعيًا بالفريق. 

يلبي تشجيع فريق بعينه حاجتنا البشرية للانتماء، فيقربنا ممن لهم نفس اهتماماتنا وأفكارنا ومشاعرنا، فلا نشعر بالوحدة في وجودهم، كما نتلقى منهم الدعم في الأوقات العصيبة ونشاركهم السعادة في أوقاتنا الرائعة، ما يرتبط عادةً بزيادة الثقة بالنفس والتمتع بصحة نفسية أفضل. 

يرى دكتور "إدوارد هيرت" أستاذ العلوم النفسية والدماغية بجامعة إنديانا أن مشجعي الفريق الخاسر يحزنون بشدة للخسارة، ولكنهم يعودون سريعًا للتشجيع بحثًا عن الفوز، فهناك ما يدفعهم دومًا لمواصلة التشجيع ومتابعة المباريات، حتى مع العلم بأنهم سيخسرون، وهو ما وصفه "هيرت بالولاء والالتزام. 

كما يميل بعض المشجعون لإلقاء اللوم على الظروف المختلفة والمحيطة بالفريق، فقط ليتأقلموا مع الخسارة ويتعاملون معها كحدثٍ طارئ يرتبط بعوامل معينة، ولا يلبث أن ينتهي بزوالها، فيؤمن الكثيرون من مشجعي الفرق الخاسرة بأن أرضية الملعب أو الحكام أو ضعف إدارة الفريق هي السبب وراء الخسارة، وأنهم قادرون دومًا على تحقيق الفوز، فقط إذا اختفت هذه المعوقات.

الانتماء أهم من الفوز

يرى بعض الباحثون أن الانتماء لفريق بعينه يندرج ضمن الروابط طويلة الأمد والقوية للغاية، ما يجعله في مكانة أحد أفراد الأسرة، الذين لا يمكن الاستغناء عنهم، حتى مع معرفتنا الكاملة بعيوبهم، فنحن نتغاضى عن إخفاقاتهم ونتعايش مع نواقصهم فقط ليبقوا بالقرب منا، ولذلك قد نغفر للفريق خسارته ونتعايش مع الهزيمة فقط لنحافظ على ما يمثله الفريق لنا. 

اقرأ أيضاً  الدروس التي تعلمها بيل جيتس من فيروس كورونا

في دراسة عام 1998، وجد الباحثون أن مشجعو الفرق الفائزة غالبًا ما يربطون ولائهم للفريق بالأداء في الملعب والفوز وتحقيق البطولات، في حين ربط مشجعو الفرق الخاسرة ولائهم بجوانب أخرى في الفريق، مثل ولعهم بلاعب معين أو شعورهم بضرورة مساندة الفريق في الأوقات العصيبة. 

لكن الآن، وفي ظل عالم الاحتراف، أصبح من الصعب ربط الانتماء بالفريق بحب لاعب بعينه، فالكل عرضة للرحيل، ومن يلعب في صفك الآن، قد يلعب في الفريق المنافس غدًا، ولذلك يفضل مشجعو الفرق الخاسرة حاليًا تبني استراتيجيات أخرى للحفاظ على انتمائهم للفريق رغم الخسارة المتكررة.

يميل بعض الباحثون للربط بين الإيمان بممارسة بعض الطقوس وتبرير سلوكيات مشجعو الفرق الخاسرة، حيث تُعد هذه الطقوس جزءًا لا يتجزأ من متعة مشاهدة الرياضة، فالعديد من مشجعو كرة القدم أو غيرها من الرياضات يؤمنون بطقوس معينة يمارسونها قبل كل مباراة، كأن يجلسوا في مكان معين أو يشاهدوا المباراة مع أشخاص بعينهم أو يرتدوا زيًا خاصًا. 

إضافةً إلى ذلك، فإن العديد من المشجعين يعتقدون أن ممارسة هذه الطقوس يمكن أن يؤثر في النتيجة، وكلما زاد ارتباط الجماهير بفريقها، زادت احتمالية تمسكهم بهذا الاعتقاد. يفسر الباحثون هذه الظاهرة برغبة المشجعون في الشعور بالسيطرة على مجريات الأمور، وإيجاد مبررات مقنعة -من وجهة نظرهم- للهزيمة إن حدثت.

في النهاية، قد يتعرض البعض منا للخسارة وقد لا يفوز فريقنا المفضل لأعوام وأعوام، ولكن يظل الانتماء دافعًا للمزيد من الأمل، وتظل أناشيد ولافتات روابط التشجيع، وصور الجماهير وهي تملئ المدرجات، أحد أجمل مشاهد كرة القدم، وبين كل الشعارات تبقى شعارات مشجعو الفرق الخاسرة هي الأكثر تفاؤلًا وإثارة للاهتمام على الإطلاق. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
12
Share