fbpx

كيف للطباعة ثلاثية الأبعاد أن تساعد في تطوير الجراحات؟

تعمل التكنولوجيا على توفير نماذج أكثر واقعية من الأعضاء لمساعدة الأطباء على ممارسة العمليات الجراحية.

يمكن أن تساعد  نماذج أعضاء الجسم المطبوعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد - مثل فص الكبد الصناعي الموضح بجوار الفص الطبيعي- الأطباء في تخطيط وممارسة العمليات الجراحية مثل عمليات زرع الأعضاء.

ما تراه في الصورة أعلاه هما فصين من الكبد، على اليمين فص من لحم ودم، تم الحصول عليه من متبرع، أما يسارًا نجد قطعة مصنوعة من البلاستيك لتمثيل القنوات الصفراوية والشرايين والأوردة، بُنيت بإضافة طبقة تلو الأخرى، بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد. الهدف من هذه التقنية: مساعدة الجراحين على التخطيط وممارسة الجراحات المعقدة، وتدريب الجراحين الجدد باستخدام أجهزة محاكاة تستجيب كما قد يفعل المريض.

يتنقل الجراحون بين  التضاريس التشريحية المعقدة مع تحكمهم بالمشرط وقطب الجراحة ليقطعوا ويخيطوا بدقة وسرعة. تصبح مهمتهم أكثر صعوبة بسبب حقيقة أن الصفات التشريحية البشرية ليست موحدة لدى كل المرضى. للاستعداد بشكل صحيح، يستخدمون بشكل روتيني صورًا ثنائية الأبعاد من التصوير المقطعي المحوسب (CT) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للتخطيط للجراحة. لكنهم يتجهون بشكل متزايد إلى النماذج ثلاثية الأبعاد الواقعية التي تُصمم خصيصًا لكل مريض.

تستخدم هذه النماذج بالفعل لتثقيف المرضى، وللقيام بالتدريب العام وللتخطيط والتدرب على العمليات الجراحية الصعبة. ولكن في المستقبل، يمكن أن تصبح النماذج ثلاثية الأبعاد سواء كانت حقيقية أو افتراضية، أدوات روتينية لتدريب الجراحين أو التخطيط المسبق للعمليات الجراحية.

من ثنائية الأبعاد إلى ثلاثية الأبعاد

للطباعة ثلاثية الأبعاد أسس، يجمع الباحثون أولاً بين العديد من الشرائح الرقمية ثنائية الأبعاد المتتالية من عمليات التصوير المقطعي المحوسب أو التصوير بالرنين المغناطيسي في خريطة طبوغرافية تسلط الضوء على الهياكل المعقدة في مستويات مختلفة من العضو. تقوم الطابعات بعد ذلك ببناء النماذج، طبقة تلو الأخرى - تستخدم أحيانًا الطابعات نافثة الحبر لإيداع قطرات من الراتينج التي تثبت في مكانها عن طريق تسليط الأشعة فوق البنفسجية، أو عن طريق قذف شرائط البوليمر التي تتصلب بمجرد إطلاقها. 

تم تطوير هذه التقنية لأول مرة في الثمانينيات، عندما كانت هذه الطابعات باهظة الثمن، غير منضبطة، وكانت المواد محدودة. ولكن في السنوات القليلة الماضية، جعلتها التطورات في متناول الجميع حتى بالنسبة للمستخدمين المنزليين.

وقد مكّنت التطورات في البرامج وطرق الطباعة العلماء والمهندسين من طباعة مزيج معقد من الألوان والقوام بدقة عالية، وبالتالي إنشاء نماذج أعضاء أكثر دقة وواقعية، على النحو المبين في مقال نشر عام 2018 بدورية Annual Review of Analytical Chemistry.

تم إنشاء هذه الكلية الاصطناعية التي تحوي ورمًا في قالب مطبوع ثلاثي الأبعاد. بصب هلام مائي ( هيدروجيل) في قوالب ينتج العضو بخصائص واقعية للعضلات والدهون أو الأنسجة الأخرى.

فكر نزار زين طبيب الجهاز الهضمي في عيادات "كليفلاند كلينك" في فكرة طباعة نماذج الأعضاء لأول مرة في عام 2012 بعد أن قرأ عن الأشخاص الذين يبنون منازلًا بطابعات ثلاثية الأبعاد، وعن الاستخدامات المحتملة للتكنولوجيا في استكشاف الفضاء. وتساءل عما إذا كانت هذه الطريقة يمكن أن تجعل عمليات زرع الكبد من متبرعين أحياء أكثر أمانًا.

يحتوي كل كبد على شبكة فريدة ومعقدة من الشرايين والأوردة والقنوات الصفراوية، ويمكن أن يؤدي القطع في غير محله إلى مضاعفات تصل للموت، سواء في المتبرع أو المتلقي. لذلك قام زين بتجميع فريق من الأطباء وخبراء التصوير والمهندسين ومصممي البرمجيات لإنتاج كبد مصمم خصيصًا للمريض، وطباعته من مواد صمغية لإرشاد الجراحين خلال العملية الجراحية.

يتذكر زين قائلاً "كان النموذج الأولي سيئًا مثل طفل يلعب بالصلصال، كان حجمه أقل من ثلاثة أرباع حجم الكبد الحي، ولم يكن شفافًا بالكامل وافتقر إلى رموز الألوان لأنواع الأنسجة المختلفة".

يضيف زين متذكراً: لكنه كان واعدًا بما يكفي ليعرضه على زملائه الجراحين أثناء مناقشة حالة شديدة الدقة عانى خلالها متبرع بالكبد من مضاعفات خطيرة في غرفة العمليات. قال أحد هؤلاء الجراحين، إنه لو تواجد مثل هذا النموذج ربما كان سينقذ المتبرع".

حسّن زين نموذجه، وفي عام 2013 بدأ في دراسة كيف يمكن لنموذج الكبد بالحجم الطبيعي ثلاثي الأبعاد، بالإضافة إلى المسح ثنائي الأبعاد، أن يغير الطريقة التي يخطط بها الجراحون للعمليات. أظهرت دراسة أولية صغيرة أن نماذجهم تتطابق مع الأعضاء الحية من حيث التشريح والشكل. تم استخدام نماذج زين وفريقه في أكثر من 20 عملية جراحية. يقول زين إنه في كثير من الحالات، أدى النظر إلى النموذج إلى قيام الجراحين بتغيير طريقة قطعهم للعضو، وفي إحدى الحالات قاد الجراحين إلى استنتاج أن المتبرع لم يكن مناسبًا.

واصل فريق زين طباعة نماذج ثلاثية الأبعاد لأورام الكبد المعقدة لفهم كيفية ارتباطها بالعضو، وبالتالي توجيه التخطيط الجراحي. يقول زين: "كلما عرفنا مقدمًا عن تشريح المريض وتركيباته، كانت الجراحة أفضل".

النماذج اللينة النازفة

يمكن أن تساعد نماذج الأعضاء أيضًا في تدريب الأطباء، فكر طبيب المسالك البولية أحمد غازي من جامعة روتشستر في بناء نماذج واقعية للكلى من شأنها أن توفر طريقة فعالة لمحاكاة العمليات الجراحية. يقول غازي: "أردت فقط شيئًا يشبه الكلية التي تنزف". غالبًا ما يواجه جراحو الكلى مهمة صعبة عند إزالة الأورام من العضو المليء بالأوعية الدموية، وقد يكون أمامهم 30 دقيقة فقط لإكمال عملهم قبل أن تبدأ أنسجة الكلى -التي تم ربطها وفصلها من الدورة الدموية- بالموت.

يتم إنشاء بعض نماذج الأعضاء الاصطناعية  بحيث "تنزف" كما يفعل العضو الحقيقي أثناء الجراحة.

لبناء نموذج للكلى، قام فريق غازي بمحاكاة طبقات الدهون والأمعاء والأنسجة الأخرى في تجويف يشبه تجويف البطن، تمامًا كما لو كانت موجودة داخل المريض. يقول غازي: "الجراح قادر على إجراء العملية من البداية إلى النهاية". لقد صنع هو وزملاؤه نماذج عامة للتدريس بالإضافة إلى نماذج من عمليات مسح المرضى لمحاكاة عمليات جراحية محددة. اختبر غازي هذا النظام مع خمسة خبراء وعشرة جراحين مبتدئين في عملية شائعة وصعبة لتفتيت حصوات الكلى الكبيرة. وجد الخبراء أن النموذج واقعي للغاية، واتفق المبتدئين بالإجماع على أنه من المفيد التدرب على هذه النماذج قبل الجراحة.

بحثت نيكول ويك، خبيرة التصوير الطبي الحيوي، التي تعمل الآن في كلية ألبرت أينشتاين للطب في مدينة نيويورك، في كيفية تأثير نماذج الكلى على التخطيط للجراحة. في دراسة أجريت عام 2017، طلبت هي وزملاؤها من ثلاثة جراحين ذوي خبرة مراجعة عشر عمليات جراحية معقدة مختلفة للكلى. قاموا أولاً بمراجعة الصور ثنائية الأبعاد من المرضى ووصفوا خطتهم الجراحية. بعد أسبوع أو أكثر، كرروا التمرين بنموذج ثلاثي الأبعاد. في جميع الحالات قام أحد الجراحين على الأقل بتغيير استراتيجيته - تغيير كيفية الوصول إلى العضو أو تثبيته، على سبيل المثال - وأبلغ عن ثقة أكبر في خطته.

مواد تصنع النماذج

يقول زين: "في بناء نماذج الأعضاء ثلاثية الأبعاد، يعتمد اختيار المواد على الغرض من استخدامها". يعد البلاستيك الصلب أرخص سعرًا ويناسب التصوير ثلاثي الأبعاد البسيط حيث يريد الأطباء التركيز على الخصائص المرئية - مثل شكل الورم، على سبيل المثال، أو المسارات المنحنية للأوعية الدموية أو القنوات.

في حين تعد المواد الأسفنجية والأكثر مرونة بما في ذلك السيليكون والبلاستيك اللين والهلاميات المائية أكثر واقعية. يمكن أن تحاكي مطاطية تلك المواد الخصائص الميكانيكية للأنسجة الحية، مما يوفر عضوًا تدريبيًا يمكن للجراحين فتحه، وقياس عرض وعمق عمليات القطع اللازمة لإزالة الأورام وتوجيه الإصلاحات. يمكن أن تتضمن النماذج الأكثر ليونة أيضًا ميزات أخرى، مثل مستشعرات الضغط، والتي تمنح الجراحين مزيدًا من المعلومات أثناء تحضيرهم للجراحة.

ابتكر غازي وزملاؤه مجموعة من النماذج ذات النسيج المغزول. بدلاً من طباعتها مباشرةً، يستخدم الفريق الطابعة ثلاثية الأبعاد لإنشاء مجموعة من القوالب التفصيلية. ثم يقومون بحقن هلاميات مائية محددة - وهي مواد بلاستيكية تحتوي على 70 في المائة من الماء في تركيبتهم- والتي يتم ضبطها للاستجابة مثل العضلات أو الدهون أو الأوعية الدموية، حتى أنها تحتوي على سوائل بحيث يؤدي تقطيع الأوعية الدموية أو القنوات الأخرى إلى جعل الأعضاء تنزف أو تتسرب كما يحدث في العمليات الفعلية.

أنتج المهندس الميكانيكي مايكل ماك ألبين من جامعة مينيسوتا نماذج لأعضاء البروستاتا تحاكي الخصائص الميكانيكية للأنسجة كأدوات تدريب للجراحين. استخدم فريقه عينات من البروستاتا أُزيلت من مرضى السرطان لاختبار خصائص مثل الثبات والمرونة. قام الفريق بنسخ هذه الخصائص عن طريق ضبط المكونات الكيميائية لحبر السيليكون لتغيير عدد الروابط التي تصنعها البوليمرات بين السلاسل، مما يجعل النماذج أكثر نعومة أو صلابة.

قاموا كذلك بتجهيز نماذج البروستاتا بأجهزة استشعار مطبوعة وحساسة للضغط مصنوعة من الهلاميات المائية والسيليكون المطاطي. يمكن لأجهزة الاستشعار قياس القوة المستخدمة بواسطة المناظير أو المقص الجراحي، مما يوفر للأطباء معلومات مفيدة قبل دخولهم غرفة العمليات.

يمكن تزويد نماذج البروستاتا المصنوعة بالطابعات ثلاثية الأبعاد بأجهزة استشعار حساسة للضغط تسمح للجراحين بالتدرب على مواد ذات إحساس يشبه المكونات الحية أثناء تدريبهم على العمليات الجراحية.

من المادية إلى الافتراضية

لا يوجد تقدير واضح لعدد المستشفيات الأمريكية التي تطبع نماذج ثلاثية الأبعاد للأعضاء. يقول ويليام ويدوك، اختصاصي الأشعة بجامعة ميشيجان ورئيس مجموعة الطباعة ثلاثية الأبعاد في جمعية الطب الإشعاعي لأمريكا الشمالية: "أظن معظم المستشفيات المتوسطة إلى الكبيرة تحاول تجربتها على الأقل".

يمكن للمراكز الطبية المزودة بالمعدات والخبرة الآن طباعة بعض أنواع نماذج الأعضاء، مقابل ما لا يزيد عن بضع مئات من الدولارات يمكن طباعة نموذج بلاستيكي صلب. وتطرح شركات مثل لازاروس 3D Lazarus- 3D وماتيريليز- Materialize الآن إنتاج نماذج أعضاء بناء على بيانات الأشعة. لكن الهيئات التنظيمية وشركات التأمين الصحي ما زالت تحاول مواكبة هذه التكنولوجيا.

تمت الموافقة على حزمة برمجية واحدة فقط من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، أنتجت البرمجية شركة ماتيلريليز Materialize، وتقوم بإنتاج ملفات الطباعة لتُستخدم في تشخيص المرضى. لا تدفع شركات التأمين مقابل مثل هذه النماذج المصممة للمريض.

قد تتحول نماذج الأعضاء المطبوعة إلى نقطة انطلاق نحو نماذج حاسوبية غامرة تستخدم الواقع المعزز حيث يستخدم الجراحون سماعات الرأس والأدوات الأخرى للنظر إلى نماذج افتراضية ثلاثية الأبعاد، وتعديلها. في الأصل، أراد غازي أن يبدأ عمله بهذه الطريقة، لكنه سرعان ما انتقل إلى النماذج المادية: " ليس من الممكن بعد يمنحك قطع شيء افتراضيًا الشعور الدقيق للقطع، أو معرفة مقدار الدم الذي قد ينزف إذا جُرح في مكان واحد أو آخر". في الوقت الحالي، يعمل غازي مع شركات الواقع الافتراضي - حيث يقدم نماذج مادية كأدوات واقعية لتساعد في تطوير برمجيات للعمليات الجراحية الافتراضية.

بمرور الوقت، يمكن أن تصبح ممارسة العمليات الجراحية باستخدام التصوير ثلاثي الأبعاد - سواء كان ذلك عبر الواقع المعزز أو النماذج المادية المطبوعة - هو القاعدة وليس الاستثناء، كما يقول ماك ألبين. "أعتقد أن هذا سيصبح أمرًا روتينيًا للغاية."

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share