fbpx
التكنولوجياالعلوم

تخصص المعلوماتية الحيوية وتطوره فى مصر

“أنتَ من تنشئ عملك الخاص” بهذه المقولة ختم الدكتور محمد الحديدي مقابلتي معه، هذا الشاب الطموح الذي تخرج من قسم التكنولوجيا الحيوية (Biotechnology) بكلية الزراعة – جامعة القاهرة عام 2006، حيث بدأت رحلة كفاحه في الحياة إلى أن أصبح الآن أستاذ مساعد في تخصص المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics)، ومسئول عن مجموعة بحثية فى نفس المجال بجامعة النيل.

ورغم صغر سنه فهو أيضًا مسئول عن برنامج في نفس التخصص يقدم شهادة الدبلومة لطلبة الدراسات العليا، كما أنه مسئول عن برنامج البكالوريوس لقسم المعلوماتية الطبية الحيوية (Biomedical Informatics) في نفس الجامعة، ومع كل تلك المناصب والنجاح، فإنه لم يتجاوز الـ36 من العمر، ونشر 17 بحث علمي في عدة مجلات علمية عالمية مثل (PLoS computational biology)، أحد أبحاثه تم الاستشهاد بها في حوالي 630 بحث آخر.

ما هو علم المعلوماتية الحيوية؟

 

علم المعلوماتية الحيوية (Bioinfomratics) هى كلمة مكونة من جزئين الجزء الأول (BIO) وهى تشمل كل ما يخص علوم الأحياء بشكل عام، والجزء الآخر (INFORMATICAS) وهو ما يشمل التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات وتحليلها.
لكى تستطيع فعل هذا، يجب على متخصص المعلوماتية الحيوية أن يكون دارس لأساسيات العلوم الحيوية وأساسيات البرمجة ومبادئ الإحصاء وتحليل البيانات. 

المعلوماتية الحيوية في مصر

فمجال المعلوماتية الحيوية يتعامل بشكل مباشر مع كمية كبيرة من البيانات، و تحديدًا البيانات الحيوية مثل جمع معلومات عن الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) والذي يختلف تتابع جيناته من شخص لآخر، أو جمع المعلومات عن الحمض النووي الريبوزي (RNA)، والذي يُستخدم في عمليات صنع البروتينات في جميع الخلايا الحية، فيمثل المرحلة الانتقالية بين الـDNA والبروتين، كما أنه يحمل المعلومات الوراثية للعديد من الفيروسات.

لأنه على عكس الحمض النووي المزدوج، يتكون الحمض النووي الريبي من شريط واحد من النيوكليوتيدات وهي وحدات بناء الأحماض النووية، وللتبسيط يمكن أن نصفه كأنه وسيط يترجم مجموعة من الشفرات الجينية لكى يفهمها جسم الكائن الحى ويحولها إلى بروتينات تستفيد منها خلايا الجسد، كما تتضمن المعلوماتية الحيوية جمع المعلومات والبيانات عن أشكال البروتينات المختلفة في مختلف الكائنات الحية وكيفية تأثير كل منها على الاستجابة للعلاج أثناء المرض على سبيل المثال.

لكن جمع المعلومات ليس الاهتمام الوحيد لهذا المجال، فبعد جمع المعلومات الهائلة – والتي قد تصل لمئات الجيجابايت، وهذا هو مفهوم علم الـ(Big Data) – يأتي الاهتمام الثاني لمجال المعلوماتية الحيوية، وهو تحليل وفهم هذه البيانات لكي تكون ذات فائدة. لأن فهم مثل هذا الكم من البيانات سوف يساعد في إيجاد علاجات لأمراض مزمنة وخطيرة بشكل أسرع بتكلفة أقل من إيجاد هذه العلاجات عن طريق التجربة العملية فقط، إذ أن هذا يحدث عن طريق حواسيب وأجهزة متقدمة كي تستطيع استيعاب هذا الكم الهائل من البيانات. بهذا نقلل من عدد التجارب على حيوانات المختبرات وعدد التجارب السريرية والتي تستغرق وقت طويل وتحتاج إلى كثير من المال، كما أن لها تأثيرات سلبية عدة وبعضها يخالف القوانين الأخلاقية، وكل هذا حتى أن نصل لعلاج واحد فعال!

إن مجال المعلوماتية الحيوية يستدعي أن يكون طلابه على علم بلغات البرمجة المختلفة مثل(Python – R – Java – Perl) وغيرها، ليتمكنوا من بناء قواعد البيانات وتطوير البرامج التي تستخدمها الحواسيب لتخزين  وتحليل وعرض البيانات، كما ينبغي على نفس الطالب أن يكون على قدر كبير من المعرفة بالعلوم البيولوجية ليستطيع أن يطور البرامج الحاسوبية بالمفاهيم البيولوجية المضبوط التي تحاكي ما يحدث داخل أجسام الكائنات الحية والتي في النهاية سوف تساعد على تقليل مراحل وتكلفة التجارب المعملية.

تطبيقات المعلوماتية الحيوية

أما تطبيقات هذا المجال فهى متعددة، لكن من أهمها المجالات الطبية المختلفة مثل معرفة الجينات المتسببة في بعض الأمراض الوراثية والتوصل لطرق مبتكرة وجذرية وعلاجها، أو إيجاد علاجات فعالة لفئة معينة من البشر أكثر من فئة أخرى، لأن بسبب اختلاف الحمض النووى تختلف استجابة البشر للأدوية، وهذا يُعرف بالطب الشخصي (Personalized Medicine)، أيضًا تُستخدم تقنيات المعلوماتية الحيوية في المقارنة بين الخلايا السليمة والخلايا السرطانية من حيث الجينات والبروتينات التي تنتجها كلًا منهم لمعرفة الأسباب التي أدت إلى نشأة الخلايا السرطانية والتوصل لعلاجات فعالة لهذا المرض الفتّاك، كذلك يمكن استخدام المعلوماتية الحيوية في علوم الأحياء الدقيقة والأمراض المعدية والأوبئة والطب الوقائي للتوصل إلى سبب حدوث وباء ما  من خلال معرفة تتابع الحمض النووي الخاص بالكائن الذي يسبب الوباء أو المرض وبالتالي تحديد أساليب التحكم فيه والوقاية منه.

غير أن هذا المجال لا يقتصر على التطبيقات الطبية فقط كما يعتقد معظم الناس، فهناك تطبيقات فى مجالات أخرى، منها مجال الزراعة وكأمثلة على تلك التطبيقات معرفة الجينات المسؤولة عن صفات مهمة في النباتات كتحمل الملوحة والجفاف والحرارة ومقاومة الآفات والأمراض المختلفة وزرع هذه الجينات في المحاصيل التي تفتقر إلى هذه الصفات من خلال تطبيقات التعديل الجيني وذلك للتحسين من جودتها وزيادة إنتاجية بعض المحاصيل الزراعية.

كما للمعلوماتية الحيوية تطبيقات هامة في مجال الصناعة مثل اكتشاف الجينات المسؤولة عن إنتاج الإنزيمات التي لها قيمة في بعض الصناعات كصناعات المواد المُنظفة والأدوية والمستحضرات الطبية، وتُستخدم في تحسين الإنتاج الصناعي لبعض الأطعمة المُصنعة مما يحسن من جودتها وإنتاجيتها. 

هذه فقط بعض من المجالات التي يمكن أن تستفيد من مجال المعلوماتية الحيوية، كما يمكن أيضًا إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطوير هذا المجال بشكل أكبر لأنهما مبنية بالأساس على البرمجيات.

أهمية مجال المعلوماتية الحيوية

التخصص الذي تخرج منه الحديدي من جامعة القاهرة كان في مجال “التكنولوجيا الحيوية”، فيقتصر شغله الأساسي على تواجده في المعمل مثل حال أغلب طُلاب العُلوم  في مصر والتعامل مع المواد الكيميائية والخلايا الحية المختلفة، ليتم إيجاد مواد قد تكون دواء فعال أو تعدل في جينات كائن معين بغرض تحسينه أو اكتشاف طريقة أفضل لتشخيص الأمراض.

فلماذا قد يهتم أصحاب التخصصات العلمية والطبية والصيدلانية بمثل هذا المجال؟

“بناءً على حديثي مع الحديدي، لقد كان الحديدي يدرس بعض لغات البرمجة بشكل مستقل أيام الجامعة لدواعي الشغف وحب التعلم، إلى أن تخرج وبدء العمل في إحدى المعامل.

عمل على نباتي القمح والشعير، حيث كان يحاول نقل أحد جينات الشعير التd تساعده على مقاومة الجفاف والملوحة والتكييف مع التغيرات المناخية المختلفة إلى نبات القمح كي يصبح هناك جيل من القمح مقاوم للتغيرات المناخية مثل الشعير فنستطيع زرعه بشكل أكبر، وهذه التجربة كانت تتم في أحد الأراضي بمركز البحوث الزراعية بالقاهرة كي يستطيع زرع القمح الخاص به ويستخدمه في هذه التجربة.

ولكي تتم التجربة يجب أن تتم عملية النقل في مرحلة معينة من السنة لجنين القمح، وبسبب بعض الظروف المناخية، جنين القمح تخطى هذه المرحلة أسرع من المتوقع بكثير فى وقت كان الحديدي مسافرًا فيه واكتشف هذا عند عودته وبناءً على حساباته لم يكن من المفترض حدوث هذا، وعندها تسائل، ما العمل؟

 وفوجئ أنه يجب أن ينتظر عامًا كاملًا لاستكمال التجربة.

هذا شيء وارد الحدوث في تجارب المعامل، لهذا تأخذ وقت ومجهود ومال كثير بجانب توفير المعدات اللازمة للتجربة.

انتشار مجال المعلوماتية الحيوية فى مصر

تم تواجد مجال المعلوماتية الحيوية فى مصر من فترة ليست بالبعيدة، وتطور بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

فمن التطورات الملحوظة في المجال كانت بداياتها فى جامعة النيل حيث كان هناك فريق بحثي يعمل على المجال في فترة ما قبل ثورة 25 يناير 2011، و بعد الثورة توقف هذا الفريق عن العمل نظرًا لظروف البلاد وبعد ذلك بدأت بعض الجامعات المصرية بالاهتمام بهذا المجال في الدراسات العليا والمرحلة الجامعية بطرق ومناهج مختلفة، إلى أن أصبح الآن هناك برامج للدراسات العُليا تقدم شهادة الدبلومة متخصصة في مجال المعلوماتية الحيوية في جامعة النيل الأهلية في مصر وكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة عين شمس وكلية الصيدلة في جامعة القاهرة، كما انه أصبح هنالك قسم كامل لدراسة المجال بشكل متخصص أكثر في المرحلة الجامعية في عدة جامعات مصرية.

إن انتشار المجال لم يكن في الجامعات وللطلبة المتخصصين فقط، بل كان هناك ورش عمل عامة للتوعية بالمجال للجمهور غير المتخصص في مصر وكان هناك بعض الورش البسيطة لتعليم أساسيات المجال للهواة والذين يريدون المعرفة المبدئية بالمجال وليس التعمق.

المعلوماتية الحيوية في مصر

فرص العمل فى مصر فى مجال المعلوماتية الحيوية

ملحوظة – ھذا التقریر نشر كجزء من مشاركة الكاتب/ة في ورشة الصحافة العلمیة ومن خلال مشروع “العلم حكایة”، وھو أحد مشروعات معھد جوته الممولة من قبل وزارة الخارجیة الألمانیة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *