fbpx

لماذا نطور مضادًا فيروسيًا لكوفيد خالٍ من براءات الاختراع؟

رأي: خلال الأزمات الصحية العالمية مثل الأوبئة، يجب تمويل اكتشاف الأدوية علنًا وبشكل مفتوح، بلا أسرار بحثية.

يعتبر التطور السريع للقاحات كوفيد-19 انتصارًا علميًا. لكن وصفات صنع هذه اللقاحات هي ملكية فكرية حصرية لشركات الأدوية، مما يعني أن الدول لا يمكنها تصنيع لقاح معتمد بنفسها، مما يحد من توزيعه في جميع أنحاء العالم. لهذا السبب ولأسباب أخرى - مثل مشاكل البنية التحتية الطبية ونقص العاملين المدربين على إعطاء اللقاح - معظم البلدان الفقيرة لن يتم تطعيمها على نطاق واسع حتى عام 2024 على الأقل.

هناك الكثير من المساعي لاكتشاف عقار أو لقاح جديد - حيث يبحث العلماء عن عقاقير جديدة محتملة، تقوم الشركات بتطويرها إلى منتجات آمنة وفعالة - عادةً خلف الأبواب المغلقة. حتى بعد الموافقة على المنتج، تمنع قواعد حماية براءات الاختراع الشركات المصنعة الأخرى من تصنيعه وبيعه. 

في نهاية المطاف، تنتهي صلاحية براءات الاختراع، لكن بعض جوانب العلم المنقذة للحياة وراء تطوير تلك المنتجات الحاصلة على براءة اختراع - مثل العقاقير التي ثبت عدم فعاليتها- غالبًا ما تظل محتجزة إلى الأبد في مخازن الشركات، مما يعيق البحث الذي قد يمنع الأوبئة في المستقبل.

نعتقد أن هناك طريقة أفضل وأكثر إنصافًا لمكافحة كوفيد-19 وأي أوبئة مستقبلية: العلم المفتوح.
يعمل العلم المفتوح وفقًا لمبدأ أنه يجب مشاركة أي نتيجة علمية على الفور، دون قيود على استخدامها. يقول البعض إن العلم المفتوح لن ينجح في تطوير الأدوية، لأنه يزيل الحوافز المالية: بدون وعود حماية براءات الاختراع، كما يعتقدون، لن يتحمل أحد التكاليف والمخاطر لاكتشاف الأدوية الجديدة وتطويرها. نحن لا نتفق مع ذلك.

في مارس 2020، بدأنا مشروع كوفيد مون-شوت COVID Moonshot، والذي نعتقد أنه أول جهد علمي مفتوح لتطوير دواء مضاد للفيروسات. نحن الآن على وشك إيصال مضاد فيروسات فموي فعال ضد سارس-كوف-2  (الفيروس المسبب لـكوفيد-19) إلى العيادات، بدون حماية براءات الاختراع. بمجرد الموافقة على العقار، يمكن لأي شركة مصنعة للأدوية في جميع أنحاء العالم تصنيعها وبيعها دون الحاجة إلى ترخيصها، مما يؤدي إلى انخفاض سعره.

لا ينبغي أن يحدث هذا لمرة واحدة فقط: نعتقد أن اكتشاف العقاقير الفعالة ضد الأوبئة الحالية والمستقبلية عبر سلك طريق العلم المفتوح هو خدمة عامة أساسية - خدمة يجب أن تمولها الحكومات بالكامل لصالح شعوبها.
بدأت الفكرة بتغريدة، في فترة مبكرة من الوباء، نشر عالم الأحياء الإنشائية "مارتن والش"هيكلًا ثلاثي الأبعاد لأحد البروتينات الرئيسية التي يحتاجها فيروس سارس-كوف-2 -  ليتناسخ. كنا نعلم أن هذا البروتين كان هدفًا دوائيًا جذابًا لأنه لا يتحور بسهولة، وهو إن حدث قد يجعل الدواء أقل فعالية. (وفي المقابل، فإن البروتين الشوكي للفيروس الذي تستهدفه اللقاحات والأجسام المضادة العلاجية هي أكثر عرضة للتحوّر) كذلك البروتين المسمى إم-برو (Mpro)، يوجد أيضًا في فيروسات كورونا الأخرى المسببة للأمراض، مما يشير إلى أن أي عقار مضاد للفيروسات يستهدف Mpro لديه فرصة جيدة ليكون فعالًا ضد أوبئة مستقبلية تتسبب بها الفيروسات التاجية (فيروسات عائلة كورونا) في المستقبل.

باعتبار أن الوقت كان العامل الأهم، قررنا التعامل مع اكتشاف الأدوية بطريقة مختلفة تمامًا - من خلال وضع جميع أعمالنا على الإنترنت ومطالبة المجتمع العلمي الدولي بالمساهمة. بدأت الأفكار بالتدفق على الفور، وقدم العلماء في جميع أنحاء العالم أكثر من 17000 عقار محتمل تستهدف بروتين إم-برو Mpro، كل منها يعتمد على الأفكار والبيانات التي أنشأها آخرون.

لقد صنعنا واختبرنا أكثر من 1400 من هذه التركيبات، باستخدام شبكة من المختبرات المتعاونة بما في ذلك معهد وايزمان للعلوم وجامعة أكسفورد ومختبر "Diamond Light Source" لقد دخلنا أيضًا في شراكة مع شركات الأدوية (مثل UCB و Boehringer Ingelheim) ومنظمات الأبحاث التعاقدية (Enamine و Sai Life Sciences) وشبكات الحوسبة (Folding @ home) والمؤسسات الخيرية (DNDi و LifeArc) التي تتبرع بالأيدي العاملة والموارد. هذه حركة شعبية - تعتمد عملية اكتشاف الأدوية خاصتنا بالكامل على جمع الأفكار والتجارب والدعم من المجتمع العلمي.

ترتبط مجموعة متنوعة من المركبات الجزيئية ببروتين إم-برو Mpro، وهو أحد البروتينات التي يعتمد عليها فيروس سارس-كوف-2 للتناسخ. قد يؤدي تصميم دواء يحجب بروتين Mpro إلى إيقاف تناسخ الفيروس.

الآن لدينا أدوية محتملة يبدو أنها تقوم بعمل جيد في مواجهة الفيروس، بالإضافة إلى تمتعها بمجموعة متنوعة من الخصائص الأخرى المطلوبة لعقار يمكن تناوله بسهولة كالحبوب (مثل الوصول إلى مجرى الدم والبقاء فيه). هذا بحد ذاته إنجاز رائع، استغرق أكثر من عام بقليل - وهو وقت قياسي في تطوير الأدوية. عادة ما يستغرق الأمر عدة سنوات للوصول إلى ما وصلنا إليه.

على الرغم من وجود العديد من اللقاحات التي تساعد في حماية العديد من الأشخاص من الإصابة بعدوى كوفيد الحادة، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى مضادات فيروسات فموية التي يمكنها علاج الأشخاص بمجرد الإصابة. تعتبر الحبوب التي يمكن تخزينها في درجة حرارة الغرفة أسهل من اللقاحات من حيث التوزيع والتخزين والتوصيل عالميًا، وتستخدم فقط من قبل أولئك الذين يصابون بالفيروس أو يتعرضون له، ولديها القدرة على قمع الأحمال الفيروسية تمامًا لمنع الأعراض والانتقال.

نحن نعمل حاليًا على تحديد شركاء ممولين لمواصلة الجهود في التجارب السريرية خلال الاثني عشر شهرًا القادمين، ونتطلع إلى الحصول على منح وتبرعات لضمان بقاء أي دواء معتمد خاليًا من براءات الاختراع؛ لقد حصلنا مؤخرًا على منحة بقيمة 8 ملايين جنيه إسترليني (11 مليون دولار) من  مؤسسة "ويلكم تراست Wellcome Trust" لإجراء الدراسات قبل السريرية. إذا نجحت هذه الجهود، نعتقد أن هذه ستكون المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها تطوير عقار سريري من الصفر اعتمادًا على الدعم الجماعي.

خلال الأزمات العالمية مثل وباء مميت، يجب أن يتم تطوير الأدوية بهذه الطريقة. يبدو أن المجتمع قد قرر بشكل جماعي أنه لا ينبغي للحكومات دعم الجهود المالية لاكتشاف عقاقير جديدة، حتى في الأمور ذات الأهمية القصوى للصحة العامة. نشتري أدويتنا من شركات الأدوية التي تتحمل مخاطر وتكاليف اكتشاف الأدوية وتطويرها وما يرتبط بها من إخفاقات، وفي المقابل تفرض أعلى الأسعار التي سيتحملها السوق.

خلال الأوبئة، هذا النموذج الاقتصادي لا ينجح. يبدو أن مركباتنا الأكثر تقدمًا فعالة بنفس القدر ضد الفيروس الذي تسبب في وباء السارس في عام 2003. بعبارة أخرى، لو بحثنا عن مضادٍ فيروسي في عام 2004، لكان بإمكاننا تطوير أدوية قادرة على مواجهة وباء كوفيد-19 منذ أكثر من عقد. لكن لم يكن أي كيان خاص على استعداد للمراهنة على حدوث وباء آخر مرتبط بالسارس خلال عمر براءة الاختراع. لقد كلف فشل السوق هذا العالم ملايين الأرواح وربما تريليونات الدولارات.

ندرك أن تطوير الأدوية ليس رخيصًا - فقد كلف تطوير مضاد الفيروسات تاميفلو   300 مليون دولار. (ومع ذلك، حقق تاميفلو ما يقرب من مليار دولار في ستة أشهر عام 2009). نقدر أننا أنفقنا ما يقرب من مليون دولار على الإمدادات والنفقات الأخرى حتى الآن، وهذا لا يشمل الوقت والموارد التي تبرعنا بها (والتي من المحتمل أن تتجاوز المليون دولار). نقدر أننا سنحتاج إلى 50 - 100 مليون دولار لتمويل التجارب السريرية الكاملة التي ستدعم مضادات الفيروسات الجديدة حتى الحصول على الموافقة، حتى يمكن تصنيعها وتوزيعها.

يساهم اكتشاف العقاقير عن طريق العلم المفتوح بشكل كبير في الصالح العام. على سبيل المثال، كمنتج ثانوي لتأثير اكتشاف الدواء، أنتج كوفيد مون-شوت ما يقرب من 50 في المائة من جميع البيانات الهيكلية المتاحة حول بروتين إم-برو Mpro الخاص بـ سارس-كوف-2  وأتاحها بحرية، إلى جانب ثروة من البيانات الكيميائية الحيوية حول مثبطاته.

يوفر هذا أطلسًا مفصلاً يساعد المهتمين بالأدوية على استكشاف هذا البروتين الرئيسي في فيروس سارس-كوف-2 وسائر فيروسات كورونا ذات الصلة، مما يقلل الوقت الضائع في جهود اكتشاف الأدوية للأوبئة المستقبلية. تحافظ العديد من الشركات على خصوصية هذه البيانات للاحتفاظ بميزة تنافسية، لذلك لا يمكن لأحد أن يتعلم من إخفاقات أي شخص آخر، مما يحكم علينا بتكرار أخطاء بعضنا البعض.

يجب أن تكون الحكومات مسؤولة عن مواجهة التهديدات الكبيرة للمجتمعات. على عكس معظم الأمراض، التي هي شخصية بطبيعتها، فإن الوباء يقطع صميم الحياة المدنية. بمجرد الموافقة على عقار مصمم بالعلم المفتوح، سيكون من الممكن تصنيعه وبيعه بسرعة وبأسعار رخيصة في جميع أنحاء العالم دون حواجز قانونية. فكر كيف سيغيّر هذا الأمور، وما الخدمة العامة التي سيقدمها.

كعلماء، بدأنا مشروع كوفيد مون-شوت على أمل القيام بدورنا لتوفير وصول عالمي منصف إلى الأدوية المضادة للفيروسات. يُظهر تقدمنا ​​أن اكتشاف العقاقير في العلوم المفتوحة قابل للتطبيق علميًا. الكرة الآن في ملعب صانعي السياسات لتمويل جهود مشابهة لـ مون-شوت لخدمة المرضى. حتى نبدأ في رؤية اكتشاف عقاقير الأمراض المعدية كخدمة عامة، ستستمر الأوبئة في الظهور، ولن يخرج أحد سالمًا.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
0
Share