fbpx
العلومعلوم الحياةغير مصنف

عالم بلا ألم.. هكذا يبدو العالم للبعض

في بلدة “باترسون” الصغيرة، الواقعة في ولاية نيو جيرسي، بالولايات المتحدة الأمريكية، وُلدت طفلة تُدعى “أشلين بلوكر” بقدراتٍ فطرية مذهلة، ساعدتها في التخلص من أسوأ شعور قد يصيب الانسان، ألا وهو الألم. عندما كانت طفلة صغيرة، لم تصرخ قطّ، وعندما كانت تبلغ من العمر عامين فقط، أحرقت نفسها، ومع ذلك لم تصرخ. وكبرت “أشلين” حتى وصلت إلى سن المراهقة، ولكنها بدأت تدرك، وتُلاحظ حالتها الغريبة بالنسبة للناس من حولها.

وفي إحدى الليالي المدرسية، بينما كانت”أشلين” تطبخ في المطبخ، وتُحرِك الطعام باستخدام الملعقة، انزلقت منها الملعقة في الوعاء المملوء بالماء المغلي، فمدت يدها داخل المياه المغلية لالتقاطها، حتى استعادتها، ثم أخرجت يدها من الماء ووقفت تنظر إليها في ضوء الفرن، وجريت على الحوض، فتحت الماء البارد على الندوب البيضاء الباهتة التي ظهرت على يدها نتيجة الحرق، ونادت أمها، وقالت لها: “لقد وضعت أصابعي فقط!”. هرعت أمها إلى جانبها، وتناولت بعض من قطع الجليد، وضغطت عليه بلطف فوق يد ابنتها، متذكرة الحريق الذي أصابها – الطفلة التي لم تكن تصرخ – قبل 13 عامًا، حامدة الله، لأن هذا الحريق كان أخف من ذلك الذي أصابها وهي طفلة تبلغ من العمر عامين فقط.

اتضح فيما بعد أنَّ “أشلين” قد ورثت نسختين معيبتين، تسببتا في حدوث طفرة في الجين “SCN9A”، فصارت مُصابة بحالة نادرة تُسمى عدم الحساسية الخلقية للألم “congenital insensitivity to pain”، ويُعتقد أنَّ هذه الحالة تُصيب واحد من كل مليون إنسان، حتى أنه قد أُبلغ عن حوالي 20 حالة فقط في الأدبيات العلمية، وسُجلت أول حالة بهذا المرض في عام 2006. بالرغم من أنَّ المُصابين بهذه الحالة يتخلصون من الإحساس بالألم في الكثير من المواقف التي قد يتعرضون لها، إلا أنها تسلبهم قدرة الإحساس بالألم، التي تنبههم بالخطر في حالة تعرضهم لإصابة خطيرة قد تودي بحياتهم في سن مبكر.

أسباب وراثية

يمكننا تقسيم الأسباب الوراثية لهذه الحالة إلى مجموعتين: الاعتلال العصبي وعدم الحساسية الخلقية للألم. 

  • الاعتلال العصبي: يحدث خلل، يتسبب في حدوث فشل في تطور الجهاز العصبي الحساس للألم.
  • عدم الحساسية الخلقية للألم: وفيها يتطور الجهاز العصبي الحساس للألم، ولكنه لا يعمل، لعوامل وراثية، وكانت هذه حالة “أشلين”.

عدم الحساسية الخلقية للألم 

نستطيع القول بأنَّ هذه الحالة بمثابة سلاح ذي حدين، حيث يُعفى صاحب هذه الحالة من الألم المؤقت، لكنه في نفس الوقت لا ينتبه للخطر الذي قد يصيبه، فلا يشعرون بدرجات الحرارة، حتى أنَّ بعضهم مات بسبب ضربة شمسية.

عند الأطفال، قد يمضغون شفاههم ولسانهم وأصابعهم، وكثير منهم يفقدون أطراف السنتهم وأصابعهم، كما أنهم لا يخافون بعض من الأخطار في الحياة اليومية، منها: الحرائق أو حواف السكاكين الحادة، السقوط بدلًا من الجلوس، أو القفز من أماكن مرتفعة، فقد يتسبب ذلك في كسر عظامهم دون أن يلاحظوا بسبب عدم شعورهم بالألم، ويضطر الآباء لإساءة معاملة أولادهم، لعدم فهمهم لحالة أطفالهم الذين لم يشعروا بالألم من قبل قط.

أما عن البالغين الذين يعانون من عدم الحساسية الخلقية، فيُعانون من إصابات شديدة في العظام، لا تلتئم بشكل صحيح لأن قلة إحساسهم بالألم تحفزهم على ممارسة حياتهم اليومية دون أي قيود أو محاذير. يمكننا القول بأن الألم يعلمنا السلوك السليم للحفاظ على حياتنا، والعيش لعمر أطول، وهذا ما يفتقده المصابون بعدم الحساسية الخلقية للألم.

بالرغم من أنَّ مصابي عدم الحساسية الخلقية للألم لا يشعرون بالألم، إلا أنَّهم يشعرون بالطرف الآخر عند المصافحة أو الأحضان، كما أنهم ليسوا متبلدي المشاعر، فهم يمتلكون مشاعر عاطفية، ويشعرون بأي شئ عند الضغط على أجسامهم.

نظرة عن قرب

طفرة جين “SCN9A” 

بدأ الباحثون المتخصصون في علم الوراثة التدقيق في الأمر، حتى استطاعوا أن يحددوا طفرة في جين يُسمى “SCN9A”، يصنع بروتين Nav1.7، الذي ينقل الإشارات العصبية للألم من المستقبلات الأذنية إلى النخاع الشوكي.

تنقل الخلايا العصبية إشارات الألم بنظام شبيه بالبطارية ذات الأقطاب، فتستخدم قطب أكثر سالبية في الداخل وقطب أكثر إيجابية في الخارج. ذلك عند تنشيط البروتين Nav 1.7، فيُرسل إشارة كهربائية على طول العصبون، الذي بدوره ينقل الإشارة إلى العصبون التالي، حتى تصل الإشارة في نهاية الأمر إلى الدماغ، وهناك يُولد الشعور بالألم، فتُرسل الإشارات التي بدورها، تعطي للجسم أمرًا باتخاذ رد فعل، للتخلص من الخطر. 

ومن المثير للاهتمام أيضًا أنَّ الأفراد المصابين بها ليس لديهم حاسة الشم؛ فتجدهم يُعانون من فرط التعرق، وقد تفوح منهم روائح غير مرغوبة، ولا يشعرون بهذا كله بسبب فقدانهم لحاسة الشم، المقترنة بهذه الطفرة.

طفرة جين “SCN11A” 

أشارت إحدى الدراسات إلى أن حالة عدم الحساسية الخلقية، لا تحدث فقط بسبب طفرة في جين “SCN9A”، فعند ملاحظتهم التسلسل الجيني لإحدى الحالات، وجدوا أنَّ هناك طفرة في الجين “SCN11A” وقارنوه بالتسلسل الجيني لوالديها (الذين كانوا قادرين على الشعور بالألم، بشكلٍ طبيعي)، ووجدوا أنَّ هذه الطفرة تتسبب في تعطيل كيفية إدراك المُصاب للألم. كان الأمر غريب بالنسبة للباحثين، فأحضروا شخص آخر مُصاب بنفس الحالة، ولاحظت التسلسل الجيني له، ووجدوا أنه يُعاني من المرض بسبب طفرة في الجين “SCN11A” أيضًا. 

تختلف طفرة “SCN11A” عن طفرة “SCN9A” بالرغم من أنَّ كلاهما يتسبب في نفس الحالة المرضية، إلا أنَّ لكل منهما طريقته الخاصة، فطفرة “SCN11A” تُصنع بروتينًا آخرًا، يُسمى Nav1.9، وهو بدوره يحافظ على فرق في الجهد بين داخل وخارج خلية إشارة الألم، مما يمكّن إشارة الألم من الانتقال.

وُجد أنَّ المصابين بهذه الطفرة، يُعانون من فرط التعرق، دون سبب واضح، وكان لديهم حاسة شم طبيعية، وتسببت الطفرة في جعل بروتين Nav1.9 أكثر نشاطًا من المعتاد، مما أثر على توازن الجهد في الخلية.

والآن أصبح لدينا طفرتان، تتسببان في حالة عدم الحساسية الخلقية، إحداهما توقف الجينات عن توليد إشارات الألم، والأخرى تحافظ على الخلايا العصبية في حالة الراحة، ويمكننا تسخير هذا الاكتشاف لتطوير المسكنات، عن طريق تثبيط الجين “SCN9A” أو تنشيط الجين “SCN11A”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *