fbpx
العلومعلوم الحياة

ألم الحيوانات يتعلق بالتواصل، وليس فقط مجرد شعور

مقال مترجم

المصدر: aeon.co

مقال بعنوان: ألم الحيوانات يتعلق بالتواصل، وليس فقط مجرد شعور

الكاتب: «ميريام جويسجين» – صحفية مستقلة، حاصلة على درجة الدكتوراه في علم الحيوان من جامعة ماسي في نيوزيلندا.


لو قمت بمراقبة الأطفال في ساحة لعب محلية، آجلًا أم عاجلًا، سيركض واحد منهم ويسقط على الأرض على وجهه. للحظة، من المحتمل أن يكون هناك صمت. سينظر الطفل حوله، يلقي نظره على والده أو والدته، وأخيرًا ينفجر في نحيب يصم الآذان. تسلسل صرخة الطفل هذه ليست مصادفة: إنها إشارة. ينصرف الوالد عن كتابه ويسرع على الفور لتهدئة الطفل ومواساته. دون قول كلمة واحدة، تمكن الطفل من جذب انتباه شخص يستطيع التخفيف من آلامه.

لماذا يوجد الألم؟ إنه موجود في كل مكان في حياة البشر، ولكن وظيفته البيولوجية أكثر إثارة للفضول. يختلف الألم عن حِس «الألم الخالص – Nociception»، وهي القدرة على الكشف عن محفز ضار والابتعاد عنه. لكن الألم لا يُسَجل في وعينا ببساطة كعلامة لأشياء علينا تجنبها في العالم. إنها تجربة في حد ذاتها، شيء نشعر به بشكل شخصي.

تتواجد مشاعرنا الداخلية للألم كجزء من عالم اجتماعي خارجي من خلال التعبير. نحن نتقبل بسهولة قدرتنا البشرية على نقل مشاعرنا بطريقة غير لفظية، ونعلم أن هناك نتائج مفيدة، مثل الشعور بالراحة عند القيام بذلك. ولكن عندما يتعلق الأمر بالطريقة التي تعاني بها الحيوانات غير البشرية، فقد كان العلماء مترددين على نحو مفاجئ في اعتبار أنها أي شئ آخر غير كونها مجرد نتيجة ثانوية للإصابة. النظر إلى الغرض من الألم كنوع من الإشارات بين الحيوانات يثير شبح التجسيم البشري «Anthropomorphism».

ومع ذلك، هناك الكثير من الأدلة على أن رغبة غير البشر في عرض الألم لها قيمة تواصل عميقة وجوهرية. خذ على سبيل المثال صرخات الحملان أو جراء الفئران، التي ستجلب أمهاتهم لتنظيفهم ولعقهم. أو الطريقة التي تجذب بها فئران تصرصر وتتلوى رفيقها في القفص بالقرب منها. يقلل هذا الاهتمام والراحة من الشعور بمدى الضرر أو الإرهاق من إصابة، وهي ظاهرة تعرف بـ «التخفيف الاجتماعي – social buffering». فالحملان التي تخضع لعملية جراحية مؤلمة في وجود الأم أو توأمها بالقرب تكون أقل إنزعاجاً من تلك التي تبقى بمفردها؛ الفئران تختبر شيء مماثل.

ليس الأمر وكأن الإذاعة عن الألم دائمًا ستثير استجابة بالاهتمام. تهرب الجرذان أحياناً من صور وجوه الفئران التي تظهر أنها تتألم ،ربما لأن رؤية الألم مقلقة للغاية بالنسبة لهم. وبالمثل، معروفٌ عن الحملان أنها تنطح رؤوس أقرانها المصابة، ربما لمنعهم من جذب انتباه غير مرغوب فيه، من قبل الحيوانات المفترسة.

هذه هي مشكلة أن تظهر مشاعرك: الإشارات التي تجذب الأصدقاء يمكنها أيضاً جذب الأعداء. يمكن أن تمثل تعبيرات الألم الأكثر دهاءً، مثل تعابير الوجه، طريقًة للتغلب على هذه المعضلة. فتقطيب الوجه يوصل الرسالة لمن هم قريبون دون أن ينفضح الأمر على الفور لحيوان مفترس يتربص في الأدغال. في الواقع، إن العديد من الحيوانات التي تظهر الألم على وجوهها، مثل الأرانب والفئران أو الأغنام، هي حيوانات معرضة للإفتراس.

لكن لماذا تهتم الحيوانات بتلك التي تعاني من الألم؟ السبب الأبسط هو أن السلوك غير طبيعي بشكل يستدعي رد فعل، إنه حافز بسيط يختلف عن المعتاد. التفسير الآخر والأكثر عقلانية هو أن هناك فائدة من توجيه الانتباه إلى ألم شخص آخر. مثلما تتطلع الحيوانات على البيئة المادية للحصول على معلومات حول موقع الغذاء أو التهديدات، فإن الاهتمام بالبيئة الاجتماعية يتيح لها جمع معلومات حول السيناريوهات الجارية، الماضية والمستقبلية.

على سبيل المثال، إذا أصاب حيوان نفسه بالسقوط في حفرة، يمكن للحيوانات الأخرى أن تتعلم تجنب هذا الخطر دون الوقوع ضحية له. فهي تستنتج الخطر المحتمل من تعبير الطرف الآخر عن عدم الارتياح. يتعلم عدد من الحيوانات من مشاهدة معاناة أقرانهم، بما في ذلك قرود الريسوس، أسماك دانيو المخططة، السناجب الأرضية وكلاب البراري. لا يحتاج البعض سوى أن يشهدوا الألم مرة واحدة لكي يتعلموا منه.

فلماذا إذن مقاومة رؤية معاناة غير البشر على أنها نوع من التواصل؟ جزئياً، إنه مُخلَّف من اعتقاد رينيه ديكارت في التقسيم بين العقل والجسد، والذي لم تُمنح فيه الحيوانات عقلًا. هناك أيضًا حقيقة أن تجربة الحيوانات الأخرى في العالم تختلف اختلافًا عميقًا عن تجاربنا. نحن نعرف معنى مظهر صديقنا المتألم، لأننا عانينا أنفسنا ونعرف كيف يبدو الأمر. لكن ألم الحيوان أكثر غرابة علينا، لذلك من الصعب أن نضع أنفسنا في مكانهم.

السبب الثالث يكمن في فشلنا في فهم الآليات والحالات العقلية الممكنة وراء استجابات غير البشر. نحن نعلم أن بعض الأنواع قادرة على القيام بسلوك مدفوع تحفيزيًا، وأن هذا له علاقة بالذاكرة الحسية والعاطفية ومناطق التعلم في الدماغ. لكن مدى دقة تقييم الحيوانات للوضع واتخاذ القرارات هو أمر غير واضح.

لطالما تم شرح سلوك الألم في سياق تطوري أو تكيفي كوسيلة للحيوان للهروب، التداوي، وبالتالي البقاء على قيد الحياة. تلك التجربة العاطفية غير السارة هي بمثابة إنذار، يرسل إشارات إلى الحيوان لوقف ما يفعله وإخراج نفسه من الموقف. يمكن لسلوكيات بعينها، مثل اللعق أو الفرك، أن تحد من الأحاسيس غير السارة عن طريق التداخل مع إشارات الألم المرسلة إلى الدماغ، والتي عند مرحلة معينة يمكنها أن تساعد الحيوان في جمع قواه للهرب. وبمجرد أن تصبح آمنة، فإن الاستلقاء أو العناية بالمنطقة المصابة يمكن أن يمنع حدوث المزيد من الضرر أو يتجنب تدمير الأنسجة المتجددة حديثًا. إذا تعلم الحيوان أن يربط هذه التجربة السلبية بمكان أو حدث أو حافز معين، فإن الشعور بالأذى يمكن أن يساعده في تجنب المواقف الخطيرة في المستقبل.

إذا كان الألم قد تطور ليكون أداة تواصل، فقد تتوقع أن تظهر الحيوانات الاجتماعية ألمًا أكثر من تلك المنفردة، لأن لديها شخصًا تتواصل معه. قد تتوقع أيضًا أن يفضل الانتقاء الطبيعي السلوك الصادق أكثر من المخادع، نظرًا لأن إظهار الألم يخاطر بإظهارك ضعيفًا للحيوانات المفترسة.

تبقى هذه الأفكار كي يتم اختبارها بالكامل. لا تقدم أي من التفسيرات التكيفية الحالية تفسيرًا حصريًا للألم. الأمر ببساطة هو أن العلماء لم يأخذوا نظرية التواصل في الاعتبار بالقدر المناسب. إن أخذ الألم على محمل الجد كنوع من الإشارات الاجتماعية يعني في الواقع التخلص من التفكير الديكارتي القديم في النظر إلى الحيوانات على أنها ليست أكثر من مربعات سوداء صغيرة، تستجيب للمدخلات في دوائرها البيولوجية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *