fbpx
المدونةقضايا

ما بين علم التواصل والتواصل العلمي

في المقدمة أود أن أصرح أني قد دخلت عالم التواصل العلمي منذ عام وبضعة أشهر تقريبًا، وإن كنت قبل هذا أمارس مهارة التقديم والعرض على الجمهور وأحاول بشتّى الطرق تبسيط العلوم المعقدة التي أوتيت فهمها إلى الناس حتى لا تكن دولةً بين أغنياء الوقت والجهد والفهم من الناس، ولكن لطالما كنت أتسائل: ما الفرق بين علم التواصل (Communication Science) والتواصل العلمي أو تبسيط العلوم (Science Communication)؟

علم التواصل والتواصل العلمي

قبل أن نحاول توضيح الفرق بينهما، واجب علينا أن نعرف ما معنى المصطلحين أصلًا، حتى تتسنّى لنا الفروق واضحة بيّنة بلا عناء، ولأن التعريفات كثيرة للغاية كما تعلم، فبمحاولة تعريف علم التواصل تعريف جامع، نجد أنه: 

هو الدراسة الأكاديمية لطرق التواصل بين البشر الثلاثة (اللفظي والكتابي والتقريري) من حيث السبب والغاية والطريقة التي يتم بها نقل أو استقبال أو تغيير الأفكار والمعلومات والرسائل، والكثيرون يرونه فنًّا فضلًا عن أن يكون علمًا.

أما التواصل العلمي، فهو:

طريقة تعليم أو نقل ومشاركة الموضوعات العلمية أو المعلومات التوعوية العلمية مع الآخرين. وهو ينقسم إلى نوعين:

نوع (out-reach) قائم بين العلماء وأناس لا يملكون قاعدة معرفية علمية، وبالتالي يصبح الأمر توعويّ أكثر، وهذا حديث الانتشار، ونوع آخر (in-reach)  قائم بين العلماء وبعضهم حيث يمكنهم الاطلاع على أفكار كل منهم بطريقة أسهل وأفضل، بحيث لا يقع الفهم الخاطئ، وهذا النوع قديم بقدم تفكّر الإنسان وظهور العلوم على هيئة فلسفة محضة.

وإن كان الشائع عن التواصل العلمي حديثًا أنه: تبسيط العلوم بأسلوب فكاهي أو ترفيهي للعامة من الناس، وهذا لما أحدثته المنظمات العلمية مؤخرًا لنشر الوعي بالعلوم وأهميتها بطرق قد تكون أقرب للجمهور العام.

وظنّي أن الفرق بينهما قد اتضح أمام عينيك الآن؛ نعم التواصل العلمي هو فرع من فروع علم التواصل، مثله كمثل (التواصل المجتمعي، التواصل الإداري.. إلخ) وكل منها مهم في مكانه، فبدون التواصل تصير الأمور إلى شقاء وتصبح العلاقات أكثر عرضة للتمزّق والاهتراء، مما يساهم في سقوط المجتمع بالكلية!

وكذلك الأمر في التواصل العلمي الذي يعالج مشكلة من أهم مشاكل المعرفة الاجتماعية ألا وهي (التباين المعرفي)؛ حيث ينقسم المجتمع إلى عارفين بنفعية الأشياء وكيفية عملها والحصول على أفضل أداء لها وغير عارفين (على سبيل المثال: أولئك الذين يعرفون الفرق بين المرض الفيروسي والبكتيري يستطيعون تلقي العلاج المناسب بالشكل المناسب على خلاف الغير عالمين والذين عادةً ما يلجئون للمضادات الحيوية إذا أصابهم أي مرض كان!)، وبالتالي يساهم التواصل العلمي في تقليل الفجوة بين المتلقين والعلم الذي يتلقونه.

كيف يتم التواصل العلمي؟

يتم التواصل من خلال عدة قنوات معرفية كـ: المقالات، المقاطع المرئية كالبرامج، وعن طريق الحفلات والمؤتمرات، وغيرها من السبل الكثيرة التي يقوم فيها العلماء (أو مبسّطي العلوم بمعناها الشائع) بنقل العلوم للعامة بهدف تقليل التباين المعرفي -كما ذكرنا مسبقًا-، بالإضافة إلى أن انتشار وشيوع ثقافة تبسيط العلوم يجعل الكثير من المؤسسات تشارك في تبسيط العلوم وإيصاله إلى الناس بشكل أسهل.

 علم التواصل عامةً ظهر مع بداية القرن العشرين عقب الحرب العالمية الأولى، إذ كان الأمر مقتصرًا على علمي النفس والاجتماع وعلوم السياسة، ومن ثم بدأ هذا العلم في التنامي حتى وقتنا هذا، ذلك مع ظهور الكثير من النظريات كـ (صيغة لاسويل-1948، نموذج شانون وويفر-1949، نظرية جاكسبون-1960.. إلخ)، ويمكنك دراسة مقدمة في علم التواصل من جامعة أمستردام على شبكة الانترنت على موقع التعليم الشهير (كورسيرا).

أما عن التواصل العلمي خاصّةً فقد بدأ الأمر عام 1987 عندما نشر العالمان جيفري توماس وجون ديورانت ورقة بحثية   (Public Understanding of Science) يقترحون فيها طرق لجعل العلوم أكثر سلاسة بالنسبة للعامة مثل عمل مهرجانات للعلوم وحفلات لتقديم العروض العلمية المختلفة بل وعمل متاحف تقوم على العلوم وإظهار مدى بساطتها للعامة، مما جعل الكثيرين يتوجهون بهذا الصدد ويعملون عليه، ويمكنك قراءة كتاب (لا تكن عالمًا فقط!) للعالم راندي أولسون حتى تفهم أكثر دوافع البعض لتبسيط العلوم.

التواصل العلمي - والتر لوين

قد يسأل سائل ويقول: أتقصد أن هذه العلوم لم تظهر إلا في القرن العشرين؟

حينها يجب أن أذكرك بالعالم جاليليو الذي صنع تلسكوبًا يشاهد به الناس السماء بلا حجاب في القرن السابع عشر، والمخترع العبقري فريدريتش كونيغ الذي اخترع مطبعة بخارية عالية السرعة بمساعدة أحد أصدقاءه، والتي كانت تطبع فوق الـ 1100 ورقة في الساعة الواحدة، مما يدل على أن الناس كانوا ينتفعون بالتواصل العلمي، ولكن لو سألت واحدًا من الناس أن يشرح لك الأساس العلمي مثلًا لصناعة التليسكوب.. أتظنّه يُجيب؟

مما جعل الفيلسوف مارشال ماكلوهان يستنتج أن التواصل يتزايد ويتحسن بتقدم التكنولوجيا التي تتيح فرصًا أكثر لشيوع الأفكار وظهورها، مما يساعد على انفتاح الحضارات والثقافات وفهم الآخر بشكل أفضل وأحسن، ونرى هذا جليًا جدًا في ظهور المحتويات المرئية لعلماء يجعلون العلم قابلًا للفهم والدراسة مثل: والتر لوين، راندي أولسون وغيرهم.

أخيرًا،

ظنّي أن المجتمعات تحتاج إلى فهم أفضل طرق التواصل بعيدًا عن إلزام الدبلوماسيين فقط بها، حتى نستطيع أن نفهم بعضنا بعضًا وأن نتجنب الكثير من ويلات الفهم الخاطئ والعنصرية الفارغة والمشاحنات التافهة، مما يوسّع الإدراك ويشرح الصدر ويحيي الأمم بتقبّل الخلافات الفكرية والتعصّبية القائمة على ثقافات مجتمعية لم ولن تتغيّر لأنها سنة الإنسان في عيشه، ولا يزال التغيير قائمًا مادام الإنسان هنا يُغيّر ويتغيّر.

أمّا العلم والوعي، فهما أدواتنا حتى لا نُخدع.

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد عبيد

طالب حاسبات ومعلومات جامعة قناة السويس، وواحد من أفضل تسع مبسطي علوم في مسابقة FameLab لعام 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *