fbpx
فيوميسيتوس أنوبيس - أشرس حوت برمائي أيوسيني في مصر

حوت الموت: كواليس اكتشاف "فيوميسيتوس أنوبيس"

كشف سر جديد من أسرار واحة الفيوم، أشرس حوت برمائي عاش في مصر قبل 43 مليون سنة.

في شكل وحجم الثعالب ظهرت أسلاف الحيتان كثدييات بدائية برية آكلة للعشب، لكن يبدو أن الماء وما تحويه من رزق وفير مثلت إغراءًا كبيرًا للحيتان في ظل ظروف العيش على اليابسة آنذاك. لتتحور أقدامها الأربعة تدريجيًا إلى زعانف، فتصبح بالأخير حوتيات ضخمة مائية بالكامل آكلة للحوم، في رحلة تطور درامية استغرقت حوالي 10 ملايين سنة.

اليوم نحتفي بأكتشاف من قلب الرحلة، اكتشاف لأحد حيتان عائلة البروتوسيتيدات الإيوسين متوسطة الحجم التي تمثل مرحلة شبه مائية وسطية فريدة في هذا التحول التطوري. إنه "فيوميسيتوس أنوبيس"، الحوت الأكثر بدائية في إفريقيا ضمن عائلة البروتوسيتيدات حتى الآن؛ بأربع أقدام صغيرة تمكنه من التحرك على اليابسة والسباحة في الماء على حد سواء، وطول يصل لحوالي 3 أمتار ووزن يزيد عن نصف الطن بقليل (تقريبًا 600 كجم)، وميزات فريدة للجمجمة والفك السفلي اعطته قدرة على معالجة ميكانيكية فموية (عض وافتراس) أكثر كفاءة من بقية أقرانه من نفس العائلة، وسمحت له بنمط تغذية قوي كمفترس عتيد،  قادر على افتراس مدى واسع من الكائنات.يمكننا القول بأنه أشرس حيتان مصر في عصره.

البروتوسيتيدات: عائلة بدائية من الحيتان حملت في جيناتها تنوعًا كبيرًا في الشكل والسلوك، وهي تمثل مرحلة شبه مائية فريدة في هذا التحول التطوري. 

الأيوسين: نسبة للعصر الإيوسيني، وهو حقبة جيولوجية استمرت من 56 إلى 34 مليون سنة مضت. 

ماذا يعني "فيوميسيتوس أنوبيس"؟

عن تسمية "فيوميسيتوس انوبيس" أخبرنا عبدالله جوهر- الباحث الأول للدراسة، أثناء حواره مع ساينتفك عرب، أن "فيوميسيتوس" أي حوت الفيوم، جاء نسبة لمنخفض الفيوم مكان اكتشاف الحفريات. أما المقطع الثاني "أنوبيس" فهو نسبة لأنوبيس إله الموت والتحنيط والعالم السفلي عند قدماء المصريين، ليس فقط لإضفاء الطابع المصري وإخبار العالم أن الحضارة المصرية تمتمد لما هو أقدم حتى من مصر القديمة، إنما أيضًا لتشابه شكل جمجمته مع جمجمة ذئب ابن آوى التي كان يتم تجسيد أنوبيس بها، غير أنه كان شديد الافتراس بمثابة إله الموت للعديد من الكائنات المائية. 

يقول جوهر: أسلاف الحيتان القديمة عبارة عن 5 عائلات، كل واحدة منهم تمثل خطوة انتفالية في التطور من اليابسة إلى الماء، بدايةً ظهرت الحيتان كحيوانات في حجم وشكل الثعلب عاشت على اليابسة تمامًا، شيئًا فشيئًا وأثناء رحلتها للبحث عن مصادر غذاء ولتبريد جسمها بدأ أرتباطها بالماء في النمو؛ من ثم انطلقت في جسدها سلسلة تحورات للتكيف أكثر على المعيشة في الماء، كبدء استطالة الذيل وتحور عظام الحوض والجمجمة والأطراف. ظهرت أنواع أكثر ارتباطًا بالماء (العائلة الثانية والثالثة)، ثم استمرت التحورات وبدأت أطرافها (أرجلها الأربعة) في مراحل التطور إلى زعانف تساعدها على السباحة بكفاءة. لتكون أشبه بالتماسيح التي نعرفها حاليًا. 

Credit: Prinerest

هكذا كانت البداية

"بدأت القصة 2008، بفريق بحثي من جهاز شئون البيئة قاده دكتور محمد سامح لرحلة استكشافية بحثًا عن الحيتان في منطقة الفيوم، والذي استطاع اكتشاف بقايا حفريات هذا الحوت، ووفقًا لبروتوكول التعاون العلمي المبرم  بين مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بقيادة دكتور هشام سلام وبين جهاز شئون البيئة؛ تمكنا من دراسة حفريات هذه العينة وعلى مدار سنوات من دراسة الصفات التشريحية المميزة لها فوجئنا أنها تمثل جنس ونوع جديد من الحيتان التي عاشت في مصر تحديدًا منخفض الفيوم منذ 43 مليون سنة." بحسب جوهر

سنوات قضاها الفريق، ليس فقط في دراسة الصفات التشريحية للحوت المُكتشف، بل ومقارنتها بكل أقرانه، نتحدث هنا عن مقارنة أكثر من 190 صفة تشريحية لأكثر من 45 حوت سواء من نفس العائلة أو عائلات أخرى. كي يتمكنوا من إثبات "فيوميستوس أنوبيس" كجنس ونوع جديد الحيتان.

منطقة وادي الحيتان في الفيوم مُسجلة في موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكثر منطقة في العالم أحتواءًا على هياكل لحيتان من عصر الأيوسين قبل 40 مليون سنة. 

حصل الفريق على هيكل عظمي جزئي من منتصف العصر الإيوسيني للحوت، تحديدًا حفريات أكثر من 85% من الجمجمة، الفك السفلي الأيمن كاملًا وجزء من الفك الأيسر، الأسنان سواء من الجمجمة أو الفك، الفقرة العنقية الخامسة الفقرة الصدرية السادسة، الضلوع من منطقة الصدر ومنطقة منتصف الصدر. لكنهم لم يعثروا على أي حفرية للأقدام، فكيف أقروا بوجود أقدام؟ الأمر يزداد إثارة..

يمكنك مشاهدة البث المباشر مع "عبدالله جوهر" عبر صفحتنا على فيسبوك من هذا الرابط

ليس شرطًا أن تعثر على أقدام لإثبات وجود أقدام

أوضح عبدالله جوهر "لقد كنا محظوظين كفاية لحصولنا على الفقرة الصدرية السادسة نظرًا لأهميتها الشديدة، فالزائدة الشوكية لهذه الفقرة تكون منحنية بزوايا معينة في الكائنات التي تعيش على اليابسة وبزاويا أخرى مختلفة تمامًا في الكائنات التي تعيش في الماء. أولًا أثبت تحليل الأنساب أن الحوت من أقدم الأقران في عائلة البروتوستيدات، ونحن نعرف أن جميع أقرانه في نفس الحالة كانوا حيتان برمائية مرتبطة باليابسة ارتباطًا قويًا كارتباطها بالماء، ثانيًا: وجدنا أن الزائدة الشوكية تميل بنفس زاوية ميل الكائنات التي تعيش على اليابسة مما يدل على قوة العضلات في هذه المنطقة وقدرتها على حمل الجسم كاملًا على اليابسة بما يشبه التماسيح الحالية."

"وبينما نتتبع مواضع اتصال العضلات بالعظام وشكلها، وجدنا أن جمجمة الحوت تحتوي على حفرة صدغية على يمين ويسار الجمجمة، أكبر من بقية أقرانه بحوالي 30% أي ثلث حجم الجمجمة، مما يدل حجم أكبر بكثير من العضلات في هذه المنطقة، مع العلم أن عضلات هذه المنطقة للعض والافتراس، ما جلعنا نستنتج أننا أمام حوت شرس جدًا قادر على افتراس مدى واسع من الكائنات.

سنوات من الدراسة لتسجيل أنوبيس الفيوم

رغم ثراء المحتوى المصري والعربي من الحفريات خاصة من الحيتان، ورغم أن العمل في الحيتان بمصر بدأ منذ أكثر من 150 عام. إلا أن تسجيل "فيوميسيتوس أنوبيس" بموسوعة علم الحيوان هو بمثابة إنجاز غير مسبوق في الوطن العربي؛ فهي المرة الأولى في التاريخ يقود فريق بحثي عربي مصري تسمية جنس ونوع جديد من الحيتان. ما ينبئ بطفرة في علم الحفريات بالوطن العربي.

بعد سنوات طوال من الدراسة - التي امتدت لحوالي 13 عام - يحتفي العالم بإضافة جديد للشجرة التطورية الثرية للحيتان. هذا ما يفعله علماء الحفريات، يغوصون بين صفحات الماضي والحاضر، فيخرجوا لنا بحكايا الأرض وما عاش عليها من كائنات، ربما تعيد صياغة التاريخ الأحفوري مثلما فعل "فيوميسيتوس أنوبيس:.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
25
Share