fbpx

نوبل الفيزياء 2021: لمن منحونا فهمًا أعمق للتغير المناخي وتأثيرنا عليه

أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم اليوم قرارها بمنح  نوبل للفيزياء لعام 2021 إلى 3 علماء تقديرًا لإسهاماتهم في زيادة فهمنا للأنظمة الفيزيائية المعقدة، بما فيها الطقس والمناخ ودور البشر في أزمة التغير المناخي.

تقاسم النصف الأول من الجائزة كل من الفيزيائي الألماني" كلاوس هاسلمان" و الأمريكي -الياباني الأصل "سيوروكو مانابي" لوضعهم حجر الأساس لفهمنا لمناخ الأرض، وقدرتنا على التنبؤ به بشكل موثوق. بينما حاز الإيطالي "جورجيو باريزي" على النصف الثاني من الجائزة لاكتشافه التفاعل بين الفوضى والأنظمة الفيزيائية، وهو ما يمكن استخدامه لفهم أنظمة  أخرى على المستوى الذري أو على نطاقات أوسع مثل المناخ.

علق "هانز هانسون" رئيس لجنة نوبل للفيزياء على إعلان اليوم قائلًا:" "تُظهر الاكتشافات التي تم الاعتراف بها هذا العام أن معرفتنا بالمناخ تستند إلى أساس علمي متين بني على تحليل دقيق للملاحظات".

"شيطان لابلاس" مقابل "فراشة لورنز"

أطلق إسحاق نيوتن ثورة علمية في القرن السابع عشر عندما أسدل الستار عن معادلاته لحركة الأجسام والجذب العام، حيث أصبح من الممكن تفسير حركة الأجسام والكواكب كما التنبؤ بها بدقة بناء على معادلات رياضية بسيطة. 

الكون حتمي وقابل للتنبؤ .. كانت تلك الفكرة التي خلفتها معادلات نيوتن، والتي عبر عنها الفيزيائي الفرنسي "بيير لابلاس" بأناقة في القرن الثامن عشر عندما تخيل إنه في حال تواجد كائن شديد الذكاء لديه معرفة كلية بالحالة الآنية للكون، وقدرة على تحليل تلك البيانات، فإن لا شيء سيكون غير مؤكد له،  والمستقبل سيصبح تمامًا مثل الماضي واضحًا أمام أعينه.

عُرف ذلك الكائن خارق الذكاء فيما بعد بشيطان لابلاس كتعبير منمق عن الحتمية؛ أي قابلية التنبؤ بالمستقبل بدقة من خلال معرفة الماضي. وبعد مرور أكثر من قرن كان شيطان لابلاس على وشك مواجهة ند قوي حملته الصدفة وهي فراشة لورنز ونظرية الفوضى.

في خمسينات القرن الماضي كان عالم المناخ  "إدوارد لورنز" يجرب إمكانية استخدام الاختراع الجديد حينها (الحواسيب) لبناء نموذج للطقس، وذلك من خلال إدخال بعض البيانات الأولية لحالة الطقس الآنية مثل درجة الحرارة، وحركة الرياح،والضغط الجوي ضمن معادلات رياضية بهدف التنبؤ بحالة الطقس خلال فترة زمنية لاحقة. عند إعادته للتجربة قام لورنز بإدخال نفس الأرقام إلا أنه استثنى 3 أرقام عشرية من آخر كل إدخال، أي بدل من إدخال 11.121212، قام بإدخال 11.121 اعتقادًا منه أن ذلك التغيير الطفيف لن يكون له أثر يذكر. ليفاجئ أنه مع مرور الوقت اختلفت نتائج النموذج الثاني بشكل هائل عن النموذج الأول.

بتلك الصدفة البسيطة وضع لورنز يده على أساس الأنظمة الفوضوية أي التي تكون النتائج فيها حساسة للغاية للمدخلات الأولية، ولتبسيط فكرته تخيل لورنز أنه رفرفة جناحي فراشة في البرازيل قد يترتب عليها حدوث إعصار في الولايات المتحدة. 

البحث عن النظام في قلب الفوضى

تنبع أهمية الاكتشافات التي حصدت نوبل اليوم من قدرتها على الاستفادة من البيانات الفوضوية للطقس والمناخ ضمن نموذج للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية، ففي نفس السنوات التي عمل فيها لورنز على معادلاته، تمكن "سيوروكو مانابي" من بناء نموذج مبسط يبين تأثير ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون على درجة الحرارة.

يقول "مانابي": "عليك دائمًا أن تبني نموجًا مبسطًا، فإنك لن تستطيع منافسة تعقيد الطبيعة". واستطاع نموذج "مانابي" البسيط أن يوضح التأثير الملحوظ لغاز ثاني أكسيد الكربون على درجات الحرارة، فقد قام بتجربة النموذج عدة مرات مع تغيير تركيز الغازات في كل مرة، وكان لتغير الأكسجين والنتروجين تأثيرًا غير ملحوظ على درجة الحرارة، بينما أثر تغيير تركيز ثاني أكسيد الكربون في تغيير نتائج النموذج، فكلما اد للضعف، زادت حرارة العالم درجتين مئويتين. 

أكمل "هاسلمان" ما بدأ "مانابي" من خلال نموذج يربط الاضطرابات الفوضوية للطقس بالتغيرات المناخية. مكنه ذلك النموذج من التمييز بين التغييرات الناتجة عن أحداث طبيعية مثل البراكين، وبين تأثير الغازات الدفيئة التي تنتج عن النشاطات البشرية. 

أما عن "باريزي" الذي بدأ مساره الأكاديمي في فيزياء الجسيمات، فإن إسهاماته في نظرية الانظمة المعقدة كان لها تأثير في عدة مجالات أخرى بما فيها المناخ.

علق"هانسن" في إعلان اليوم أن نصفي الجائزة مختلفين، لكن ما يجمعهم هو النظام، وقدرتنا على استخدام التغييرات في الفهم والتنبؤ".  معقبًا: "نستطيع التنبؤ بتغييرات المناخ المستقبلية إذا استطعنا فك رموز فوضى الطقس".

هل الخطر حتمي؟

تعد جائزة اليوم هي الأولى التي تمنح لاكتشافات زادت فهمنا لأزمة التغير المناخي. وتأتي الجائزة بعد شهرين من إعلان الهيئة الدولية الحكومية المعنية بتغير المناخ أن الحدود المزمع عدم تخطيها عن 1.5 درجة مئوية فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية على وشك أن تنهار، محذرة أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لتخفيض الانبعاثات الدفيئة فإن ارتفاع درجة الحرارة سيتجاوز 2 درجة مئوية في وقت قريب، حاملًا معه آثار كارثية على مستويات عدة.

بعد إعلامه بفوزه بالجائزة علق "هالسلمان" قائلًا:" علينا أن نستجيب الآن للمتوقع حدوثه بعد 20 أو 30 سنة". بينما قال "باريزي" في تصريح مشابه " بالنظر إلى الوضع الحالي فإن جيل المستقبل سيكون في موقف حرج للغاية". مؤكدًا على أهمية التعجل نحو حلول للأزمة المناخية.

لحسن الحظ لازال هناك بعض الوقت الذي إن تحركنا فيه بشكل جاد قد سيكون للتغيرات التي نقوم به تأثير على أزمة المناخ المعقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share