النباتات المنزلية

النباتات المنزلية| أكثر من مجرد زينة

لعلك فكرت يومًا باقتناء نبتة صغيرة، تزين بها مساحة فارغة في غرفتك، لتلاحظ بعد مدة قصيرة من اقتنائها، تعلقك الشديد بها، وارتباطها بمشاعر الراحة والاسترخاء، لتصبح مع الوقت مساحتك الآمنة التي تلجأ إلى الاعتناء بها، للتعبير عن المشاعر التي تدور في نفسك، وتخفيف حدة الضغوط التي تتعرض لها يوميًا.

فما السر وراء قدرة ذلك الكائن البسيط على تحسين الحالة المزاجية؟ وما مدى تأثير تلك النبتة الصغيرة على الصحة النفسية والعقلية؟

النباتات المنزلية

كيف تمنحنا النبتات الصغيرة هذا القدر من السعادة؟

عني العديد من الفلاسفة والباحثين على مر العصور بدراسة الصلة الفطرية بين البشر وكافة الأحياء الأخرى في الطبيعة، خاصةً النباتات والحيوانات، حتى أصدر عالم الأحياء الأمريكي د. "إدوارد ويلسون" في عام (1984) كتابه الشهير "بيوفيليا" وهي كلمة مكونة من شقين؛ "بيو" بمعنى (الأحياء أو الطبيعة)، و "فيليا" بمعنى (حب)، ليصبح أول من استخدم هذا المصطلح. 

فسر "ويلسون" التأثيرات النفسية البالغة لتواجد الإنسان في بيئة من النباتات، بطبيعة البشر التي تتسم بميل فطري للتواصل مع كافة أشكال الحياة والطبيعة من حولنا، والتي تمثل النباتات جزءًا كبيرًا منها. يظهر تأثير ال "بيوفيليا" واضحًا في وقتنا الحالي، خاصةً مع انتشار البيئات الحضرية واكتساح التكنولوجيا لمعظم الأعمال اليومية، ما دفع الكثيرين لقضاء أكثر من 85% من أوقاتهم في أماكن مغلقة، ما يقلل بالضرورة التفاعل مع البيئة الطبيعية وعناصرها التي تعزز صحة الإنسان، ليس على المستوى النفسي فحسب، بل أيضًا على المستوى الجسدي. 

تأثير العناية بالنباتات على الإنسان 

عني العديد من الباحثين بدراسة الدور الذي تلعبه النباتات المنزلية في التأثير على الصحة النفسية. 

ومن هذا المنطلق، لاحظ الباحثون أداء المشاركين -متوسط أعمارهم 25 عام-، بعد تقسيمهم إلى مجموعتين. أُسند إلى المجموعة الأولى تأدية مهمة بسيطة باستخدام الحاسوب، في حين أُسند إلى المجموعة الثانية مهمة نقل نبتة صغيرة إلى وعاء جديد. 

قارن الباحثون بين الاستجابات الفسيولوجية للمشاركين بعد تأدية تلك المهام، إذ اعتمدوا على قياس المؤشرات الحيوية للجسم، مثل ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب، ومقارنتها قبل وبعد تأدية تلك المهام، ليجدوا أن المجموعة التي أُسند إليها مهمة نقل النبتة الصغيرة أظهرت انخفاضًا بالغًا في مؤشرات التوتر بالجسم، على عكس الاستجابة الفسيولوجية للمجموعة التي أُسند إليها مهمة الحاسوب، حيث أظهرت ارتفاعًا حادًا في معدل ضربات القلب، كما أظهرت ارتفاعًا في ضغط الدم، على الرغم من المعرفة المسبقة للمشاركين بالتعامل مع تلك المهمة بسلاسة وسرعة. 

خلصت تلك الدراسة إلى الإقرار بالتأثير الإيجابي للتعامل مع بيئة غنية بالنباتات الطبيعية في الشعور بالراحة والاسترخاء والحد من التوتر.  

تأثير النباتات على حدة التركيز

أشارت دراسة حديثة شملت 23 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 11-13 عام، إلى أن تواجد الطلاب في بيئة غنية بالنباتات الطبيعية، من شأنه أن يعزز التركيز، ما ينعكس بدوره على الأداء الأكاديمي للطلاب.

قارن الباحثون في تلك الدراسة بين استجابة الطلاب، بعد تقسيمهم إلى أربع مجموعات، ووضع كل مجموعة في غرفة منفصلة. تختلف تلك الغرف في احتواء إحداها على نبات طبيعي والأخرى نبات بلاستيكي، والثالثة مجرد صورة معلقة على الحائط لمجموعة من النباتات، بينما لم تحتو الرابعة على أي من ذلك. 

لم يكتف القائمون على الدراسة بتقييم الطلاب للأمر أو بقياس المؤشرات الحيوية، مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، حيث استعان الباحثون بأجهزة الفحص الدماغي وتخطيط كهربية الدماغ (Electroencephalogram)، التي تعتمد على تثبيت أقطاب كهربائية على فروة الرأس، لتسجيل الموجات الصادرة عن القشرة المخية في أثناء القيام بتلك التجربة.

يعتمد انبعاث تلك الموجات بشكل كبير على الحالة الدماغية، فعلى سبيل المثال، يزداد انبعاث ترددات موجات (جاما) في حالات التوتر أو الإثارة، على عكس ترددات موجات (ألفا) التي تزداد في حالات الراحة. أما موجات (ثيتا)، فهي التي تسبق النوم، وتُتخذ كمقياس للتشتت وعدم القدرة على التركيز.

وبمقارنة استجابة الطلاب في المجموعات المختلفة، لاحظ الباحثون أن مجموعة الطلاب التي وُضعت في الغرفة التي تحتوي النباتات الطبيعية، أظهرت انخفاضًا ملحوظًا في ترددات موجات (ثيتا) الدماغية، ما يثبت تأثير التواجد في بيئة من النباتات الطبيعية في رفع مستوى الانتباه والقدرة على التركيز. 

ومع أن تسجيل الموجات الدماغية لم يثبت ازديادًا في ترددات موجات (ألفا) المعنية بشعور الراحة والاسترخاء، إلّا أن طلاب المجموعة التي وُضعت في غرفة النباتات الطبيعية، أفادوا بأن مجرد رؤية تلك النباتات، حسن حالتهم المزاجية ومنحهم الشعور بالاسترخاء.   

النباتات والعملية الإبداعية

لا يقتصر تأثير النباتات على تحسين الحالة المزاجية فحسب، بل تشير الدراسات أيضًا إلى الدور الذي تلعبه في زيادة الإنتاجية وتحفيز العملية الإبداعية، إذ أشار الباحثون في إحدى الدراسات إلى أن تواجد النباتات الطبيعية بالقرب من الطلاب والموظفين، يعزز من إنجاز المهام المطلوبة بشكل أسرع، وبتوتر أقل.

وعام 2004، في دراسة أُجريت لمقارنة أداء المشاركين بإحدى العمليات الإبداعية في حالة وجود النباتات الطبيعية في الغرفة وفي حالة عدم وجودها. بعد تقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات، وُزعوا إلى غرف تحتوي إما على نباتات طبيعية، أو على رف من المجلات، أو أنها لا تحتوي على أي من ذلك، ثم طُلب من كل مجموعة ابتكار كلمات إبداعية من حروف محددة. 

اقرأ أيضاً:  الإدمان | أنت أقوى من الأوريو

بعد مراجعة النتائج ومقارنة الثلاث مجموعات، لاحظ الباحثون تقدمًا ملحوظًا في نتائج المجموعة التي كانت في غرفة النباتات الطبيعية، كما أظهرت هذه الدراسة أن السيدات كانوا أكثر تأثرًا بوجود النباتات الطبيعية، ما ساعدهم بشكل ملحوظ في إنجاز المهمة المطلوبة بإتقان وسرعة.

تأثير النباتات على البيئة المحيطة

تنقية الهواء

في ثمانينيات القرن الماضي، نشرت وكالة ناسا الفضائية دراسة تهدف بشكل رئيسي إلى تحسين جودة الهواء في الكابينات المغلقة التي تُستخدم في السفر إلى الفضاء، حيث أشار الباحثون في تلك الدراسة إلى التأثير البالغ لعملية المعالجة النباتية للملوثات (Phytoremediation)، ليؤكدوا في النهاية الدور الذي تلعبه جذور النباتات والتربة المزروعة فيها، في خفض نسب المركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهو مصطلح عام للمواد الكيميائية التي تتطاير في الهواء، ويُعتقد أن لها تأثير ضار على صحة الإنسان. 

اختلفت الدراسات فيما بعد في مدى صحة الاعتقاد بأن النباتات تلعب دورًا ملحوظًا في تنقية الهواء، فمنها ما أقّر بذلك الدور، ومنها ما شكك في صحة ذلك الاعتقاد، لكن وعلى كل حال، فإن تواجد النباتات الطبيعية في البيئة المحيطة، إذا لم يكن له دور فعّال في تنقية الهواء، إلّا أنه -بالتأكيد- لا يلوثه.

ترطيب الهواء

تساعد النباتات المنزلية بشكل كبير في ترطيب الهواء في البيئة المحيطة عن طريق عملية النتح التبخري (evapotranspiration)، إذ تشق المياه القادمة من التربة طريقها إلى أعلى عن طريق جذور النبات، حتى تصل إلى أوراق النبات، حيث تحدث عملية التبخير من خلال المسام الموجودة على تلك الأوراق النباتية.

يعمل ترطيب الهواء بالقدر الكافي على:

  • تخفيف جفاف البشرة والشفاه.
  • منع جفاف الحلق.
  • تهدئة تهيج الأنف والجيوب الأنفية.
  • الحد من احتمالات الإصابة بالعدوى والحساسية.

ومع أن معظم النباتات لها خصائص تمكنها من الحفاظ على ترطيب الهواء في البيئة المحيطة، إلّا أن بعضها لا يمتلك تلك الخصائص، بل يعمل على سحب الرطوبة من الهواء المحيط، كتلك التي يكون موطنها الأصلي الأماكن الجافة والصحاري، مثل الصبارات.

كيف تؤثر النباتات على التعافي من الأمراض؟

يؤمن الكثير من الناس بأن باقة من الزهور الجميلة هي أفضل ما يمكن تقديمه عند زيارة مريض. ينبع ذلك الاعتقاد من كونها لفتة لطيفة تثير البهجة في المكان. لكن، للأمر بعد آخر، أكثر من مجرد إثارة البهجة.

اهتم عدد من الباحثين بدراسة تأثير التواجد في بيئة غنية بالنباتات الطبيعية على مجموعة من المرضى في أثناء تواجدهم في المستشفى في مرحلة التعافي من بعض الجراحات، حيث قارن الباحثون بين مجموعتين من المرضى، أطلت غرف إحداهم على حديقة من النباتات الطبيعية، في حين لم تطل غرف المجموعة الأخرى على أي من تلك المناظر الطبيعية.

 ليجدوا أن المجموعة التي أطلت غرفهم على حديقة النباتات، احتاجت إلى كميات أقل نسبيًا من مسكنات الألم، كما كانت مدة المكوث في المستشفى في مرحلة التعافي من الجراحة أقصر، مقارنة بالمجموعة الأخرى.

ومن هذا المنطلق، اهتم الباحثون أيضًا بدراسة تأثير ما يُعرف ب "العلاج بالبستنة" (Horticultural Therapy) على مجموعة من المرضى الذين يعانون بعض الاضطرابات النفسية والعقلية مثل الخرف، في أثناء فترة احتجازهم في أحد المستشفيات. 

أظهرت نتائج تلك الدراسة، أن انخراط المرضى في الأعمال الزراعية بشكل منتظم، ساعدهم بشكل كبير في التغلب على مشاعر القلق والاكتئاب التي كانت تراودهم، ما يؤثر إيجابيًا على الاستجابة للأدوية التي يتلقونها، وعلى جودة حياتهم عامةً.

كما أشار المشاركون في تلك الدراسة إلى أن الانخراط في تلك الأعمال الزراعية، كان له قدرة على تعزيز الثقة بالنفس، ومنح المشاركون شعورًا بالفخر والإنجاز، لقدرتهم على الاعتناء بتلك النباتات وقضاء وقت لطيف في صحبتها.

نصائح للعناية بالنباتات المنزلية

على وجود فوائد لا حصر لها لتربية النباتات المنزلية، إلّا أن الأمر قد ينطوي على بعض المخاطر، إذا لم يؤخذ الحذر الكافي عند اختيار أنواع النباتات، والعناية بها بالشكل اللازم. 

ولعل أبرز ما يوجب توخي الحذر عند العناية بالنباتات المنزلية، هي الآفات والحشرات التي قد تصيب تلك النباتات.

إليك بعض النصائح التي تساعدك في تجنب ذلك الخطر:

  • تأكد من حصول كل نبات على القدر الكافي من ماء الري، دون زيادة أو نقصان، حيث إن الإفراط في ري النباتات، للاعتقاد خطئًا بأن ذلك قد يساعد في نمو النبات وازدهاره، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بل إنه يمثل بيئة مثالية لنمو الفطريات وإصابة النبات بالآفات.
  • عند نقل النبتات الصغيرة إلى أوعية جديدة، لا يُفضل استخدام تربة قديمة من الحدائق قبل تعقيمها، للتأكد من عدم تلوثها بالشوائب والآفات التي قد تصيب النبات.
  • تفقد أوراق النبات بشكل مستمر، لرصد أي تغيرات غريبة أو علامات لبداية الإصابة بالآفات، مثل وجود الحفر أو الثقوب في الأوراق النباتية، لضمان اكتشاف الإصابة مبكرًا والتعامل معها قبل أن تؤذي النبات.

أخيرًا، إن الاعتناء بالنباتات المنزلية لا يمثل فارقًا في حياة تلك النباتات الصغيرة فحسب، بل إن له تأثيرات بالغة لا تقتصر علي تعزيز الصحة النفسية والجسدية، بل تمتد أيضًا لتشمل الحفاظ على البيئة الطبيعية التي نعيش فيها. شاهد أيضاً حشرة السرعوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مرتبطة
Total
0
Share