fbpx

أطفال جيل كوفيد: ماذا يحمل لهم المستقبل؟

ماذا سوف يحدث للأطفال الذين يكبرون خلال الجائحة؟ هناك أسباب للقلق، لكن الأبحاث عن المرونة النفسية مطمئنة، إذ تشرح عالمة نفس تطوّري ما يمكن أن يفعله البالغون لحماية الصغار من الضرر طويل الأمد.

تغيّرت ملامح مرحلة الطفولة رأسًا على عقب بنتيجة جائحة كوفيد-19، إذ استُبعِدت مواعيد اللعب الحرة والرياضات الجماعية والذهاب إلى المدرسة أو أصبحت بشكل صارم عبر الإنترنت للعديد من أطفال العالم الذين يبلغ تعدادهم 2.2 مليار طفل، لتحل العزلة والملل وضغوط الأسرة والقلق محلّها، فما هي تبعات هذا التحوّل؟

لقد نجا الأطفال من الكوارث من قبل، لذلك يعرف الباحثون الكثير عن المخاطر المحتملة وطرق التعافي الممكنة. على سبيل المثال، بعد الفيضانات في بوفالو كريك، فيرجينيا الغربية، التي قتلت 125 شخصًا عام 1972 وتركت أكثر من 4000 بلا مأوى، عانى الأطفال من القلق.

الصبيان أصبحوا عدوانيين، والأطفال الصغار الذين تم تدريبهم على استخدام المرحاض عادوا لما كانوا. كانت العواقب أسوأ في حال موت بعض أفراد الأسرة والأصدقاء، أو إذا كان الجو العائلي كئيبًا أو عنيفًا أو غير داعم. ولكن بعد مرور 17 عامًا، وجد الباحثون الذين يدرسون هؤلاء الأطفال أن معظمهم قد تعافوا.

في الجائحة الحالية، لاحظ الباحثون بالفعل ارتفاعًا في أعراض الاكتئاب بين الأطفال، وتفاقم الأعراض لدى الأطفال والمراهقين الذين يعانون بالفعل من اضطراب الوسواس القهري

آن ماستن، عالمة النفس التطوري التي تدرس المرونة النفسية في جامعة مينيسوتا في مينيابوليس (University of Minnesota in Minneapolis)، أعربت عن قلقها بشأن الأطفال الذين تتفاقم آثار الجائحة عليهم بسبب مشاكل أخرى مثل الفقر. لكن بشكل عام، كما تقول، هناك سبب يدعو للتفاؤل بشأن قدرة الأطفال على التعافي على المدى الطويل. يمكن للأهل المساعدة من خلال بناء بيئة مطمئنة - وممتعة - في المنزل.

كتبت ماستن وزملاؤها عن المرونة في دورية - Annual Review of Clinical Psychology" لعام 2021، وتم تحرير المحادثة من أجل الطول والوضوح.

أنت تعملين في مجال يسمى "علم المرونة"، ماذا يعني ذلك ومن أين أتى؟

يتعلق علم المرونة بطريقة تكيف الناس - أو العائلات أو المجتمعات أو الاقتصادات - مع التحديات. ظهر المصطلح حوالي عام 1970، بعد الحرب العالمية الثانية التي لفتت الانتباه إلى الطرق التي يتأثر بها الأطفال بالصدمات: معسكرات الاعتقال في الهولوكوست، على سبيل المثال، أو عمليات الإجلاء في المملكة المتحدة. كان الباحثون، الذين خاض بعضهم الحرب عندما كانوا صغارًا، يحاولون معرفة ما الذي يحمي الناس من الصدمات أو يسمح لهم بالتعافي، حتى نتمكن من تعلم كيفية مساعدة الآخرين.

ندرس المِحَن المختلفة، بدءًا من الكوارث الطبيعية إلى الآباء الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية أو النفسية، إلى سوء المعاملة أو الطلاق - جميع أنواع التحديات. أنا مهتمة بكيفية تأثير هذه المشاكل على تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية والتعليمية، وتأثيرها على جودة العيش مدى الحياة. على سبيل المثال، كيف يتعامل الأطفال مع الأطفال الآخرين؟ هل يتبعون قواعد المدرسة والمنزل، هل ينالون تحصيلًا أكاديميًا جيدًا؟ وبشكلٍ أساسيّ، ندرس النتائج التي يأملها معظم الآباء لأطفالهم: أن يجدوا مكانهم في المجتمع وأن يكونوا سعداء.

ماذا يخبرنا هذا النوع من الأبحاث عن المرونة النفسية؟

هناك عدد هائل من الأطفال الذين يتغلبون على المخاطر والشدائد ويتطورون ويحافظون على صحتهم. منذ سنوات، قمت بصياغة ما أسميه القائمة المختصرة: عوامل المرونة التي تظهر بشكل مستمر في دراسات الأطفال والشباب في العديد من المواقف المختلفة.

شاهد الفيديو بعنوان "تأثيرات الجائحة على تطور الطفل" عن فعالية إلكترونية عُقِدت في 19 أبريل 2021 حيث تحدّثت آن ماستين. يمكن الاطلاع على مصادر إضافية.

إن وجود علاقات وثيقة مع البالغين الداعمين والأكفاء  يكون دائمًا على رأس القائمة. بالإضافة إلى ذلك، يصبح أداء الأطفال أفضل عندما يكون لديهم مهارات جيدة في التخطيط والتفكير، ولكن أيضًا عندما يؤمنون بأنفسهم، ويشعرون بالانتماء ولديهم دافع للإنجاز. مع تقدم الأطفال في السن، يعد وجود الهدف والمعنى في الحياة عاملاً هامًا في الحماية. الأطفال الذين يمتلكون العديد من هذه العوامل، والذين ترعاهم أسر ومدارس مرنة، هم في وضع قوي للتغلب على الشدائد.

خلال أزمة كوفيد-19، ما هي مخاوفك الرئيسية فيما يخص الأطفال ؟

التعليم، لديّ حفيدة تبلغ من العمر 6 سنوات، وهي ليست متحمسة تجاه التعلم عن بعد. لقد لاحظنا بالفعل تفاوتات في هذا البلد، وهناك الكثير من الأطفال المحرومين الذين يواجهون مشكلة في التعلم عن بعد، أو لا يحضرون للتعلم. نحن نعلم أن الأطفال المحرومين يفقدون قوتهم في إجازة الصيف. ما نعيشه حاليًا يمكن اعتباره فصل صيفٍ مدته 18 شهرًا. بشكل عام، سيعاني مجتمعنا من فقدان رأس المال الأكاديمي: قد يكون هناك معدل أقل للتخرج من المدارس الثانوية والمرحلة الجامعية في هذا الجيل.

الانعزالية، أكثر الأطفال الذين أقلق عليهم هم الأطفال المعرضون للخطر أو الجوع بسبب تلك العزلة. تعتبر المدرسة من أهم الأماكن التي نراقب فيها الأطفال، ونتأكد من حصولهم على ما يكفيهم من الطعام، حتى لا يؤذيهم أحد. تنخفض إمكانية ​​الكشف عن إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم عندما يكونون معزولين.

التأثيرات العائلية، أتحدث هنا عن الأهالي العزاب العاملين، على سبيل المثال، أو العائلات التي تضررت مالياً بفقدان الأعمال الصغيرة. أطفال هؤلاء العائلات والأهالي يائسون يعانون على الصعيد العاطفي، وهذا له تأثير غير مباشر ولكن أساسي على نمو الطفل.

في مواجهة مثل هذه المحن، هل يمكننا أن نتوقع من الأطفال أن يكونوا مرنين؟

هناك سبب يدعو للتفاؤل، فقد أظهرت الأبحاث أنّه يمكن التعافي بمعدل هائل بمرور الوقت، بمجرد أن تعود الأمور إلى وضعها الطبيعي الجديد. مع استعادة الأنشطة مثل المدرسة والرياضة، يمكن أن تكون هذه الظروف عوامل مهمة للتعافي.

ما الذي يمكن للوالدين فعله الآن لتعزيز المرونة لدى أطفالهم؟

الاستماع للأطفال. أجيبوا على الأسئلة بأمانة قدر المستطاع، ولكن بطريقة مطمئنة ومناسبة لعمر الطفل.

الحفاظ على الروتين اليومي. تأكدوا من وجود فرص للعب مثل الألعاب اللوحية، والألغاز، وممارسة الرياضة معًا في الخارج. وأيضًا، اكتشفوا طرقًا للاستمرار في المناسبات الخاصة والاحتفالات - أيما كان ذلك ممكنًا. توفر كل هذه الأفعال إحساسًا بأن الأمور على ما يرام.

يعد الأمل أحد أقوى عوامل الحماية في حياة الإنسان، وهناك عامل آخر مهم وهو وضع خطط لما تريد القيام به عندما تنتهي الجائحة.

لكن أحد أهم الأشياء التي يمكن للوالدين القيام بها هو تذكر أنهم حجر الأساس. إذ أنهم يوفرون الشعور بالانتماء والأمان، ويعلّمون أطفالهم من خلال سلوكهم، لذا تأكدوا من أنكم تعتنون بصحتكم ورفاهيتكم.

إلى جانب التفاصيل الأخرى، قمت بصك مصطلح "القدرة الاحتياطية" في المرونة. كيف ينطبق ذلك على الأزمة الحالية؟

في أبحاث الكوارث، تتعلق القدرة الاحتياطية بتوفّر الموارد الجاهزة للاستخدام. على سبيل المثال، في حال حدوث إعصار، هل لديك القدرة الإضافية للحصول على خدمات الطوارئ؟

لقد لاحظت ببساطة أن الناس، بما في ذلك الآباء والمعلمين، لديهم أيضًا "قدرة احتياطية". يمكننا في كثير من الأحيان استثمار المزيد من الطاقة، ويفعل الآباء ذلك طوال الوقت، على سبيل المثال عن طريق تحسين أدائهم عندما يمرض أطفالهم.

لكنهم لا يستطيعون فعل ذلك إلى الأبد بمعدل مرتفع، فعندما يبدأ الناس في الشعور بالإرهاق والاستنزاف. هناك الكثير من الآباء المنهكين الذين لا يستطيعون توظيف مدرس أو مربية.

كثير من الآباء قلقون بشأن "وقت الشاشة (وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية). كيف يمكنهم إدارة ذلك ونحن نعيش حياتنا كلها مع هذه الأجهزة؟

من المفارقات أننا نتسبب في قضاء الأطفال الكثير من وقتهم في استخدام الأجهزة الذكية والإلكترونية، بعد كل التحذيرات بشأن قضاء وقت طويل في استخدامها.

مبدئيًا، نشكر الرب لوجود شاشات للتعلم والتواصل الاجتماعي وتسلية الأطفال الذين يشعرون بالملل حتى يتمكن آباؤهم من القيام ببعض الأعمال، التواصل مع الأطفال الآخرين عبر الإنترنت يمكن أن يخفف من العزلة إلى حد ما، ويمكن استخدام وسائل الإعلام بشكل جيد: إحدى كنوزنا العالمية العظيمة هي ورشة سمسم، وقد قاموا فيها ببعض الأعمال الجيدة عن جائحة كوفيد.

من ناحية أخرى، هناك أدلة جيدة جدًا، على سبيل المثال بعد أحداث 11 سبتمبر أو تحطّم مكوك الفضاء تشالنجر، على أنه يمكن أن تتعرض لصدمة نفسية من خلال التعرض لوسائل الإعلام، لذلك من المهم أن يكون الأطفال نشيطين ويخرجون للتنزّه، وأن تتعامل العائلات بشكل صحيح مع الموضوع.

أفكر في الأمر من حيث البدائل، إذ يتعلق الأمر بقيمة ما تفعله في وقت الشاشة. إذا كنت تقضي وقتًا أمام الشاشة بدلاً من الخروج في نزهة عائلية أو شيء من هذا القبيل، فربما لا تكون هذه فكرة جيدة.

ماذا يفعل علماء المرونة الآن؟

هناك العديد من المشاريع الجارية حول الاستجابات لجائحة كوفيد-19. على سبيل المثال، يدرس بعض الأشخاص آثار التعلم عبر الإنترنت على الصحة العقلية، أو الانتقال إلى الخدمات الصحية الإلكترونية (عن بُعد). هناك مجموعة مثيرة للاهتمام حقًا تسمى كوفجين"COVGEN" تدرس جيل كوفيد - أي الأطفال الذين وُلِدوا خلال الجائحة حول العالم.

أعتقد أننا سنتعلم حقًا من الدراسات التي كانت جارية بالفعل قبل الجائحة، بهدف متابعة الأطفال مع مرور الوقت. في حالات الكوارث المعزولة، غالبًا ما لا تكون لديك بيانات عن الأشخاص قبل وقوع الكارثة؛ لكن هذه المرة لدينا بيانات. أضاف الباحثون الرئيسيون في الدراسات السابقة مقاييسًا حول الضغط النفسي وتأثير الجائحة على هؤلاء الأطفال والأسر.

سيكون هناك قدر مذهل من الأبحاث التي سوف تعلمنا الكثير.

ماذا تعلّمنا حتى الآن؟

عادة ما نتلقى دروسًا سريعة من الكوارث الكبرى، ومن هذه الجائحة، آمل أن نتعلم أننا ولفترة طويلة لم نستثمر بما يكفي في الأطفال والعائلات. على سبيل المثال، العديد من المدارس ليس لديها مساحة كافية أو تهوية جيدة. وحتى قبل تفشي الجائحة، كان المعلمون يعانون من الاحتراق النفسي، مثقلون بفصول وأعباء عمل كبيرة. لم تكن لدينا قدرة احتياطية تعليمية، ولم نقدم الكثير من الدعم للأهالي، ونحن الآن نتشبث بالموضوع بكل ما نملك. نحن بحاجة إلى الاستثمار في الأنظمة والمباني والموظفين الذين يدعمون الأطفال والعائلات والتعليم.

هذه المقالة جزء من “إعادة الضبط: علم الأزمات والتعافي”، وهي سلسلة مقالات مستمرة تستكشف كيف يتعامل العالم مع جائحة الفيروس التاجي وعواقبه والطريق إلى الأمام. يتم دعم إعادة الضبط بمنحة من مؤسسة Alfred P. Sloan.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share