الإطار الزمني للذكريات, ذكريات, الدماغ

كيف يستطيع الدماغ البشري إضفاء طابع زمني للذكريات؟

في مارس من عام 2000، طُرح فيلم الإثارة والتشويق الشهير (Memento) لأول مرة في دور العرض، تدور أحداث الفيلم حول "ليونارد" الذي يُصاب بمرض فقدان الذاكرة التقدمي، فيفقد القدرة على تكوين ذكريات جديدة، ما يحول دون التوصل لقاتل زوجته خلال أحداث الفيلم المثيرة. 

ولعل أبرز ما يميز قصة الفيلم، هو كيفية التلاعب بالزمن وانتقال السرد بين تسلسلين زمنيين يتناوبان خلال الفيلم، أحدهما يحكى الترتيب الزمني الطبيعي للأحداث والآخر يحكى الأحداث بشكل عكسي؛ ليحاول كل من تلك التسلسلات تفسير الآخر خلال التقدم في أحداث الفيلم.

لم يكن فيلم (Memento) الوحيد من نوعه الذي يُعنى بتقديم فكرة الذاكرة والتلاعب بها، حيث يذخر التاريخ السينمائي بمئات الأفلام التي تناولت فكرة اضطراب الذاكرة البشرية، بل واهتم الباحثون والعلماء على مدار العصور بتفسير لغز الذاكرة المحير، وكشف الغموض الذي يحيط بجوانب ذلك النظام الإدراكي المثير.  

كيف تتكون الذكريات؟

تشير الذاكرة إلى عملية الاحتفاظ بالمعلومات مع مرور الوقت، وهي جزء من الإدراك البشري، الذي يسمح للفرد باستحضار الأحداث الماضية والاستفادة منها في الحاضر والمستقبل. تعتمد عملية التذكر على ثلاثة محاور رئيسية؛ الترميز والتخزين والاسترجاع.

الترميز (Encoding)

وهي عملية التعلم التي يبدأ فيها الفرد باستقبال المعلومات، ثم فهمها وتحويلها إلى صورة يمكن للدماغ الاحتفاظ بها. عادةً ما تتم عملية الترميز عن طريق أربعة أساليب رئيسية، وهي:

  •  الترميز البصري، عن طريق استقبال معلومات في صورة مرئية.
  •  الترميز الصوتي، عن طريق استقبال المعلومات في صورة مسموعة.
  •  الترميز الدلالي؛ أي ما يعنيه شيء ما
  •  ترميز اللمس

التخزين (Storage)

تشير عملية تخزين الذكريات إلى المدة الزمنية التي يستطيع فيها الدماغ الاحتفاظ بالمعلومات بعد الترميز داخل نظام الذاكرة، حيث يعتمد تخزين المعلومات على وجود نوعين رئيسيين من الذاكرة: الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى. 

اقرأ أيضاً  مكملات فيتامين د: ضرورة طبية أم خرافة لصالح شركات الأدوية؟

تُخزن المعلومات المشفرة أولًا في الذاكرة قصيرة المدى التي تستمر من 15- 30 ثانية فقط، وتستطيع تذكر من 2-7 معلومات في الأغلب. يعتمد انتقال المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى لتخزينها في الذاكرة طويلة المدى على مدى تركيز الفرد وتكرار تعرضه لتلك المعلومات في فترات زمنية مختلفة.

الإطار الزمني للذكريات, ذكريات, الدماغ

الاسترجاع (Recall)

هي العملية التي يمكن عن طريقها استدعاء المعلومات التي يختزنها الدماغ، والجدير بالذكر أن طريقة استرجاع المعلومات المختزنة يختلف، ففي: 

  • الذاكرة قصيرة المدى: يرتبط بالتسلسل الزمني لاستقبال تلك المعلومات؛ على سبيل المثال: يسترجع الفرد قائمة من الأرقام بالترتيب الذي استقبلها به.
  • الذاكرة طويلة المدى: يعتمد على الأحداث والظروف المصاحبة لاستقبال تلك المعلومات؛ على سبيل المثال: ارتباط حدث ما بمكان أو بصوت أو برائحة معينة، بحيث تُسترجع المعلومات بمجرد التعرض لتلك الظروف مجددًا.

كيف نستطيع تحديد الإطار الزمني للذكريات؟ 

هناك العديد من النظريات المتعلقة بشأن تخزين الدماغ البشري للمعلومات الزمنية الخاصة بالأحداث. تشير إحدى تلك النظريات إلى وجود ثلاثة محاور رئيسية لتكوين البعد الزمني للذكريات؛ ألا وهي:

المسافة الزمنية 

التي تسمى أيضًا بـ"الزمن النسبي" وهي المدة الزمنية التي انقضت منذ وقوع الحدث حتى الوقت الحاضر.

تُظهر الدراسات زيادة قدرة الأفراد على تذكر الإطار الزمني للذكريات كلما كان الحدث قريبًا من الوقت الحاضر، فعن طريق سؤال المشاركين في الدراسة عن بعض الأحداث السابقة، أشارت ردود المشاركين إلى أن تحديد الإطار الزمني للأحداث التي وقعت خلال مئة يوم مضت، لم يكن مشوشًا على الإطلاق، ولم يخطئ المشاركون -في المتوسط- في تذكر البعد الزمني لتلك الأحداث. في حين أظهر ازدياد المدة الزمنية عن 100: 1000 يوم انحدارًا ملحوظًا في قدرة المشاركين على التحديد الدقيق للإطار الزمني للأحداث.

اقرأ أيضاً  كيف تحمي نفسك من الإيدز؟

مكان شهود الحدث

يرتب الدماغ البشري الذكريات ترتيبًا جغرافيًا قبل ترتيبها زمنيًا، لذلك فإن مكان شهود وتكوين الذكريات هو المصدر الأساسي لتحديد الإطار الزمني لتلك الذكريات، على سبيل المثال: قد يتذكر الفرد ذكريات معينة بمجرد استحضار صورة المنزل القديم الذي كان يسكنه وشهد فيه وقوع أحداث بعينها.

التسلسل الزمني للأحداث المصاحبة

يشير التسلسل الزمني إلى قدرة الفرد على ربط ذكرى معينة بأحداث زمنية أخرى صاحبت وقوعه أو سبقته أو تبعته، بحيث يستطيع ترتيب تلك الأحداث زمنيًا واسترجاع تلك الذكريات بشكل منظم بمجرد التعرض لمحفز يثير تذكر الدماغ للأحداث الزمنية المصاحبة لوقوع الحدث المعني. 

يختلف التسلسل الزمني اختلافًا جوهريًا عن "الزمن النسبي"، فالزمن النسبي يربط ذكرى معينة بالحاضر، في حين يربط التسلسل الزمني بين أحداث زمنية سابقة صاحبت تكوين تلك الذكرى.

الذاكرة والتعلم

ترتبط الذاكرة ارتباطًا وثيقًا بعملية التعلم، ولعل أبرز المحاور التي تساعد في رفع جودة هذه العملية، تأتي عن طريق إنشاء روابط قوية بالذاكرة هي:

التباعد الزمني بين المعلومات

عندما يستقبل الفرد المعلومات مرارًا وتكرارًا على مدار فترة زمنية طويلة، فإنه على الأرجح يتذكرها بشكل أفضل، مقارنة بشخص آخر استقبل تلك المعلومات لمرات أقل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. 

يمكن تطبيق ذلك عند الحاجة إلى دراسة موضوع معين، عن طريق البدء بقراءته بتركيز، ثم إعادة الكرة عدة مرات على فترات زمنية متباعدة نسبيًا؛ لتقوية الروابط العصبية المعنية بتخزين واسترجاع المعلومات الخاصة بذلك الموضوع.  

الذاكرة المعتمدة على حالة الفرد

وفقًا للدراسات فإن كون الفرد في نفس الحالة التي استقبل فيها المعلومات في أول مرة يساعد في تذكر المعلومات بشكل أفضل. لا تعتمد حالة الفرد التي يُشار إليها في تلك الدراسات إلى الحالة النفسية فقط، بل تشير أيضًا إلى الحالة الجسدية والعقلية، والمكان الذي استقبل فيه تلك المعلومات والأشياء المحيطة به في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً  الدروس التي تعلمها بيل جيتس من فيروس كورونا

المخططات والخرائط الذهنية

تشير المخططات إلى جمع المعلومات في إطارات محددة ينشئها المتعلم؛ لمساعدته في فهم وتنظيم المعلومات الجديدة، ما يسمح للفرد بتفسير المعلومات الجديدة بسرعة أكبر، مقارنةً بعدم استخدام تلك المخططات والخرائط الذهنية. 

ولكن، لتحقيق أكبر فائدة من استخدام تلك المخططات، لا يمكن غض الطرف عن أنها قد تتسبب في إهمال المتعلم لبعض جوانب الموضوع، التي قد لا تخضع ضمن الإطار العام الذي استخدمه في وضع المخططات، الأمر الذي يدعو إلى إعادة تقييم تلك المخططات مرارًا؛ للإلمام بكافة جوانب الموضوع، وتمييز تلك المعلومات التي تخرج عن الإطارات العامة.

أخيرًا، إن الذاكرة البشرية لغز حير الكثير من العلماء والباحثين عبر التاريخ، وعلى الرغم من الحقائق المذهلة التي كشفتها لنا الدراسات عن آلية تكوين الذكريات، إلّا أننا في انتظار المزيد من الدراسات التي تكشف لنا أكثر عن جوانب ذلك اللغز المحير؛ لتفتح مجالًا لفهم أعمق يمَكِّننا من تسخير ذلك العلم لعلاج اضطرابات الذاكرة، والأمراض التي تؤدي إلى تدهور الذاكرة مع التقدم في العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
0
Share