fbpx

لماذا تصبح بعض أنماط الذكاء الاصطناعي الذكية “غبيًة” أحيانًا؟

أصبح لـ” تعلم الآلة” استخدامات في مجالاتٍ متنوعة مثل فيزياء الجسيمات وعلوم الأشعة، ومع ازدياد تأثيره يزداد فهمنا لحدوده.

إنه العام 47025.4 ، في القرن الرابع والعشرين بالتاريخ النجمي . تم تجنيد الملازم القائد (داتا) ، من قبل شقيقه “لور” الروبوت المتمرد، للانضمام إلى تمرد ضد البشرية – مما أثار ذعر جان لوك بيكار ، قائد السفينة “يو إس إس إنتربرايز. يقول “لور” لـ”بيكارد”: “إن عهد أشكال الحياة البيولوجية يقترب من نهايته”. “أنت. يا”بيكارد” ، و أمثالك ، قد عفا عليهم الزمن.”

هذا هو فيلم “ستار تريك” Star Trek لك – والذي يقدم طرحاً متفائلاً جدًا لدرجة الاعتقاد أن الآليات الذكية لن تطيح بالبشر قبل مرور ثلاثة قرون أخرى على الأقل, لكن هذا خيال. في الحياة الواقعية، بدأ عصر الآليات الذكية بالفعل. ورغم إنهم لم يسيطروا على العالم بالكامل حتى الآن، لكنهم دشنوا بداية جيدة.

غزا “تعلم الآلة” -وهو نوع من الحقول الفرعية المتماسكة ضمن السعي الأكثر ضبابية للذكاء الاصطناعي – العديد من مجالات النشاط البشري، من التشخيص الطبي إلى البحث عن “جسيمات دون ذرية” جديدة.

  بفضل ما يمثل التجسيد الأقوى له- المعروف باسم التعلم العميق – تشمل قدرات تعلم الآلة الآن التعرف على الكلام وترجمة اللغات وتحديد الصور وقيادة السيارات وتصميم مواد جديدة والتنبؤ بالاتجاهات في سوق الأوراق المالية، من بين استخداماتٍ في عدة  مجالات.

في عدد عام 2019 من دورية ” Annual Review of Vision Science”   كتب عالم الأعصاب الحاسوبية “توماس سيري”: ” لأن أجهزة الكمبيوتر يمكنها تمحيص البيانات دون عناء بمقاييس هائلة تتجاوز القدرات البشرية، فإن التعلم العميق ليس فقط على وشك تغيير المجتمع الحديث، ولكنه أيضًا على مقربة من إحداث ثورة في العلوم – على مستوى التخصصات الرئيسية من فيزياء الجسيمات والكيمياء العضوية إلى الأبحاث البيولوجية والتطبيقات الطبية الحيوية” .

خلال السنوات الأخيرة، أغرق سيل من الأبحاث الجديدة حول تعلم الآلة والتعلم العميق والذكاء الاصطناعي الدوريات العلمية.  غطت الدراسات والمراجعات في هذا المبحث الجديد موضوعات مثل الرعاية الصحية وعلم الأوبئة وعلوم المواد والفيزياء الأساسية والحوسبة الكمومية ومحاكاة التفاعلات الجزيئية وميكانيكا الموائع وعلم النفس الإكلينيكي والاقتصاد وعلم الرؤية واكتشاف العقاقير.

تسلط مثل تلك الأبحاث الضوء على النجاحات الكبرى لتعلم الآلة حتى الآن وتتنبأ بإنجازات أكثر جوهرية في المستقبل، لكن معظم هذه المراجعات تشير أيضًا إلى مَواطن محدودية و قصور الآلات الذكية.

بعض النجاحات المثيرة للإعجاب على سبيل المثال تعتمد نمط “التعلم المختصر” الذي يحصل على الإجابة الصحيحة دون فهم حقيقي. وبالتالي ، يمكن بسهولة خداع الآلات الذكية للوقوع في الخطأ. يعد الكثير مما يسمى اليوم بذكاء الآلة مهارة مركزة في نطاق ضيق، وفعالة في القيام بمهام محددة، دون امتلاك مرونة القدرات المعرفية العامة التي يمتلكها البشر. على سبيل المثال، فإن الكمبيوتر الذي يمكنه التغلب على أبرع خبراء الشطرنج سيكون محدودًا في لعبة البوكر. 

كتبت عالمة الحاسوب ميلاني ميتشل في كتابها الصادر عام 2019 بعنوان الذكاء الاصطناعي: لعقلاء البشر Artificial Intelligence: A Guide for Thinking Humans: “في تناقض صارخ مع البشر، فإن معظم عمليات ” التعلم “في الذكاء الاصطناعي الحالي لا يمكنها نقلها لاستخدامها في مهام متشابهة.

حسب ما تشرح ميتشل ، هناك العديد من العوائق التي تعرقل البحث عن ذكاء اصطناعي حقيقي – آلات يمكنها التفكير و تدبر العالم بطريقة عامة مثلما يفعل –على الأقل بعض- البشر .

كتبت ميتشل: “نحن البشر نميل إلى المبالغة في تقدير تقدم الذكاء الاصطناعي والتقليل من تعقيد ذكائنا البشري”. ولذلك، فإن المخاوف من سيطرة الآلات فائقة الذكاء على العالم ليست في محلها، حسب ما تقترح مستشهدة بتعليقات الاقتصادي والعالم السلوكي سيندل مولايناتان: “علينا أن نخاف، ليس من الآلات الذكية،  لكن من الآلات التي تتخذ قرارات لا تمتلك الذكاء الكافي لاتخاذها. أنا خائف من غباء الآلة أكثر من خوفي من ذكائها”.

يشرح كتاب عالمة الحاسوب والباحثة ميلاني ميتشل لعام 2019 قدرات وحدود الذكاء الاصطناعي الحالي.
CREDIT: PHOTO BY KENDALL SPRINGER

التطور السريع لتعلم الآلة

لكي نكون منصفين، نجح علماء الكمبيوتر في تطوير بعض الاستراتيجيات الفعالة جدًا لتعليم الآلات كيفية التعلم. عادةً ما يعتمد هذا التعلم على بعض أنواع أنظمة الحوسبة المعروفة باسم الشبكات العصبية.  بطريقة بدائية، تحاكي هذه الشبكات الدماغ البشري، مع وحدات معالجة تشبه الخلايا العصبية أو الأعصاب في الدماغ. في شبكة عصبية تقليدية ، تتلقى طبقة من الخلايا العصبية الاصطناعية مدخلات تعدل قوة الارتباطات بالخلايا العصبية في طبقة أخرى، حيث يمكن تحديد الأنماط في المدخلات وإبلاغ طبقة المخرجات بها. يمكن لمثل هذه الشبكة العصبية الاصطناعية أن “تتعلم” كيفية تصنيف بيانات الإدخال، كأن تتعرف على صورة قطة، على سبيل المثال .

في العقد الماضي أو نحو ذلك، اعتمدت استراتيجية تعلم الآلة المهيمنة على الشبكات العصبية الاصطناعية ذات الطبقات المتعددة ، وهي طريقة تُعرف باسم التعلم العميق. يمكن لآلة التعلم العميق اكتشاف الأنماط داخل الأنماط، مما يمكنها من تصنيف أكثر دقة للمدخلات يجعلها تتجاوز قدرة حتى الخبراء من البشر. يمكن لنظام التعلم العميق المدرب جيدًا على سبيل المثال اكتشاف دلالة للسرطان في التصوير المقطعي المحوسب، والتي قد تراوغ أعين أخصائي الأشعة البشرية.

في بعض الأنظمة، يكون التعلم “خاضعًا للإشراف”، مما يعني أن الآلة يتم تدريبها على البيانات المصنفة، بينما في حالة التعلم غير الخاضع للإشراف، يتم تدريب الآلات على مجموعات كبيرة من البيانات دون إخبارها بما تمثله المدخلات؛ يتعلم الكمبيوتر بنفسه التعرف على الأنماط التي تحدد الفئات أو السلوكيات. في نهج آخر، يسمى “التعلم المعزز” ، تتعلم الآلة الاستجابة للمدخلات بأفعال يتم مكافأتها (ربما عن طريق إضافة أرقام إلى ملف في الذاكرة) إذا ساعدت في تحقيق هدف معين، مثل الفوز بلعبة. أظهر التعلم المعزز قوته من خلال إنتاج الآلة التي تغلبت على البطل البشري في لعبة “Go “.

 لكن النجاح في لعبة Go، رغم استحقاقه لتصدر عناوين الأخبار، لا يماثل نجاحات تعلم الآلة الأكثر عملية في مجالات مثل الطب والصناعة والعلوم.

في الطب، ساعد تعلم الآلة الباحثين على التعامل مع نقاط الضعف في الاختبارات القياسية لفعالية العلاج. عادةً، تعتمد التجارب الطبية التي تختبر علاجات الأمراض على متوسط ​​النتائج لتحديد الفعالية، وبالتالي يمكن تضييع الفوائد المحتملة لمجموعات فرعية صغيرة من المرضى.

 على سبيل المثال، وجدت إحدى التجارب، أن برنامج إنقاص الوزن لم يقلل من مشاكل القلب بين مرضى السكري، لكن خوارزمية تعلم الآلة حددت مجموعة فرعية من المرضى الذين أدى فقدانهم للوزن إلى تقليل مشاكل القلب، حسب ما أشار خبير الأمراض المعدية “تيموثي ويمكين”  وعالم الحاسوب “روبرت كيلي” في عدد عام 2020 من دورية Annual Review of Public Health .

ساعد تعلم الآلة أيضًا في العثور على عقاقير جديدة لاختبارها. يقول الكيميائي “هاو تشو” وفي أحدث أعداد دورية  Annual Review of Pharmacology and Toxicology: “لقد تم تطبيق التعلم العميق على نطاق واسع في منهجيات اكتشاف العقاقير”. “إن التقدم الحالي للذكاء الاصطناعي المدعوم بالتعلم العميق قد أظهر آمالاً كبيرة عند استخدامه في منهجيات الاكتشاف المنطقي للعقاقير -منهجية لتصميم العقاقير بناء على معرفة مسبقة بخصائص الهدف البيولوجي-  في عصر “البيانات الضخمة” الذي نعيشه.”

و كما هو الحال مع اكتشاف عقاقير جديدة للأغراض الطبية، أثبت تعلم الآلة أنه مثمر في اكتشاف مواد جديدة للاستخدامات الصناعية.  في هذا السياق،  سهل الاعتماد على خوارزميات تعلم الآلة البحث عن المواد “فائقة الصلابة” المقاومة للتآكل والتلف، كما هو الحال في دراسة حالة ذكرت في عدد 2020 لدورية Annual Review of Materials Research .

حيث كتب عالم المواد تايلور سباركس وزملاؤه : “دراسة الحالة هذه، هي مثال ممتاز للدور القوي الذي يمكن أن يلعبه تعلم الآلة في اكتشاف مواد إنشائية جديدة”.

بينما تحظى التطبيقات العملية بأكبر قدر من الاهتمام، لتعلم الآلة مزايا يمكن الاستفادة منها في البحوث العلمية الأساسية. في مسرعات الجسيمات عالية الطاقة، مثل مصادم الهدرونات الكبير الذي يقع بالقرب من جنيف، تنتج البروتونات التي تتصادم معًا تيارات معقدة من الحطام تحوي “جسيمات دون ذرية” أخرى (مثل جسيم هيجز بوزون، الذي اكتشف في مصادم الهدرونات الكبير في عام 2012).

مع تصادم مجموعات تحتوي على مليارات البروتونات ملايين المرات في الثانية، يجب على الفيزيائيين أن يختاروا بدقة الأحداث الفيزيائية التي تستحق الدراسة. يشبه الأمر تحديد الجزيئات التي يجب ابتلاعها أثناء الشرب من خرطوم إطفاء الحريق. يمكن أن يساعد تعلم الآلة في تمييز الأحداث المهمة عن ضوضاء الخلفية، كما يمكن أن تساعد خوارزميات أخرى في التعرف على الجسيمات الناتجة في حطام الاصطدام.

كتب الفيزيائي دان جيست وزملاؤه في عدد 2018 لدورية Annual Review of Materials Research: “لقد أثر التعلم العميق بالفعل على تحليل البيانات في مصادم الهادرونات الكبير و دشن موجة جديدة من التعاون بين مجتمعات الباحثين في مجال تعلم الآلة وفيزياء الجسيمات”.

لم يقتصر تطبيق أساليب تعلم الآلة في معالجة بيانات فيزياء الجسيمات فقط،  حيث استخدمت أيضًا في علوم الكونيات والحوسبة الكمومية وعوالم أخرى من الفيزياء الأساسية ، حسب ما أشار عالم فيزياء الكم “جوزيبي كارليو” وزملاؤه في دراسة مراجعة حديثة أخرى.

وفي دراسة مراجعة نشرت العام الماضي في دورية “ Reviews of Modern Physics كتب كارليو والمؤلفون المشاركون: “بالتوازي مع ظهور تقنيات تعلم الآلة في التطبيقات الصناعية، أصبح العلماء أكثر اهتمامًا بإمكانيات التعلم الآلة في مجالات بحوث العلوم الأساسية”.

حدود التعلم

بحسب ما أكد كارليو والعديد من العلماء الآخرين ، فإن تعلم الآلة له جوانب قصور ولا ينبغي لنجاحاتها أن تعمي العلماء عن عيوبها.

يضيف كارليو و المؤلفون المشاركون في الدراسة: ” إن المشاركة النقدية الفعالة مع مواطن القوة والقصور المحتملة لتعلم الآلة يجب أن تضمن تحليلًا لمواضع فشل تعلم الآلة، وما لا تبرع فيه”.

وذلك لسبب بسيط، أن “ذكاء الآلة” مقيد بطبيعة البيانات التي تتعلم منها. على سبيل المثال، يمكن للآلات المدربة على فحص المتقدمين للوظائف من خلال تحليل قرارات التوظيف البشري،  تعلم التحيزات المختلفة التي كان له دور في التمييز ضد مجموعات معينة عبر التاريخ.

 حتى عندما تعمل الآلات بشكل جيد ، فهي ليست دائمًا ذكية كما تبدو. على سبيل المثال ، بينما تبين التقارير مهارة الآلات في التعرف على الصور،  يجب التنبه إلى حقيقة أن تقارير دقة الآلة غالبًا ما تشير إلى “التخمينات” الخمسة الأولى – إذا كان أي من الخمس تخمينات صحيحة ، يعزى الفضل للجهاز في تحديد الهوية بشكل صحيح.

غالبًا ما تبدو الآلة الذكية تعمل بدقة، ولكن ليس لأنها تتعلم أو تفهم مهمة ما في أي مجال بطريقة تشبه الطريقة التي يتعلم بها الإنسان. بدلاً من ذلك ، تجد الآلة طريقًا مختصرًا ينتج إجابة صحيحة بشكل متكرر. كتب روبرت جيرهوس وزملاؤه في ورقة بحثية حديثة على موقع arXiv.org: “قد يبدو أن الشبكة العصبية العميقة تصنف الأبقار جيدًا – لكنها تفشل عند اختبارها على الصور التي تظهر فيها الأبقار خارج المناظر الطبيعية العشبية النموذجية”. في هذه الحالة ، يغد “العشب” هو المؤشر المختصر لتعرف النظام على البقرة.

تعتمد الآلات في بعض الأحيان على البنية بدلاً من الشكل كمؤشر مختصر للتعرف على الأشياء،  لذا إن تم تحويل صورة قطة بواسطة برنامج فوتوشوب Photoshop لتبدو وكأنها صورة منقوشة بدرجات مختلفة من اللون الرمادي، فقد تعتقد الآلة أنها فيل. قد تكون هذه الاختصارات أحد الأسباب التي تجعل الآلات فريسة سهلة لجهود الخداع العدائية.

علقت ميتشل في كتابها: “من السهل بشكل مدهش على البشر خداع الشبكات العصبية العميقة خلسة لارتكاب الأخطاء”. يمكن للتغييرات الطفيفة في الأشعة السينية الطبية – غير المحسوسة للعين البشرية – تغيير تشخيص الجهاز من “ثقة بنسبة 99 بالمائة في أن الصورة لا تظهر سرطانًا إلى ثقة بنسبة 99 بالمائة في وجود السرطان”.

تضيف ميتشل أنه من الصعب فهم سبب فشل الآلات بهذه الطريقة، لأن البشر لا يعرفون كيف تتخذ الآلات قراراتها. تشبه المعالجة داخل الطبقات المتعددة للشبكة العصبية للتعلم العميق الأعمال الداخلية للثقب الأسود – وهوغير مرئي  للإدراك البشري – مما يجعل من الصعب تحديد كيفية عمل التعلم العميق.

بقول ميتشل: “غالبًا ما يصعب فهم أسباب القرارات التي تتخذها الشبكات العصبية العميقة ، مما يجعل من الصعب التنبؤ بإخفاقاتها فضلاً عن التوصل لطرق إصلاح تلك الإخفاقات”.

على الرغم من ذلك، من الواضح أنه مهما كانت الآلات تتعلم ، فإن ذلك لا يكون بنفس الطريقة التي يتعلم بها البشر.

 على كلٍ، ليس ذكاء الآلة وحده الذي يصعب فهمه، ينطبق الأمر ذاته على الذكاء البشري،  لذا سيتعين على العلماء فهم الذكاء البشري بشكل كامل قبل أن يتمكنوا من ابتكار بديل اصطناعي أقوى، وهذا هو سبب وجود خطر ضئيل من أن يُٰستعبد الجنس البشري قريبًا لو كان ثمة “لور” شقيق ” داتا” في ” ستار تريك” كشخصية غير خيالية. 

تتشارك ميتشل المشاعر نفسها التي عبر عنها رائد البرمجيات ميتشل كابور: “الذكاء البشري ظاهرة رائعة ودقيقة وغير مفهومة بشكل كافٍ،  لذا لا خطر من استنساخها في أي وقت قريب “. أو ربما حتى القرن الرابع والعشرين.



تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share