fbpx

النيران الصديقة: كيف يمكن للأجسام المضادة الذاتية أن تؤدي لإصابة حادة بكوفيد-19

ترتبط بعض الحالات الخطيرة لـ كوفيد-19 بمهاجمة الجهاز المناعي للجسم الذي يحاول حمايته

يصيب بعض الناس إعياء شديد جراء الإصابة بكوفيد-19، البعض يموت، فيما يعاني البعض من أعراض تستمر لأشهر. في المقابل، يعاني البعض الآخر من تعب خفيف، أو حتى لا يلاحظون أنهم مصابون.

 في الربيع الماضي، ومع انتشار الوباء، بدأ العديد من علماء المناعة البحث في عينات دم المرضى عن السبب وراء هذا الاختلاف الواسع. تكهن البعض أنه ربما ليس لدى الأشخاص الأكثر مرضًا ما يكفي من الأجسام المضادة.

يبدو أن الباحثين قد اكتشفوا العكس؛ كان لدى المصابين بكوفيد-19 الذين تم نقلهم إلى المستشفى الكثير من الأجسام المضادة ضد فيروس سارس-كوف-2، كما وجدوا أن لديهم أيضًا مجموعة متنوعة من الأجسام المضادة الموجهة ضد أنسجة أجسامهم وجزيئاتها. 

بعض الأجسام المضادة الذاتية تهاجم الأعضاء أو الأنسجة، بنمط يشبه إلى حد كبير أمراض المناعة الذاتية مثل مرض الذئبة. بينما يهاجم البعض الآخر جهاز المناعة نفسه، ويقوض قدرة الجسم على محاربة العدوى. في بعض الحالات يكون لدى الأشخاص أجسام مضادة ذاتية قبل أن يصابوا بفيروس سارس-كوف-2 ؛ في حالات أخرى، تظهر الأجسام المضادة شاذة السلوك عندما يحاول الجسم محاربة الفيروس.

على الرغم من قلة الأدلة المباشرة على ذلك حتى الآن؛ يتكهن بعض علماء المناعة بأن الأجسام المضادة الذاتية يمكن أن تساهم في الأعراض الممتدة التي يعاني منها بعض المرضى، والذين تظهر عليهم الأعراض لأسابيع وشهور بعد الإصابة.

إذا كانت الأجسام المضادة الذاتية تمثل مشكلة في مجموعة فرعية من المرضى المصابين بـكوفيد-19، فإن رصدهم وعلاجهم يمكن أن يساعدهم. إليك ما يعرفه العلماء حتى الآن.

ما هي الأجسام المضادة؟

الأجسام المضادة هي جزيئات على شكل Y تنتجها الخلايا البائية في جهاز المناعة. في أعلى قمتين في حواف الخلايا Y، ثمة مناطق تختلف من جسم مضاد إلى جسم مضاد آخر تسمح لهم بالتعرف على الجزيئات المختلفة. وعند التصاقهم بأهدافهم؛ تتحفز للقضاء على تلك الجزيئات أو الخلايا التي تحتوي عليها. 

يحتوي الجسم على مخزون كبير من الخلايا البائية، كل منها يصنع نوعًا خاصًا به من الأجسام المضادة. إذا وجدت إحدى هذه الخلايا البائية هدفها، فإنها تبدأ في نسخ نفسها، وإنشاء المزيد من الخلايا البائية، بالإضافة إلى الخلايا المستجيبة التي تنفث الأجسام المضادة في مجرى الدم وخلايا الذاكرة (البائية) التي ستخزن ذكرى الجسم المضاد لاستخدامه ضد العدوى إذا حدثت في المستقبل.

يقول ماثيو وودروف، عالم المناعة في جامعة إيموري في أتلانتا، إن الأمر يستغرق ما يصل إلى أسبوعين حتى تصل الخلايا البائية إلى تلك الحالة النشطة. 

يحدث هذا بسبب وجود ’استئصال دقيق‘ للخلايا البائية التي تستهدف أيضًا - وتضر- أنسجة الجسم نفسه وجزيئاته. يمتلك الجهاز المناعي مجموعة متنوعة من الطرق لقتل أو إسكات الخلايا البائية التي تحتوي على هذه الأجسام المضادة الذاتية الخطيرة.

على الأقل، هذا ما يجب أن يحدث في نظام المناعة المتوازن تمامًا، كما يقول ألكسيس كومبس، اختصاصي المناعة في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو. يقول كومبس: "كل ما في الأمر أنه في نهاية المطاف النظام ليس مثاليًا". ثمة الكثير من الطرق التي يمكن للأجسام المضادة عبرها التسلل خلال عملية مراقبة الجودة، خاصة في جهاز مناعة اختل توازنه بسبب فيروس مثل سارس- كوف-2.

وفقًا لرؤية كومبس، تخيل خلية بائية ذات جسم مضاد ترتبط بخلايا غازٍ خارجي، ولكنها تلتصق أيضًا، بشكل طفيف، ببعض أنسجة أو خلايا أو جزيئات جسم الإنسان نفسه. قد يحدث ذلك من خلال التسلل من عملية مراقبة الجودة.

يوضح وودروف إن هناك طرقًا أخرى أسرع لإثارة الخلايا البائية في حالات الطوارئ مثل العدوى الشديدة، حيث درس عملية تستطيع بها الخلايا البائية أن تتخطى بعض خطوات مراقبة الجودة لإنتاج أطنان من الأجسام المضادة على الفور. 

رأى وودروف وزملاؤه أن هذه العملية سريعة المفعول تعمل لدى الأشخاص المصابين بمرض الذئبة، حيث تهاجم الأجسام المضادة الذاتية المنتشرة في الدم أنسجة الجسم نفسه، مسببة آلام وتورم وتضرر للأنسجة. يهاجم الجسم المضاد الذاتي الأكثر شيوعًا في مرض الذئبة الحمض النووي لخلايا جسم الإنسان نفسه.

شهد وودروف وآخرون أيضًا عملية مماثلة في المرضى ذوي الإصابة الحادة بكوفيد -19، مما يشير إلى أن أجسامهم يمكن أن تكون مهيأة للسماح بدخول الأجسام المضادة الذاتية إلى مجرى الدم. 

ما علاقة الأجسام المضادة الذاتية بالإصابة الحادة بكوفيد -19؟

قام باحثون من جامعة ييل في نيوهافن بولاية كونيتيكت بفحص دم 194 شخصًا مصابًا بـكوفيد-19، بحثًا عن 2,770 جسمًا مضادًا مختلفًا، ووجدوا كمية أكبر بكثير من الكمية المعتادة، وفقًا لدراسة لم تتم مراجعتها من قبل علماء آخرين حتى الآن.

كان الأشخاص المصابون إصابة حادة بـكوفيد-19 بهم الكمية الأكبر من الأجسام المضادة. علاوة على ذلك، عندما قام الباحثون بإعطاء أجسام مضادة مماثلة للفئران قبل تعريضها للإصابة بـكوفيد-19، أصبحت الفئران أكثر مرضًا من الحيوانات التي تلقت الفيروس فقط.

تضمنت الأجسام المضادة لدى الأشخاص المصابين إصابة حادة بـكوفيد-19 أجسامًا مضادة ضد عدة أجزاء من الجهاز المناعي، مثل الجزيئات المرسلة للإشارات التي تُسمى ’السيتوكينات‘ علاوة على أجسامًا مضادة تصيب البروتينات الموجودة على سطح الخلايا المناعية.

على سبيل المثال، كانت الأجسام المضادة ضد فئة من ’السيتوكين‘ تُسمى ’الإنترفيرون‘، موجودة في أكثر من 5 في المائة من مرضى كوفيد-19 في المستشفى.

هذه الإنترفيرونات هي بمثابة إشارة إنذار توجه الخلايا لمقاومة الفيروسات، وفق جان لوران كازانوفا، اختصاصي مناعة الأطفال بجامعة روكفلر في نيويورك. لذلك إذا تم تعطيل الإنترفيرون بواسطة الأجسام المضادة، قد تضعف إشارة الإنذار هذه.

وجد كازانوفا وزملاؤه دليلًا يؤكد ذلك نفسه في دراستهم، حيث وجدوا 10 في المائة من 987 مريضًا مصابًا بـكوفيد-19 المهدِّد للحياة - 101 شخص إجمالًا - لديهم أجسام مضادة للإنترفيرون، فكان لدى هؤلاء المرضى القليل من الإنترفيرون في دمائهم أو لا انترفيرون على الإطلاق.

من المحتمل أن يكون ذلك قد أضر بقدرتهم على محاربة الفيروس، حيث مات أكثر من ثلث هؤلاء العشرة بالمائة.

تشير النتائج إلى أنه قد يكون من المفيد إعطاء المزيد من الإنترفيرون - من النوع الأقل احتمالية لإثارة المناعة الذاتية - للأشخاص الذين يعانون من هذه المضاعفات الخاصة بـكوفيد-19.

(في الواقع، يقول كازانوفا إنه جرب ذلك مؤخرًا على امرأة لديها مستويات عالية من الأجسام المضادة الذاتية، "وقد تحسنت كثيرًا").

يقول كازانوفا إن هؤلاء المرضى لديهم أجسام مضادة ذاتية من قبل إصابتهم بـكوفيد-19. كما يشتبه في أن هذه الأجسام المضادة قد تكون أكثر انتشارًا لدى كبار السن، الذين لديهم مخاطر أعلى للإصابة بعدوى كوفيد-19 الحادة.

كانت الأجسام المضادة الذاتية أيضًا أكثر شيوعًا عند الرجال، فكان 95 من 101 شخصًا ممن لديهم مضادات الإنترفيرون ذكور. قد يساعد ذلك في تفسير سبب تعرض الرجال لخطر أكبر للإصابة إصابة حادة بكوفيد-19، كما يتكهن كازانوفا في دراسة له في دورية Annual Review of Pathology: Mechanism of Disease عن العوامل الوراثية التي يمكن أن تضعف جهاز المناعة وتعرض الناس للعدوى.  

بالإضافة إلى مضادات الإنترفيرون، لاحظ فريق جامعة ييل في دراستهم وجود مضادات ذاتية ضد أجزاء أخرى من الجسم مثل الجهاز العصبي والأوعية الدموية. 

قد يعني ذلك أن الأجسام المضادة الذاتية تسبب الفوضى في جميع أنحاء الجسم لدى بعض مرضى كوفيد-19؛ مما يتسبب في تلف الأعضاء والأنسجة بالطريقة التي تحدث في حالات أمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة والتهاب المفاصل الروماتويدي.

وإن كان الأمر كذلك، فقد يساهم في الإصابة بعدد من الأعراض المتنوعة، مثل ضبابية الدماغ وآلام العضلات المرتبطة بالمرض لدى مختلف الأشخاص. 

لاحظ باحثو جامعة ييل أن الأشخاص الذين لديهم أجسام مضادة ذاتية ضد جزء من الدماغ كانوا أكثر عرضة للدخول في حالة تشبه الغيبوبة. 

يقول إيناكي سانز، اختصاصي المناعة وأخصائي أمراض الروماتيزم في فريق إيموري، إن الصلة المباشرة بين الأجسام المضادة الذاتية وأعراض معينة "يصعب جدًا إثباتها في الوقت الحالي".

يقوم سانز ووودرف وزملاؤهم في إيموري بالبحث في العلاقة بين الأجسام المضادة لـ كوفيد-19 وأمراض المناعة الذاتية الأخرى. 

في نسخة أولية من ورقة بحثية لم يتم مراجعتها بعد، رصد الفريق البحثي ملفات تعريف الأجسام المضادة الذاتية في الأشخاص المصابين بعدوى كوفيد الحادة، والتي تشبه تلك الخاصة بمرض الذئبة.

من الناحية النظرية، يشير ذلك إلى أن علاجات أمراض المناعة الذاتية، مثل تلك التي تثبط الخلايا البائية، فقد تكون مفيدة لمرضى كوفيد-19 المنتجين للأجسام المضادة، وفق سانز، لكن لا توجد معلومات كافية ليوصي بتلك النتائج حتى الآن.

ليس من غير المعتاد أن تنتج الأجسام المضادة الذاتية من عدوى فيروسية، عندما يتم تعزيز جهاز المناعة. 

يحدث ذلك في أمراض مثل حمى الضنك والحصبة الألمانية، على سبيل المثال لا الحصر، ولكنه يبدو شديدًا بشكل خاص في كوفيد-19.

 يقول سانز: "في الحالات العادية، تتم السيطرة على ذلك ذاتيًا"، حيث يتمكن الجهاز المناعي من إيقاف عمل الأجسام المضادة الذاتية في غضون أسابيع قليلة.

هل يمكن أن تسهم الأجسام المضادة الذاتية في حالات كوفيد-19 الممتدة؟

حتى الآن، الأدلة التي تشير إلى ذلك هي بطريقة أو بأخرى نادرة، ولكن هناك بعض الإشارات إلى أن هذا قد يكون هو الحال. 

على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها جامعة بوسطن - وهي نسخة أولية أخرى لم تتم مراجعتها من قبل العلماء بعد -  على عينة صغير جدًا، أجسامًا مضادة ذاتية في خمسة مرضى مصابين بفيروس كوفيد -19 الممتد التأثير، مقارنةً باثنين من أربعة مرضى ممن تعافوا تمامًا.

اكتشف العلماء في أوروبا أجسامًا مضادة ذاتية لدى الأطفال الذين طوروا متلازمة الالتهاب متعدد الأجهزة، وهي حالة يمكن أن تظهر بعد شهر أو أكثر من الإصابة بعدوى كوفيد-19. تضمنت أهداف تلك الأجسام المضادة الذاتية الجزيئات المشاركة في تنشيط الخلايا المناعية، والإشارات الكيميائية الحيوية وتطور القلب.

ويقوم الباحثون في إيموري وأماكن أخرى الآن بجمع عينات من الأشخاص الذين يعانون من أعراض مستمرة للتحقق من نظرية الأجسام المضادة الذاتية.

حتى لو كانوا على حق، قد تفسر الأجسام المضادة الذاتية مجموعة فرعية من حالات كوفيد الممتدة، بحسب ما يرى إف يون هيونج لي، اختصاصي المناعة في إيموري، "أعتقد أن هناك الكثير من الآليات التي تفسر سبب إصابة شخص ما بهذه المتلازمة طويلة المدى".

ولأي شخص قد يتساءل قائلاً: لا يوجد سبب لتوقع أن يقوم شخص ما بتطوير الأجسام المضادة الذاتية بعد تلقي لقاح كوفيد-19، لكن في واقع الأمر، نظرًا لأن الأشخاص المصابين بأمراض المناعة الذاتية قد يكونون أكثر عرضة لمضاعفات كوفيد-19، فمن المهم بشكل خاص أن يتم تطعيمهم.

هذه المقالة جزء من "إعادة الضبط: علم الأزمات والتعافي"، وهي سلسلة مقالات مستمرة تستكشف كيف يتعامل العالم مع جائحة فيروس كورونا وعواقبه، والطريق إلى الأمام. يتم دعم إعادة الضبط بمنحة من مؤسسة Alfred P. Sloan.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share