fbpx

نظام غذائي لكل فرد

تتحكم الجينات والميكروبات وعوامل أخرى في كيفية استقلاب جسم كل منا للمغذيات. يمكن أن يساعد فهم الروابط بين تلك العوامل في تحسين النظم الغذائية والصحة.

لسنوات عديدة، افترض الباحثون والأطباء أن التغذية مسألة نظام واحد يناسب الجميع. واعتقدوا أن الجميع يحتاج إلى نفس العناصر الغذائية من طعامهم، ويمكن أن تساعد حبة فيتامين أو اثنتين في تعويض أي نقص من المغذيات.

لكن العلماء الآن يكتشفون أن جيناتنا وبيئتنا، علاوة على الميكروبات التي تعيش فينا إضافة إلى عوامل أخرى، تغير قدراتنا الفردية على إنتاج وهضم العناصر الغذائية. تعني هذه الاختلافات أنه من الممكن لشخصين محددين الاستجابة لأنظمة غذائية متطابقة بطرق مختلفة، مما يؤدي إلى نتائج صحية وأنماط مرضية متنوعة.

حتى وقت قريب، لم يهتم العلماء بشكل كافٍ بفكرة أن الاختلافات الأيضية الفردية يمكن أن يكون لها أثر كبير على كيفية تأثير النظام الغذائي على مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة، وفقاً لما يقول ستيفن زيزل، مدير معهد أبحاث التغذية في جامعة نورث كارولينا، تشابل هيل. 

تساعدنا المعرفة الجديدة في حل الألغاز القديمة حول صحة الإنسان، وتمهد الطريق نحو عالم من "التغذية الدقيقة"، حسب ما كتب زيزل في مقال حديث نشر في دورية Annual Review of Food Science and Technology.

على الرغم من أن النتائج من غير المرجح أن تقود إلى توصيات غذائية مفرطة الفردية، إلا أنها يمكن أن تساعد في تصميم برامج التغذية لمجموعات جزئية من الأشخاص اعتمادًا على العوامل الوراثية أو عوامل أخرى: تعمل شركة زيزل "إس إن بي ثيرابيوتيكس SNP Therapeutics" على اختبار أنماط جينية من 20 متغير جيني مختلف يمكنها تحديد الأفراد المعرضين لخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني، على سبيل المثال. 

تحدثت Knowable Magazine مع زيزل عن تطور فهمنا للتغذية الدقيقة، وتم تحرير هذه المقابلة من أجل الطول والوضوح.

لماذا يتخلف البحث في مجال التغذية عن مناطق البحث الأخرى في الطب؟

شهدت دراسات التغذية دائما مشكلة في تباين نتائجها التجريبية. على سبيل المثال، عندما تم تغذية الأطفال بالحمض الدهني (حمض الدوكوساهكسانويكDHA)، أظهر البعض تحسنًا في أدائهم المعرفي فيما لم يظهر الآخرون ذلك. لأن البعض أظهر تحسناً، تمت إضافة الحمض إلى حليب الرضع، لكننا لم نفهم لماذا كان الرضع يستجيبون بشكل مختلف، لذلك استمر العلماء في الجدل حول سبب إضافة المكمل للحليب، طالما أن 15 في المائة فقط من الأطفال أظهروا تحسنًا، فيما 85 في المائة لم يظهروا أية استجابة.

جاء الارتباك من توقع أن الجميع في الأساس متطابقون. لم يدرك الناس أن هناك مصادر متنوعة يمكن من خلالها التنبؤ والتمييز بين أولئك الذين استجابوا لشيء ما عن الذين لم يستجيبوا. فيما يخص حمض (DHA) مثلًا، اتضح أنه إذا كان لدى الأم تغييرًا في جيناتها يجعلها بطيئة في إنتاج ذلك الحمض، فإن طفلها يحتاج إلى كمية إضافية منه و يستجيب لدى تغذيته به. يحدث اختلاف الجينات في حوالي 15 في المائة من النساء - واتضح أن أطفالهم يتحسنون عند إضافة الحمض إلى غذائهم.

تحتوي العديد من أنواع حليب الأطفال على مادة DHA (حمض الدوكوساهيكسانويك) لأن الدراسات أشارت إلى أن الأطفال أظهروا تحسنًا في القدرات المعرفية عند تناولهم لهذا المكمل الغذائي. في الواقع، يستفيد أقلية فقط من الأطفال من المكمل، وهم أولئك الذين لدى أمهاتهم متغير جيني يجعلهن أبطأ في إنتاج الحمض، حسبما يقول الباحث في مجال التغذية ستيفن زيزيل.

كيف بدأ الباحثون في إدراك هذا التباين؟

تعتبر دراسة الاختلافات في علم الوراثة البشرية إحدى الطرق. لقد أجرينا سلسلة من الدراسات التي توصلت إلى قدر كبير من التباين في كميات الكولين [عنصر غذائي أساسي] الذي يحتاجه الناس: أصيب الرجال، والنساء بعد سن اليأس بالإعياء عندما حُرموا منه، لكن نصف الشابات فقط أصبن بالمرض.

خلال الدراسة، وجدنا أن بعض النساء يمكن أن ينتجن مادة الكولين لأن هرمون الاستروجين يحفز الجين المسؤول عن إنتاجه. لدى النساء الأخريات اختلاف في هذا الجين يجعله لا يستجيب للأستروجين. يحتاج الرجال، والنساء بعد انقطاع الطمث، إلى الحصول على هذا المكمل بطريقة أخرى - عن طريق تناوله - لأنهم ينتجون كميات قليلة من الأستروجين.

لو أجريت دراسة الكولين في البداية باختيار المشاركات الشابات فقط، ربما لكنت وجدت أن نصفهم بحاجة إلى مادة الكولين، والنصف الآخر لم يحتاجه، وربما كان سينتج ذلك الكثير من التشويش في بياناتي. الآن بعد أن تمكنا من تفسير ذلك، فإن الأمر يبدو منطقياً. يمكن شرح ما يبدو أنه بيانات مشوشة بشكل أفضل باستخدام نهج تغذية دقيق.

هل توجد معضلات غذائية أخرى تشير إلى شيوع هذه الأنواع من الاختلافات؟

هناك بعض الأشياء التي نعرف بالفعل الأسباب الجينية الكامنة وراءها. على سبيل المثال، هناك قدر كبير من المعلومات حول الاختلافات الجينية التي تجعل الكوليسترول لدى بعض الأشخاص يرتفع عندما يتبعون نظامًا غذائيًا عالي الدهون، بينما لا يرتفع لدى آخرين. اكتشف الباحثون أيضًا متغيرات جينية تفسر سبب احتياج بعض الأشخاص إلى فيتامين (د) أكثر من غيرهم للحصول على نفس المستويات في دمائهم.

يتم التحكم في كل مرحلة أيضية بواسطة هذه المتغيرات. لذلك، عندما نجد أشخاصًا تبدوا استجاباتهم مختلفة في دراساتنا، فإن هذا يشير إلى وجود بعض الاختلافات الكامنة. بدلاً من التخلص من البيانات أو الاستنتاج بأن المشاركين لم يمتثلوا لبروتوكول الدراسة، يمكننا النظر في البيانات لاكتشاف بعض الأسباب الجينية لهذه الاختلافات. تعد التغذية الدقيقة حقًا تغييرًا في الطريقة التي نجري بها أبحاث التغذية، حيث بدأنا في تحديد سبب استجابة بعض الأشخاص وعدم استجابة البعض الآخر.

يصعب تفسير الدراسات التي تختبر تأثير النظام الغذائي على الصحة لأن الأشخاص المسجلين في كل دراسة يختلفون عادةً عن بعضهم البعض من حيث الجينات، والبيئة، والميكروبات التي تعيش في أحشائهم، وأشياء اخرى. 

إلى جانب المتغيرات الجينية، هل هناك عوامل أخرى يجب أن تأخذها التغذية الدقيقة في الاعتبار؟

في الوقت الحالي، يعزى جزء كبير من قدرتنا على أن نكون أكثر دقة إلى أدوات محسنة لفهم التباين الجيني. لكن الجينات وحدها لا تحدد الاستجابة للعناصر الغذائية بل تتفاعل مع عوامل أخرى أيضًا. من الواضح أن الميكروبيوم [مجتمع البكتيريا والميكروبات الأخرى التي تعيش داخل وعلى أجسامنا] يؤثر أيضًا على كيفية عمل المغذيات.

هدفت معظم أبحاث الميكروبيوم حتى الآن إلى تحديد الأحياء الدقيقة التي تعيش في القناة الهضمية، لكنها وصلت الآن إلى النقطة التي يمكن للباحثين من خلالها تحديد ماهية الجينات الميكروبية التي يتم تشغيلها، وتحديد العناصر الغذائية التي تنتجها ميكروبات الأمعاء، وما إلى ذلك. مع نضوج هذا البحث، سنتمكن من الحصول على توصيات أفضل بكثير مما نستطيع تقديمه الآن.

يمكن أن تكون بيئتنا عاملاً مهمًا جدًا أيضًا. بدأنا في التمكن من قياس التعرضات البيئية المختلفة يتم ذلك عن طريق اختبار آلاف المواد الكيميائية في قطرة دم. من المحتمل أيضًا أن يقدم علم الوراثة اللاجيني (علم التخلق)، وهو تخصص يدرس العلامات الكيميائية المتواجدة على الحمض النووي والمسؤولة عن تشغيل الجينات وإيقافها، إلى نتائج مهمة.

لطالما كان هذا المجال صعبًا لأن هذه العلامات تختلف باختلاف الأنسجة، ولا يمكننا بسهولة الحصول على عينة من أنسجة الكبد أو القلب لإجراء اختبار خاص بالتغذية. علينا تتبع هذه التغييرات في مجرى الدم، وتقدير ما إذا كانت هي نفس التغييرات التي حدثت في الأعضاء نفسها.

سيتعين علينا تضمين كل من هذه العوامل لتحسين توقعاتنا بشأن من سيستجيب أو لن يستجيب لعنصر غذائي معين. في النهاية، ستتوافر للتغذية الدقيقة كل هذه المدخلات منذ مراحلها الأولى.

هناك العديد من اختبارات التغذية الدقيقة التي يتم بيعها الآن من قبل شركات مختلفة. هل تقدم مثل تلك الاختبارات أي شيء مفيد؟

في الوقت الحالي، في كل مرة تبحث معظم الاختبارات في جين واحد في قاعدة بيانات وتقول، "لديك هذا الاختلاف الجيني وهو يجعلك أكثر عرضة لشيء ما." لكن المسارات الأيضية لمعظم العناصر الغذائية لا يتحكم فيها جين واحد. قد تكون هناك 10 أو 20 خطوة تؤثر جميعها في كيفية استجابتك للسكريات، على سبيل المثال، وقد تسبب أي واحدة من هذه الخطوات في مشكلة.

يمكن أن تساعدنا معرفة مواقع وجود الاختلافات على طول المسار الأيضي على التنبؤ بمدى احتمالية تعرضك لمشكلة في أيض السكر. إنه أمر أكثر تعقيدًا، و تنفيذه أصعب.

هل هناك مخاوف أخلاقية بشأن التغذية الدقيقة؟

بمجرد أن نعرف شيئًا عن جينات التغذية الخاصة بشخص، قد نصبح قادرين على توقع أنه أكثر عرضة للإصابة بمرض أو مشكلة صحية. يمكن أن يغير ذلك ما إذا كانت شركة التأمين تريد تغطيته. علينا أن نحاول توضيح هذا الخطر للأشخاص، وأن نعمل أيضًا على تحسين الخصوصية حتى لا تكون بياناتهم متاحة لأي شخص غيرهم.

المشكلة الأخرى هي أن الأثرياء يستطيعون إجراء هذه الاختبارات الجينية بينما لا يستطيع الآخرون القيام بذلك، لكن يمكننا استخدام التغذية الدقيقة لإيجاد حلول بديلة. على سبيل المثال، النساء اللواتي لا يستطعن ​​تشغيل جينات إنتاج الكولين بهرمون الاستروجين، أكثر عرضة لخطر إنجاب أطفال يعانون من عيوب الأنبوب العصبي وضعف نمو الدماغ. 

إذا احتجنا إلى اختبار لهذا الاختلاف الجيني فحسب، فإن اختبارًا كهذا يمكن تقليل تكلفته إلى بضع دولارات وإتاحته على نطاق واسع، أو قد نختار فقط إعطاء الجميع مكملات الكولين، إذا ثبت أن ذلك حل أكثر فعالية من حيث التكلفة.

على المدى الطويل، هل ستساعد هذه الاكتشافات في الوقاية من الأمراض؟

ثمة ميزة في البحث عن مشورة أكثر دقة لبعض المشاكل في الوقت الحالي. في حالة السمنة، على سبيل المثال، نعلم أنه مع زيادة الوزن لدى الناس، فإنهم يصابون بمجموعة من مشاكل تسمى" المتلازمة الأيضية" والتي تتعلق بتراكم الدهون في الكبد. نحن نعلم أنه بسبب الاختلافات الجينية، فإن حوالي 20 في المائة من السكان أكثر عرضة للإصابة بالكبد الدهني - وهم أكثر عرضة للإصابة بالمشاكل ذات الصلة. 

إذا تمكنا من اختبار هذه الاختلافات الجينية، سوف يمكننا تحديد وعلاج أولئك الذين سيحققون استفادة أكبر من التغييرات في النظام الغذائي وفقدان الوزن، إما بالمكملات أو الأدوية أو تغييرات نمط الحياة.

تعد حساسية الملح مثالاَ آخر. يعاني حوالي 10 في المائة من الأشخاص من ارتفاع ضغط الدم عند تناول وجبات غنية بالملح. في الوقت الحالي، لأننا لا نعرف الفروق الأيضية التي تساهم في التسبب في ذلك، نوصي أن على الجميع الابتعاد عن الملح. لكن الحقيقة هي أن حوالي 10 بالمائة فقط من الناس يستفيدون من هذه التوصية، و90 بالمائة يحصلون على طعام بلا طعم لا يحبونه.

إذا تمكنا من إجراء اختبار جيني ومعرفة ما إذا كان الشخص حساسًا للملح، فإن هؤلاء الاشخاص سوف يعلمون أن هذا الجهد يستحق كل هذا العناء لحماية صحتهم. أعتقد أن هذا سوف يساعد في جعل الناس يمتثلون للتوصيات ويغيرون أنماط حياتهم.

على عكس بعض الأدوية، التي لها تأثير "الكل أو لا شيء،" تميل تأثيرات التغذية إلى أن تكون طفيفة، لكن من الواضح أن التعديلات في التغذية هي تدخل مهم وسهل، وإذا لم نستطع أن نصلح نظامًا غذائيًا، فعلينا معالجة المشكلات التي تنشأ من اتباع نظام غذائي سيء.

ستكون التغذية دائمًا مجالًا من الصعب فيه الحصول على نتائج دقيقة، ولن يكون الأمر مثاليًا حتى نتمكن من تحديد جميع المتغيرات. جزء مما تقوم به التغذية الدقيقة هو المساعدة في تطوير الأدوات التي لدينا لفهم تلك الأنظمة المعقدة.

تم نشر هذا الموضوع بتصريح من Knowable Magazine، التي تصدرها مؤسسة Annual Reviews، وهي مؤسسة غير ربحية تعنى بأمور النشر العلمي، حيث تقوم بانتاج المحتوى المعرفي الذي يسهم بتطور العلوم المختلفة وبالتالي الارتقاء بالمجتمع. سجل الآن للاشتراك في نشرة Knowable البريدية من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Total
1
Share