الجلوكوما

كشف سر العمى نتيجة الجلوكوما!

تعتبر "الجلوكوما" -المياه الزرقاء على العين- هي المسبب الثاني للعمى في العالم بعد "الساد" -المياه البيضاء على العين-، حيث تصيب 70 مليون شخص حول العالم كما أنه يطلق عليها "مرض العمى الصامت".

تمكن مجموعة من الباحثين من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا و "ماساتشوستس" للعين والأذن في دراسة نُشرت في دورية "نيتشر" الأسبوع الماضي، من التوصل إلى إمكانية أن يكون السبب وراء العمى نتيجة "الجلوكوما" هو اضطراب من رد فعل المناعة الذاتية!

وقد توصلوا لمثل هذه النتائج من خلال تجاربهم على مجموعة من الفئران التي وجدوا فيها أن خلايا المناعة التائية "T-cells" هي المسؤولة عن تدمير شبكية العين الذي يحدث خلال مرض الجلوكوما. وقد توصلوا أن السبب في ذلك هو تفاعل سابق بين هذه الخلايا مع البكتيريا المتعايشة طبيعيًا داخل أجسامنا،

وهذا الاكتشاف قد يمكنّا من تطوير علاجات جديدة للجلوكوما من خلال إيقاف رد فعل المناعة الذاتية.

سائل حيوي

مع تقدم الأشخاص في العمر تزداد احتمالية إصابتهم بضغط العين المرتفع، أي زيادة ضغط السائل المائي الذي تنتجه العين، والذي من وظائفه أن يوفر التغذية للأنسجة العينية الوعائية ونقل العوامل المختلفة التي تحتاجها خلايا العين، بالإضافة إلى مرور الضوء من خلاله إلى الشبكية.

يحافظ ذاك السائل المائي الذي تنتجه العين على ضغط العين بصورة طبيعية، فإذا ما حدثت أي مشكلة في الوعاء المسؤول عن تصريفه يتسبب ذلك في ارتفاع ضغط العين وهو ما قد يؤثر سلبًا على الشبكية، والتي عادةً ما تتحسن نسبيًا مع الالتزام بعلاجات خفض ضغط العين.

إلا أن المشكلة الحقيقية قد تظهر فيما بعد، ففي حالة "الجلوكوما" حتى بعد علاج ارتفاع الضغط، كان الأطباء يلاحظون استمرار مشكلة تآكل شبكية العين دون أن يشعر المريض، والتي تصل مع الوقت إلى العصب البصري مما يتسبب في العمى الذي لا يمكن عكسه أو علاجه.

و ذلك هو ما دعا الباحثين للتفكير في أن تغير الضغط قد يسبب تغييرًا في شيء ما بمكونات العين، وأول ما ورد في ذهنهم "أنه من المؤكد كونه رد فعل مناعي"، وفقًا لعالمة الأعصاب والباحثة الرئيسة في الدراسة "دونج تشن".

جريمة عمياء

بدأ الباحثون في اختبار فكرتهم تلك من خلال تجربتها على حيوانات المعمل النموذجية "الفئران"، فقد لاحظوا أن ما يحدث فيها يشبه تمامًا ما يحدث عند البشر خلال فترة المرض، وقامت أولى تجاربهم حول البحث عن تواجد أي من تلك الخلايا المناعية في العين، وهو بالفعل ما وجدوه، ولأنه من غير الطبيعي أن تتواجد مثل هذه الخلايا في أنسجة الشبكية، لوجود حاجز يمنع دخولها لتجنب تحفيز أي التهاب في تلك المنطقة الحساسة، أصبحت الخلايا التائية المناعية المتسللة مع ارتفاع ضغط العين، مشتبها به رئيسيًا في التسبب بالمرض.

اقرأ أيضاً:  طفرة وراثية تزيد احتمال الانتكاسة بعد الإقلاع عن التدخين

وبعد اكتشافهم طرف الخيط الرئيسي تتبعوه نحو كشف الدور الممرض الذي قد تلعبه تلك الخلايا بعد عبورها الحاجز الآمن للشبكية، تواصل الفريق مع عالم المناعة "جيانزو شين"، الذي ساعد بدوره في إكمال خطة التحقيق مع الخلايا التائية المشتبه في تورطها.

مسرح التحقيق هو ثلاث سلالات مختلفة من فئران المعمل، أحدها يفتقر للخلايا المناعية البائية فقط، والأخرى للتائية فقط، والأخيرة لكليهما، حيث قام الفريق بإحداث ضغط عين مرتفع معمليًا في مجموعة من تلك السلالات المختلفة، وترقب أي منهم ستسمر فيهم أزمة تآكل خلايا الشبكية في الفترة الحجرة، أي من أسبوعين إلى8 أسابيع بعد الحقن المسبب لارتفاع ضغط العين.

وكانت النتائج كما المتوقع، تحسنت السلالتين اللتان تفتقران إلى الخلايا التائية تدريجيًا، في حين استمر تطور الضرر في الفئران التي تمتلك الخلايا المشتبه فيها، وبذلك تم التحقق من دورها الممرض.

لإكمال التحقيق قام الفريق بعد ذلك باستجواب الخلايا المتهمة عن الدافع، أي البحث عن السبب الذي قد يدفع خلايا مناعية إلى مهاجمة خلايا أخرى من الجسم كخلايا الشبكية، ليتوصل الفريق إلى أن ذاك التفاعل المناعي يحدث عن طريق الخطأ، أي أنها بالأصل "جريمة عمياء".

تهاجم الخلايا التائية إحدى البروتينات في خلايا الشبكية اعتقادًا منها أنها خلايا بكتيرية، فبرغم من أن الخلايا المناعية عادةً ما تكون شديدة الدقة، إلا أن تلك البروتينات بالتحديد تتشابه بين البشر والبكتيريا والعديد من الكائنات الأخرى، ويمكن لتحفيز مسبق للخلايا ضد تلك البروتينات البكتيرية، أن يفعلها لمهاجمة شبيهتها البشرية.

أكد ذلك تجربةً إضافيةً أجراها الباحثون على فئران لا تمتلك أي بكتيريا تمامًا في أجسامها وقاموا برفع ضغط العين فيها ثم تابعوا ما يحدث، وبالفعل رغم زيادة نسبة الخلايا المناعية في أعين الفئران إلا أنها لم تتسبب في أي ضرر، لأنها لم تقم بمهاجمة تلك البروتينات الموجودة فيها.

تطابقت أغلب النتائج مع المرضى من البشر كذلك، حيث لوحظ ارتفاع نسبة الخلايا التائية المسببة للمرض، حوالي 5 أضعاف عن المعدل الطبيعي لدى مرضى الجلاكوما، تقدم الدراسة الحديثة آمالاً كبيرةً لمواجهة عمى الجلاكوما بمثبطات مناعية بسيطة.

من المحتمل، أن تكون مثل هذه النتائج مقدمة لعلاج أمراض عصبية أخرى، فكما تقول "دونج تشين" :

"ما نتعلمه من العين، يمكن تطبيقه مستقبليًا على مشاكل الدماغ."

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
2
Share