تجربة - الأورويو أكثر إدمانًا من الكوكاكيين

الإدمان | أنت أقوى من الأوريو

هل تتذكر حفلة عيد ميلادك الماضي وكيف قضيت وقتًا ممتعًا بين أصدقائك وأقاربك؟

لعلك انسجمت مع تلك الأجواء المبهجة وقررت استغلال تلك المناسبة السعيدة للتفكير في كافة المهام التي تود إنجازها هذا العام، إلى أن ينتهي اليوم وتخلد إلى النوم، لتتفاجئ بعدها بفقدانك الرغبة في تحقيق كل تلك الأهداف التي وضعتها، بل أنك لا تود النهوض من السرير من الأساس، فما تفسير ذلك؟

مراكز المكافأة والإدمان

على الصعيد النفسي، يعيش كل منا يومه على مستوى معين من "الطمأنينة"، ليس في حالة من السعادة، وليس مغمومًا بالأحزان، بل في شعور متوسط بينهما يمثل طبيعة الحياة اليومية. 

عند تعرضك لتلك الأجواء المبهجة، مثل التي قضيتها في حفلة عيد ميلادك، فإن ذلك يحفز "مراكز المكافأة" بالدماغ، ما يعمل على  تفعيل الدوائر العصبية المسؤولة عن الشعور بالمتعة، التي يرتفع بك عن خط العاطفة الأساسي الذي تمثله "الطمأنينة" لتصل إلى حد "السعادة". 

لكن، مع انتهاء تلك الأجواء المبهجة، ترجع مرة أخرى إلى "الطمأنينة". لكن، في هذه المرة، تقارن دماغك تلقائيًا بين ذلك الشعور وشعور السعادة الذي كان يغمرك سابقًا، لتجد نفسك غير راض عن خط العاطفة الأساسي الذي كان يرضيك من قبل.

هذا بالتحديد ما يحدث عند تجربة إحدى الأدوية أو العقاقير المخدرة، التي تحلق بمتعاطيها في عالم من السعادة الوهمية التي تجعله يزدري حالته النفسية وحياته بأكملها عند انتهاء مفعول تلك المواد وتحفيزها لمراكز المكافأة بالدماغ، ما يجعله يدور في حلقة مفرغة من الرغبة الدائمة في تحفيز مراكز المكافأة والشعور بالمتعة، وصعوبة الوصول إلى ذلك مع اعتياد الجسم على تلك المواد، ورفع سقف المتعة التي يود الوصول إليها، فيما يُعرف بالإدمان.

لا يقتصر الأمر على المخدرات فحسب

بالرغم من الاعتقاد الشائع بأن مصطلح الإدمان يتعلق فقط بالعقاقير المخدرة، إلّا أن هناك العديد من الأنشطة اليومية التي تبدو طبيعية تمامًا إلى الحد الذي يجعل تصديق إدمانها أمرًا صعبًا للغاية. 

اقرأ أيضاً  أسوان تحتضن المؤتمر الدولي الأول لمنتجات النخيل الثانوية
الإدمان, الإدمان, الإدمان السلوكي, إدمان المخدرات, ساينتفك عرب, كوكايين, محدرات

"الأوريو" أكثر إدمانًا من الكوكايين!

بالرغم من الاعتقاد الشائع بأن إدمان المخدرات هو أشهر وأخطر صور الإدمان، إلّا أن الدراسات الحديثة أثبتت خطأ ذلك الاعتقاد في دراسة فريدة من نوعها، أجراها عدد من الطلبة والباحثين بجامعة "كوينيتيكت" بهدف تسليط الضوء على إمكانية إدمان الأشخاص للأطعمة، خاصةً تلك التي تحتوي نسب عالية من الدهون والسكريات. 

ومن هذا المنطلق، صمم الباحثون ما يشبه متاهة، ووضعوا في أحد أركانها بعض القطع من حلوى "الأوريو"، في حين وضعوا في ركن آخر بعض قطع الحلوى المصنوعة من الأرز، مع ترك مجموعة من الفئران في تلك المتاهة. 

أظهرت الفئران اهتمامًا ملحوظًا بالركن الذي يحتوي قطع "الأوريو" مقارنةً بركن حلوى الأرز، حتى إنها فضلت المكوث في ركن حلوى "الأوريو" لفترة طويلة حتى بعد انتهائها من تناول جميع قطع الحلوى الموجودة في تلك المتاهة، ما يثبت ارتباطها بتلك الحلوى بشكل كبير. وفي مصادفة طريفة، وجد الباحثون أن الفئران أيضًا تحب تناول حشو حلوى الأوريو أولًا قبل تناول باقي أجزاء قطعة الحلوى، كما نأكلها نحن في الكثير من الأحيان.

كرر الباحثون التجربة مرة أخرى، لكن هذه المرة، قسّموا الفئران إلى مجموعتين لحقن المجموعة الأولى ب "الكوكايين" أو "المورفين"، في حين حُقنت المجموعة الأخرى بمحلول ملحي.

تُركت المجموعتين في المتاهة لاختبار تفضيل كل مجموعة المكوث في الركن الذي تلقت فيه تلك المواد، وبمقارنة نتائج التجربتين، فوجئ الباحثون بأن المجموعة التي تلقت جرعات "المورفين" و"الكوكايين" أظهرت نتائج مشابهة تمامًا لنتائج المجموعة التي تناولت حلوى "الأوريو" من حيث تفضيلهم للمكوث في تلك الأركان لفترات طويلة.

لم يكتف القائمون على تلك التجربة بذلك، بل قرروا قياس نسبة أحد البروتينات المسؤولة عن مراكز المتعة بالدماغ (c-Fos)، ما يحدد عدد الخلايا التي تم تحفيزها  أثناء الاستجابة إما لحلوى "الأوريو" أو جرعات "المورفين".

وبمقارنة النتائج، وجد الباحثون أن حلوى "الأوريو" استطاعت تحفيز عدد أكبر من الخلايا الدماغية مقارنة بالخلايا التي حفزتها جرعات "المورفين"، لتخلص تلك التجربة في النهاية إلى أن الأطعمة التي تحتوي نسب عالية من الدهون والسكريات بإمكانها أن تكون أكثر إدمانًا من المخدرات، عن طريق تحفيز مراكز المكافأة بالدماغ، بشكل يفوق تأثير المخدرات على أدمغتنا.

اقرأ أيضاً  الوجه المظلم للعلاج الجيني
الإدمان, الإدمان السلوكي, إدمان المخدرات, ساينتفك عرب, كوكايين, محدرات

أسباب الإدمان

عوامل بيولوجية

تلعب الجينات دورًا في كافة جوانب الحياة اليومية، كما تحدد استجابة الجسم للمؤثرات المختلفة من حوله، فهي التي تحدد مدى استجابة الدماغ عند التعرض لأحد المواد المسببة للإدمان، مثل المخدرات والمهلوسات وحتى المنومات.

حتى الآن، لم يتمكن العلماء من كشف جينات محددة ترتبط بالإدمان، لكن في الوقت نفسه، تتوجه الأنظار إلى الجينات المسؤولة عن تكوين  المستقبلات الدماغية للناقلات العصبية، خاصةً "الدوبامين". تشير الرابطة الأمريكية لطب الإدمان (ASAM) إلى أن حمل بعض الأشخاص لجينات متعلقة بالإدمان، يرفع من نسبة حدوثه بأكثر من 50% مقارنة بالأشخاص الذين لا يحملون تلك الجينات.

لكن على كل حال، فإن حمل بعض الأشخاص لجينات تتعلق بالإدمان لا يعني بالضرورة أنهم سيواجهون تلك المشكلة، بل يعني أنهم أكثر عرضة من غيرهم للإدمان، ما يوجب توخي الحذر وتجنب أي من المواد أو السلوكيات المتعارف ارتباطها بالإدمان.

عوامل نفسية

تشير الإحصاءات إلى ارتباط الإدمان ببعض الاضطرابات النفسية والعقلية، خاصةً اضطرابات الاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن الجزم بأن علاقة الإدمان بالاضطرابات النفسية هي علاقة سببية، ولا يعني بالضرورة أن أي منهما تتسبب في الأخرى.

عوامل بيئية

تشير الدراسات العلمية إلى أن التعرض المبكر لبعض المواقف الحياتية المؤلمة، مثل الاعتداءات الجسدية والجنسية واضطراب ما بعد الصدمة، يرفع نسب حدوث الإدمان بشكل ملحوظ، خاصةً عندما تفوق تلك المواقف قدرة الإنسان على التأقلم، ما يدفعه إلى تجربة العقاقير المخدرة أو الانخراط في سلوكيات معينة بشكل يصل إلى حد الإدمان، في محاولة لتناسي الأزمات النفسية البالغة التي تعرض لها والتي يعجز عن تخطيها.

حديقة الفئران وتغيير مفهوم الإدمان

لعل أبرز ما يطرق ذهنك الآن: ما الذي قد يدفع أحدهم للوصول إلى الإدمان؟

اقرأ أيضاً  حمام الساونا؛ تأثيراته على الجسم وصحة الأوعية الدموية

قد يفسر بعض الناس ذلك بضعف الشخصية ووهن الإرادة، في حين قد يراه آخرون صورة من صور الانفلات الأخلاقي. قد يفسره علماء النفس بحب هؤلاء الناس للانغماس في اللذات والرغبة الدائمة في تحفيز نظام المكافأة بالدماغ، وقد يرى علماء الأحياء أن الأمر كله يتعلق بالجينات.

توجد العديد من التفسيرات التي يبدو بعضها منطقيًا ويبدو الآخر متناقضًا، ما دفع عالم النفس الكندي "بروس ألكسندر" وزملاءه إلى إجراء مجموعة من التجارب التي عُرفت ب"حديقة الفئران".

في بداية تلك التجارب، وضع "ألكسندر" فأر في قفص ليبقى حبيسًا بمفرده، ووضع معه زجاجتين، إحداهما تحتوي الماء فقط، أما الأخرى فتحتوي الماء الممزوج بمادة "الهيروين" المخدرة، ليجد "ألكسندر" أن الفأر يفرط في الشرب من الزجاجة التي تحتوي "الهيروين" بشكل متكرر، حتى مات نتيجة تناول جرعات كبيرة من المخدر.

كرر "ألكسندر" التجربة، لكنه في هذه المرة، وضع مجموعة من الفئران سويًا في القفص نفسه، وسمح لهم بحرية التجول واللعب، مع إتاحة الوصول للزجاجتين التي استخدمهما في التجربة السابقة، ليُفاجأ "ألكسندر" بأن الفئران فضلت تناول الماء، ولم تظهر اهتمامًا بالزجاجة التي تحتوي مادة "الهيروين"، ليثبت أن الفئران لم ترغب في تناول المخدر في أثناء تواجدها في البيئة الاجتماعية المتمثلة في "حديقة الفئران".

استطاعت تجارب "ألكسندر" تغيير المنظور السطحي المعروف للإدمان، كونه مجرد ضعف للإرادة، كما أنها سلطت الضوء على التأثير البالغ للتواجد في بيئة اجتماعية داعمة، ودور ذلك في تجنب مشكلة الإدمان منذ البداية.

أخيرًا، إن علاج مشكلة الإدمان لا يقتصر على المصحات النفسية أو فرض العقوبات الصارمة فحسب، بل يعتمد بشكل كبير على تحديد المشكلة الرئيسية التي أدت إلى حدوث أي من أنواع الإدمان؛ سواء إدمان المخدرات أو الإدمان السلوكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات مرتبطة
Total
95
Share